درس طرق دفع التعارض بين النصوص من كتاب أصول الفقه من ورقات إمام الحرمين بشرح الحطاب، درس في الفقه للسنة الثالثة من التعليم الإعدادي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 19)
الأهداف
- أن أتعرف مفهوم التعارض بين النصوص.
- أن أدرك طرق دفع التعارض بين النصوص.
- أن أتمثل الغاية من دفع التعارض بين النصوص.
تمهيد
جاءت الشريعة الإسلامية لهداية الناس وبيان الجائز من غيره مما هو وارد في القرآن والسنة وما تفرع عنهما من أدلة، وكل هذه الأدلة تتسم بالتكامل والانسجام، وما قد يظهر من تعارض في بعض نصوصها فإنما هو في بداية النظر، ولذلك قعَّد أهل العلم قواعد لدفع هذا التعارض الظاهري بين النصوص.
فما هو التعارض؟ وما أنواعه؟ وكيف يمكن دفعه؟
المتن
قال إمام الحرمين رحمه الله: "فَصْلٌ فِي التَّعَارُضِ: إِذَا تَعَارَضَ نُطْقَانِ فَلا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ، أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُما عَامَّاً وَالآخَرُ خَاصَّاً، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما عَامّاً منْ وجْهٍ خَاصّاً مِنْ وَجْهٍ؛ فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا إِنْ لَم يُعْلَمِ التَّارِيخُ، فَإنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَيُنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتَأَخِّرِ، وَكَذَا إِذَا كَانَا خَاصَّيْنِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامَّاً وَالْآخَرُ خَاصَّاً، فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ، وَإِنْ كَان أَحَدُهُمَا عَامَّاً مِنْ وَجْهٍ وَخَاصَّاً مِنْ وَجْهٍ، فَيُخَصُّ عُمُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ اِلْآخَرِ".
الفهم
الشرح:
التَّعَارُض: التمانع والتخالف بين شيئين.
نُطْـــقَــانِ: نصان من قول الله تعالى ومن قول رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أحدهما من قول الله تعالى والآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الْـــوَجْـــه: الجهة.
استخلاص مضامين المتن:
- أعرف التعارض بين النصوص.
- أبين أنواع التعارض بين النصوص وطرق دفعه.
التحليل
اشتمل الدرس على ما يأتي:
أولا: تعريف التعارض بين النصوص وأنواعه:
التعارض لغة: تَفَاعُلٌ، من عرَض الشّيء يَعْرِضُ، كأنّ كلا من النصين عرض للآخر حين خالفه والتعارض اصطلاحا هو: تقابل نصين من قول الله سبحانه وتعالى أو من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أحدهما من قول الله تعالى والآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التمانع في الظاهر.
وهو أنواع أشار إليها المصنف بقوله: "إِذَا تَعَارَضَ نُطْقَانِ فَلا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ، أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُما عَامَّاً وَالآخَرُ خَاصَّاً، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما عَامّاً منْ وجْهٍ خَاصّاً مِنْ وَجْهٍ" التعارض بين النصوص أنواع أربعة حسب ما ذكره المصنف وهي:
- التعارض بين عامين.
- التعارض بين خاصين.
- التعارض بين عام وخاص.
- التعارض بين نصين كل منهما عام من وجه، وخاص من وجه.
ثانيا: كيفية دفع التعارض بين النصوص:
التعارض بين عامين:
أشار المصنف إلى كيفية دفع التعارض بينهما بقوله: "فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُتَوَقَّفُ فِيهِمَا إِنْ لَم يُعْلَمِ التَّارِيخُ، فَإنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَيُنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتَأَخِّرِ" إذا كان التعارض بين نصين عامين فلا يخلو الأمر مما يأتي:
أن يمكن الجمع بينهما: فيجمع بينهما؛ بأن يحمل كل منهما على حال؛ إذ لا يمكن الجمع بينهما مع إجراء كل منهما على عمومه؛ لأنَّ ذلك محالٌ، لأنه يفضى إلى الجمع بين النقيضين، فإطلاق الجمع بينهما مجاز عن تخصيص كل واحد منهما بحال. مثال ذلك: الجمع بين حديث: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ اَلذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا". [ صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب خير الشهود ]، وبين حديث: "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا " [صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهَدُ على شهادة جور إذا أشهد].
فالحديث الأول يمدح من يأتي بالشهادة قبل أن يطلب منه ذلك، والحديث الثاني يذم من يفعل ذلك، فجُمع بين الحديثين بحمل الأول على ما إذا كان المشهود له غير عالم بها، والثاني على ما إذا كان المشهود له عالما بها. وحمل بعضهم الأول على ما كان في حق الله كالطلاق، والثاني على غير ذلك.
أن لا يمكن الجمع بينهما: فإذا علم التاريخ فيُنسخ المتقدم في النزول بالمتأخر كما أشار إليه المصنف. ومثال ذلك: نسخ قوله عز وجل:

البقرة: 238
، بقوله تعالى:

البقرة: 232
أن لا يعلم تاريخ المتقدم من المتأخر: فيتوقف في الدليلين عن العمل بهما حتى يظهر المرجح لأحدهما.
التعارض بين خاصين:
إذا كان التعارض بين نصين خاصين، فتطبق القواعد السابقة في تعارض العامَّين، لقول المصف: "وَكَذَا إِذَا كَانَا خَاصَّيْنِ" أي: فإن أمكن الجمع بينهما جمع. مثال ذلك حديث: أنه صلى الله عليه وسلم "تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ" [صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة]، وحديث: "أنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَرَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا فِي النَّعْلَيْنِ". [سنن أبي داود، كتب الطهارة، باب الوضوء مرتين]؛ فإن الجمع بين الحديثين ممكن بحمل الرش على حالة تجديد الوضوء، وقيل: المراد بالوضوء في حديث الغسل الوضوء الشرعي، وفي حديث الرش اللغوي وهو النظافة. وقيل: إنه غسلهما في النعلين وسمي ذلك رشاً مجازاً.
وإن علم التاريخ نُسخ المتقدم بالمتأخر كما في حديث: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا". [صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه]. فالأمر بالزيارة سبقه النهي عنها. وإن لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ توقف فيهما إلى ظهور مرجح لأحدهما. مثاله ما جاء عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: "لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ" [سنن أبي داود، كتاب الطهارة باب المذي ] وجاء أنه قال: "اصْنَعُوا كَلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ" أي: الوطء.[ صحيح مسلم، كتاب الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ]، ومن جملة ذلك الاستمتاع بما تحت الإزار، فتعارض فيه الحديثان فرجح بعضهم التحريم احتياطاً، وبعضهم الحل؛ لأنه الأصل في المنكوحة، والأول هو المشهور عندنا وعند الشافعية، وقال أبو حنيفة وجماعة من العلماء بالثاني.
التعارض بين عام وخاص:
أشار المصنف إلى كيفية دفع التعارض بين العام والخاص بقوله: "وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامَّاً وَالْآخَرُ خَاصَّاً، فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ" أي: يخصص العام بالخاص، كحديث الصحيحين: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشُرُ"[ الموطأ كتاب الزكاة باب زكاة ما يخرص من ثمار النخل]، وحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" [ الموطأ كتاب الزكاة باب ما تجب فيه الزكاة ] فالأول عام والثاني خاص فيخصص الأول بالثاني، سواء وَرَدَا معاً أو تقدَّم أحدهما على الآخر أو جهل التاريخ.
التعارض بين نصين كل منهما عام من وجه خاص من وجه:
أشار إليه المصنف بقوله: "وَإِنْ كَان أَحَدُهُمَا عَامَّاً مِنْ وَجْهٍ وَخَاصَّاً مِنْ وَجْهٍ، فَيُخَصُّ عُمُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخُصُوصِ اِلْآخَرِ" إذا كان أحد النصين عاماً من وجه وخاصاً من وجه والآخر كذلك، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر إن أمكن ذلك. ومثال ذلك حديث: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ". [سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب ما ينجس من الماء]، وحديث: "المَاءُ لاَ يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلاَّ ما غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ". [سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب الحياض]. فالحديث الأولُ خاصٌّ في القُلتين، عامٌّ في الماء المتغير وغيره. والحديث الثاني خاصٌّ في الماء المتغير عامٌّ في القلتين وما دونهما؛ فيُخصُّ عموم الأولِّ بخصوص الثاني؛ فيُحكمُ بأن ما دون القُلتين من الماء ينجس بوقوع النجاسة فيه وإنْ لم يتغير شيء من أوصافه، على ما ذهب إليه الشافعية. ورجح المالكية الحديث الثاني؛ لأنه نصٌّ، والحديث الأولُ إنما يُعارض بمفهومه، ودلالة النصِّ أقوى من دلالة المفهوم. وعليه فالقصد هو التمثيل.
وإذا لم يمكن الجمع وعلم التاريخ فالمتقدم يُنسخ بالمتأخر، وإن لم يمكن الجمع ولا النسخ فإنه يتوقف كما قررنا فيما سبق.
التقويم
- أبين طريقة دفع التعارض بين نصين أحدهما عامّ والآخر خاصّ.
- أوضح طريقة دفع التعارض، إذا كان كل من النصين عامّاً من جهة، وخاصّاً من جهة أخرى.
الاستثمار
- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ». [صحيح البخاري. كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ]؛ وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا». [صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها].
- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ». [ صحيح البخاري. كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ]. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». [ صحيح البخاري، كتاب التهجد باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى].
أتأمل الأحاديث وأبين التعارض الحاصل بينها وكيفية دفعه.
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأنجز ما يلي:
- أعرف الإجماع.
- أبين حجية الإجماع.
- أعدد أنواع الإجماع.
