درس الاستصحاب وترتيب الأدلة من كتاب أصول الفقه من ورقات إمام الحرمين بشرح الحطاب، درس في الفقه للسنة الثالثة من التعليم الإعدادي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 26)
الأهداف
- أن أتعرف مفهوم الاستصحاب والإباحة والحظر.
- أن أتبين الحكم الأصلي في الأشياء، وترتيب الأدلة.
- أن أتمثل مرونة الشريعة الإسلامية في الأصل في الأشياء والاستصحاب.
تمهيد
معلوم أن لله تعالى حكما شرعيا في كل نازلة، فمنها ما ثبت حكمها بالقرآن أو السنة أو غيرهما من الأدلة المعتبرة، ومنها ما هو مسكوت عنه وهو موضع خلاف بين العلماء، في حمله على الحظر أو الإباحة.
فما قول الأصوليين في حكم الأصل في الأشياء؟ وما معنى الاستصحاب؟ وكيف نرتب بين الأدلة الشرعية عند التعارض؟
المتن
قال إمام الحرمين رحمه الله: "وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلَّا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَيُتَمَسَّكُ بِالأَصْلِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضدِّهِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ أَنَّهَا عَلَى الْإبَاحَةِ إِلَّا مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ. وَمَعْنَى اسْتِصحَابِ الْحَالِ الذي يُحْتَجُّ بِهِ: أَنْ يُسْتَصْحَبَ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ فَيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ مِنْهَا عَلَى الْخَفِيِّ، وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ، وَالنُّطْقُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ؛ فَإِنْ وُجِدَ فِي النُّطْقِ مَا يُفَسِّرُ الْأَصْلَ، وَإِلَّا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ".
الفهم
الشرح:
الْحَظْر: المنع.
الْإبَاحَةُ: خلاف المنع.
اسْتِصحَاب: طلب المصاحبة والملازمة.
استخلاص مضامين المتن:
- ما هو الأصل في الأشياء؟
- ما معنى الاستصحاب؟ ومتى يعمل به؟
- كيف يتم الترجيح بين الأدلة؟
التحليل
لما فرغ المصنف من ذكر الأدلة الشرعية المتفق عليها شرع في بيان المختلف فيها، وختم هذه الأدلة بكيفية الترتيب بينها عند التعارض، وينتظم ذلك في المحاور الآتية:
أولا: الأصل في الأشياء:
اختلف هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر على أقوال:
القول الأول: الأصل في الأشياء الحظر، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: "وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلَّا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَيُتَمَسَّكُ بِالأَصْلِ" أصحاب هذا القول يرون أن الأشياء مستمرة على الحرمة بعد البعثة المحمدية؛ وذلك لأنها الأصل فيها، إلا ما أباحته الشريعة. والاستثناء في قول المصنف: "إِلَّا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ" منقطع؛ فإن ما أباحته الشريعة الأصل فيه أيضاً الحرمة على هذا القول.
وينبني على هذا القول أنه إذا لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة فإنه يتمسك بالأصل وهو الحظر والحرمة.
القول الثاني: الأصل في الأشياء الإباحة، وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضدِّهِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ أَنَّهَا عَلَى الْإبَاحَةِ إِلَّا مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ" أصحاب هذا القول يرون أن الأشياء مستمرة على الإباحة بعد البعثة المحمدية؛ وذلك لأنها الأصل فيها إلا ما حظره الشرع وحرَّمَه.
القول الثالث: التفصيل بين المنافع وبين المضار، قال الحطاب رحمه الله: والصحيح التفصيل وهو:
- أنَّ أصلَ في المضار التحريم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". [سنن ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره]. فالضرر ممنوع.
- أن الأصل في المنافع الحل؛ لقوله تعالى:

البقرة:28
، فقد جاءت الآية في معرض الامتنان، ولا يكون الامتنان إلا بجائز. وهذا حكم الأشياء بعد البعثة، وأما قبل البعثة فليس هناك حكم شرعي يتعلق بشيء لعدم وجود الرسول المبين للأحكام.
ثانيا: الاستصحاب:
الاستصحاب له معنيان:
أحدهما: متفق على قبوله، وهو الذي ذكره المصنف بقوله: "وَمَعْنَى اسْتِصحَابِ الْحَالِ الذي يُحْتَجُّ بِهِ: أَنْ يُسْتَصْحَبَ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ" أي: أن استصحاب الحال المتفق عليه هو الذي يحتج به عند عدم الدليل الشرعي؛ بأن يستصحب الأصل أي: العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، إذا لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر طاقته.
ومن أمثلته: إذا لم يجد المجتهد دليلاً على وجوب صوم رجب فيقول: لا يجب؛ لاستصحاب الأصل، أي: العدم الأصلي. وإذا لم يجد دليلا على وجوب صلاة زائدة على الخمس فإن الأصل عدمه.
ثانيهما: مختلف في قبوله، وهو ثبوت أمر في الزمان الثاني لثبوته في الأول، أي: استمرار الحكم الذي ثبت أولا في الحالة الثانية. والاستصحاب بهذا المعنى حجة عند المالكية والشافعية دون الحنفية، ومثاله: المتيمم إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء أثناءها؛ فقال مالك: يتمادى، اعتبارا باستصحاب حال الإجماع وهو الصحة التي دخل بها الصلاة؛ وقال أبو حنيفة: يقطع، اعتبارا بأن صلاته فسدت بحضور الماء.
ثالثا: الترجيح بين الأدلة:
سبق للمصنف أن تحدث عن الترجيح بين النصوص، وهنا تحدث عن الترجيح بين الأدلة، فلما ذكر الأدلة المتفق عليها وبعض الأدلة المختلف فيها بين كيفية الترجيح بينها، فقال: "وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ فَيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ مِنْهَا عَلَى الْخَفِيِّ، وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلظَّنِّ، وَالنُّطْقُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ؛ فَإِنْ وُجِدَ فِي النُّطْقِ مَا يُفَسِّرُ الْأَصْلَ، وَإِلَّا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ" أفاد المصنف أنه يتم الترجيح بين الأدلة وفق الآتي:
- تقديم الجلي من الأدلة على الخفي: كتقديم الظاهر على المؤول؛ لأنه أوضح منه، وتقديم الحقيقية على المجاز؛ لأن الحقيقة أوضح من المجاز.
- تقديم الدليل الموجب للعلم على الموجب للظن: فيقدّم المتواتر على الآحاد إلا أن يكون المتواتر عاماً والآحاد خاصا فيخصُّ به كما تقدم الترجيح بين النصوص.
- تقديم النطق على القياس: فالنص من كتاب أو سنة يقدم على القياس إلا أن يكون النطق عاماً فيخص بالقياس كما تقدم.
- تقديم القياس الجلي على القياس الخفي: كقياس العلة فيقدم على قياس الشبه.
- تقديم النص من الكتاب أو السنة على استصحاب الحال: فلا يستصحب العدم الأصلي إلا إذا لم يوجد في النص من الكتاب أو السنة ما يفسر الأصل، فإن وجد نص من من كتاب أو سنة فيعمل به ويترك الأصل.
- تقديم الإجماع أو القياس على استصحاب الحال: لاستناد كل من الإجماع والقياس إلى دليل.
التقويم
- أبين القول الراجح في الأصل الأشياء.
- ما المعنيان اللذان يطلق عليهما الاستصحاب.
- رتب بين الأدلة الآتية مع التعليل:
- تعارض السنة مع القياس.
- تعارض القياس مع الاستصحاب.
الاستثمار
قال أبو الوليد الباجي: "فَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ حَظْرٌ وَلاَ إِبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ بِالشَّرْعِ، والْبَارِي تَعَالَى يُحَلِّلُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ: الْأَشْيَاءُ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ ".[ الإشارة في معرفة الأصول:325 ]
أقرأ النص وأجيب عن الآتي:
- أبين مصدر الأحكام الشرعية انطلاقا من النص.
- أقارن بين ما ذكره الأبهري وبين ما درسته.
- ما مصدر الأصل في الأشياء الإباحة؟ هل باستعمال العقل أو الشرع أو هما معا مع التعليل؟
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأُعدّ ما يلي:
- أعرف التقليد.
- أذكر شروط المستفتي.
- أبين شروط المفتي.أدلة؟
