درس شروط المجتهد وأحكام التقليد من كتاب أصول الفقه من ورقات إمام الحرمين بشرح الحطاب، درس في الفقه للسنة الثالثة من التعليم الإعدادي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 27)
الأهداف
- أن أتعرف شروط المجتهد.
- أن أدرك متى يجوز التقليد ومتى لا يجوز.
- أن ألتزم بشروط الفتوى.
تمهيد
الفتوى أعظم وسيلة لتبليغ الأحكام الشرعية إلى الناس فيما يطرأ لهم من قضايا وما ينزل بهم من نوازل، والمفتي هو المبين لأحكام الله عز وجل في النوازل والمستجِدات، ولأهمية الفتوى اشترط فيها العلماء مجموعة من الشروط، من لم تتوفر فيه هذه الشروط فهو من أهل التقليد.
فما هي شروط المجتهد المفتي؟ وما هي صفات المستفتي؟
المتن
قال إمام الحرمين رحمه الله: "وَمِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِالْفِقْهِ أَصْلاً وَفَرْعاً، خِلَافاً وَمَذْهباً، وَأنْ يَكُونَ كَاملَ الأَدِلَّةِ في الِاجْتِهَادِ، عَارِفاً بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَتَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْوَارِدَة فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَمِنْ شَرُوطِ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ، فَيُقَلِّدَ الْمُفْتِيَ فِي الْفُتْيَا وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يُقَلِّدَ.
والتَّقْلِيدُ: قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ. فَعَلَى هَذَا قَبُولُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُسَمَّى تَقْلِيداً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اَلتَّقْلِيدُ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأَنْتَ لا تَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَهُ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى قَبُولُ قَوْلِهِ تَقْلِيداً".
الفهم
الشرح:
الأَدِلَّــــةِ: القواعد، وفي بعض النسخ الآلة: وهي وسيلة العمل.
اسْتِنْبَاط: استخراج، والمراد هنا استخراج خاص.
استخلاص مضامين المتن:
أبين ما تضمنه الفقرة الأولى من المتن.
- أحدد مفهوم التقليد.
- متى يجوز التقليد؟
التحليل
اشتمل الدرس علي ما يأتي:
أولا: شروط المجتهد:
أشار المصنف إلى شروط المفتي المجتهد بقوله: "وَمِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي: أَنْ يَكُونَ عَالِماً بِالْفِقْهِ أَصْلاً وَفَرْعاً، خِلَافاً وَمَذْهباً، وَأنْ يَكُونَ كَاملَ الأَدِلَّةِ في الِاجْتِهَادِ، عَارِفاً بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَتَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْوَارِدَة فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا" ومعنى ذاك أن شروط المجتهد هي:
- العلم بأصول الفقه: وذلك قول المصنف: "عَالِماً بِالْفِقْهِ أَصْلاً" فمراده بالأصل دلائل الفقه المذكورة في علم أصول الفقه، ويحتمل أن يريد بالأصل أمهات المسائل التي هي كالقواعد ويتفرع عليها غيرها، لكن يفوته التنبيه على معرفة أصول الفقه إلا أن يدخل ذلك في قوله كامل الأدلة.
- العلم بالفروع: وذلك قول المصنف: "وَفَرْعاً" ومراده فروع المسائل المدونةُ في كتب الفقه.
- العلم بمسائل الخلاف: وذلك قول المصنف: "خِلَافاً وَمَذْهباً" مراده بالخلاف المسائلُ المختلف فيها بين العلماء، وبالمذهب ما يستقر عليه رأيه، هذا إن حمل على المجتهد المطلق، وإن حمل على المجتهد المقيد فمراده بالمذهب ما يستقر عليه رأي إمامه. وفائدة معرفة الخلاف ليذهب إلى قول منه، ولا يخرج منه بإحداث قول آخر؛ لأن فيه خرقاً لإجماع من قبله، حيث لم يذهبوا إلى ذلك القول.
- كمال الأدلة: هكذا في أغلب النسخ وفي بعض النسخ: "كمال الآلة " يحتمل أن يريد بكمال الأدلة صحة الذهن وجودة الفهم بعده، فيكون ما بعده شرطاً آخراً، ويحتمل أن يريد بكمال الأدلة ما ذكره بعده فيكون تفسيراً له، أي: عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام؛ من النحو والفقه ومعرفة الرجال الراوين للحديث، ليأخذ برواية المقبول منه دون المجروح.
وإذا أخذ الأحاديث من الكتب التي التزم مصنفوها تخريج الصحيح كالموطأ والبخاري ومسلم لم يحتَج إلى معرفة الرجال.
وأن يكون عارفا بتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه. والمراد من ذلك معرفة ما يتعلق بفقه تلك الآيات وفقه تلك الأخبار دون معرفة القصص.
ولا يشترط أن يكون حافظاً للقرآن ولا لآيات الأحكام منه ولا محيطاً بالأحاديث والآثار الواردة في الأحكام وإن كان ذلك هو الأفضل. وقد نقل عن ابن جزي المالكي وابن السمعاني والزركشي اشتراط حفظ القرآن الكريم، وهو أحوط للاجتهاد وأدعى لسلامته من الخطأ، وأما السنن فقد قال الشافعي رضي الله عنه: لا تجتمع السنن كلها عند أحد، فالمراد أن يكون عالماً بجملة من الأحاديث الواردة في الأحكام المشهورة عند أهل العلم وعالماً بفقهها، ولا يشترط أن يعرف الأحاديث الغريبة ولا تفسير غريب الحديث، وإن كان معرفة ذلك تزيده تمكيناً.
ثانيا: شروط المستفتي:
قال المصنف: "وَمِنْ شَرُوطِ الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ، فَيُقَلِّدَ الْمُفْتِيَ فِي الْفُتْيَا وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يُقَلِّدَ" المقلد هو الذي لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد، فيجب عليه تقليد المفتي المجتهد. وأشار المصنف بذلك إلى مسألتين:
إحداهما: أنه لا يجوز تقليد كل أحد، بل إنما يقلد المجتهد إن وجده.
والثانية: أنه إنما يقلده في الفتوى، ولا يقلده في الأفعال، فلو رأى الجاهلُ العالمَ يفعل فعلاً لم يجز له تقليده فيه حتى يسأله؛ إذ لعلَّه فعله لأمر لم يظهر للمقلد. وعُلِمَ منه أن من كان من أهل الاجتهاد لم يجز له أن يقلد غيره كما نبه عليه بقوله: "وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يُقَلِّدَ" أي: غيره، لتمكنه من الاجتهاد، هذا هو الصحيح، وقيل: يجوز.
ثالثا: تعريف التقليد:
ذكر المصنف تعريف التقليد فقال: "والتَّقْلِيدُ: قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ. فَعَلَى هَذَا قَبُولُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُسَمَّى تَقْلِيداً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اَلتَّقْلِيدُ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأَنْتَ لا تَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَهُ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى قَبُولُ قَوْلِهِ تَقْلِيداً" فعلى التعريف الأول الذي ذكره المصنف قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يذكره من الأحكام يسمى تقليداً؛ لأنه يجب الأخذ بقوله فيما يذكره من الأحكام، وإن لم يذكر دليل ذلك الحكم؛ لأنه قد قام الدليل على قبول قوله، وهو المعجزة الدالة على رسالته. ومنهم من قال التقليد: قبول قول القائل وأنت لا تدرى من أين قاله، أي: لا تعلم مأخذ ذلك القول عند قائله.
فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس ويجتهد ولا يقتصر على الوحي؛ فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً؛ لاحتمال أن يكون قاله عن اجتهاد. وإن قلنا: إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي لقوله تعالى:
النجم:3 – 4
فلا يسمى قبول قوله تقليداً لإسناده إلى الوحي.
ومسألة اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيها خلاف، والصحيح جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوعه منه، وهو الذي رجحه ابن الحاجب.
وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز في الآراء والحروب. والصواب أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطئ.
التقويم
- أذكر شروط المجتهد.
- لماذا يشترط في المجتهد العلم بالخلاف؟
- متى يكون الشخص مؤهلا للفتوى مع التعليل؟
الاستثمار
عَن الإمام مالك رضي الله عنه قال: "وَهَذَا الشَّأْنُ، يَعْنِي الْحَدِيثَ وَالْفُتْيَا، يَحْتَاجُ إِلَى رَجُلٍ مَعَهُ تُقًى وَوَرَعٌ وَصِيَانَةٌ وَإِتْقَانٌ وَعِلْمٌ وَفَهْمٌ، فَيَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ وَمَا يَصِلُ إِلَيْهِ غَداً، فَأَمَّا رَجُلٌ بِلَا إِتْقَانٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ، فَلَا يُنْتَفِعُ بِهِ، وَلَا هُوَ حُجٌّة، وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُ. [ترتيب المدارك، للقاضي عياض:1 / 137].
- أضاف الإمام مالك رحمه الله بعض الشروط التي لم ترد في الدرس فما هي؟ وما الغاية من اشتراطها؟
- في زماننا ابتليت الأمة بأناس يتصدرون للفتوى بدون توفر شروطها، أبين حكم فتواهم انطلاقا من النص.
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأنجز ما يلي:
- أعرف الاجتهاد.
- أبين حكم المجتهد المصيب والمخطئ.

