درس الأمر صيغته ودلالته من كتاب أصول الفقه من ورقات إمام الحرمين بشرح الحطاب، درس في الفقه للسنة الثالثة من التعليم الإعدادي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 7)
الأهداف
- أن أتعرف مفهوم الأمر وصيغته.
- أن أدرك دلالات الأمر.
- أن أمتثل أوامر الشارع في كل شؤون حياتي.
تمهيد
التكاليف الشرعية عبارة عن أوامر يطلب من المكلف إتيانها، ونواهٍ يطلب من المكلف اجتنابها، من هنا كان للأمر والنهي أهمية كبيرة في علم أصوله.
فما هو الأمر؟ وما هي صيغته ؟ وما هي دِلالته؟
المتن
قال إمام الحرمين رحمه الله: "وَالْأَمْرُ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سبِيلِ الْوُجُوبِ. وَصِيغَتُـهُ: اِفْعَلْ، وَهِيَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّجَرُّدِ عَنِ الْقَرِينَةِ تُحْمَلُ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوِ الْإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَلَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ، إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ، وَلَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ. وَالْأَمْرُ بِإيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ، وَبِمَا لَا يَتِمُّ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، كَالأَمْرِ بِالصَّلَاةِ أمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا، وَإِذَا فُعِلَ يَخْرُجُ الْمَأْمُورُ عَنِ الْعُهْدَةِ".
وقال: "وَتَرِدُ صِيغَةُ الأَمْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الإِبَاحَةُ أَوْ التَهْدِيدُ أَوْ التَّسْوِيَةُ أَوْ التَّكْوِينُ".
الفهم
الشرح:
الْقَرِينَةِ: ما يصاحب الكلام ويدل على المراد منه.
الْفَـــوْر: فعل الشيء بدون تراخٍ.
الْعُهْـــدَة: ما يترتب في الذمة ولا يسقط عنها إلا بأدائــه.
استخلاص مضامين المتن:
- أحدد مفهوم الأمر وصيغته الدالة عليه.
- أبين دلالات صيغة الأمر.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على ما يأتي:
أولا: تعريف الأمر وصيغته:
تعريف الأمر:
عرف المصنف الأمر بقوله: "اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سبِيلِ الْوُجُوبِ". أي: بأن لا يجوز له الترك. فقوله: "اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ" يخرج به النهي؛ لأنه استدعاء الترك. وقوله: "بِالقَوْلِ" يخرج به الطلب بالإشارة والكتابة والقرائن المفهمة. وقوله: "مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ" يخرج به الطلب من المساوي والأعلى، فلا يسمى ذلك أمراً، بل يسمى الأول التماساً، والثاني دعاء وسؤالاً. وهذا قول جماعة من الأصوليين، والمختار أنه لا يعتبر في الأمر العلو، وهو أن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب، ولا الاستعلاء وهو أن يكون الطلب على سبيل التعاظم.
والفرق بين العلو والاستعلاء أن العلو كون الآمر في نفسه أعلى درجة من المأمور، والاستعلاء أن يجعل نفسه عالياً بتكبر أو غيره، وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك، فالعلو من صفات الآمر والاستعلاء من صفات كلامه.
وقوله: "عَلَى سبِيلِ الْوُجُوبِ" يخرج الآمر على سبيل الندب بأن يجوِّز الترك.
وكلام المصنف يقتضي أن المندوب ليس مأموراً به؛ لأن الأمر به ليس على سبيل الوجوب، وفيه خلاف مبني على أن لفظ الأمر حقيقة في الوجوب، أو في القدر المشترك بين الإيجاب والندب وهو طلب الفعل، وقيل: إنه حقيقة في الندب، وقيل غير ذلك.
صيغة الأمر:
أشار المصنف الى صيغة الأمر بقوله: "وَصِيغَتُـهُ افْعَلْ" أي: صيغة الأمر الدالة عليه "افْعَلْ" أي: كون اللفظ دالاً على الأمر بهيئته، وليس المراد هذا الوزن بخصوصه، ومن ذلك:
- فعل الأمر بأي صيغة من صيغه؛ مثل قوله تعالى:

الحج: 75
- الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر؛ كقوله تعالى:

الحج: 27
- اسم فعل الأمر: كقوله تعالى:

المائدة: 107
- المصدر النائب عن فعل الأمر: نحو إكراما التلميذ المجتهد، أي: أكرم التلميذ المجتهد.
ثانيا: دلالةُ الأمر:
تناول الأصوليون دلالة الأمر من عدة حيثيات، وبيانها في الآتي:
من حيث الإلزام وغيره:
تدل صيغة الأمر عند الإطلاق على الوجوب، ما لم تصحبها قرائن تصرفها إلى الندب أو الاباحة أو نحو ذلك، لقول المصنف: "وَهِيَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّجَرُّدِ عَنِ الْقَرِينَةِ تُحْمَلُ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوِ الْإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ".
- مثال دلالة الأمر على الوجوب لإطلاقه وخلوه من القرينة قوله تعالى:

البقرة: 42
- ومثال دلالته على الندب لوجود قريبنة تصرفه عن الوجوب إلى الندب قوله تعالى:

البقرة 281
فالجمهور حملوا الأمر على الندب بدليل قوله تعالى:

البقرة: 282
- ومثال دلالته على الإباحة لوجود قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الإباحة: قوله تعالى:

المائدة: 3
. فإن الاصطياد أحد وجوه التكسب وهو مباح، وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد.
- وقد يدل على التهديد كقوله تعالى:

فصلت: 39
- والتسوية كقوله تعالى:

الطور: 14
- والتكوين كقوله تعالى:

النحل: 40
وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: "وَتَرِدُ صِيغَةُ الأَمْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الإِبَاحَةُ أَوْ التَهْدِيدُ أَوْ التَّسْوِيَةُ أَوْ التَّكْوِينُ".
من حيث المرة والتكرار:
اختُلف في صيغة الأمر إذا أطلقت: هل تقتضي المرة أو التكرار؟
القول الأول: أنها تقتضي حصول المأمور به دون تقييد بالتكرار ولا بالمرة الواحدة، وهو الصحيح، وفي ذلك قال المصنف: "ولا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ، إِلَّا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ" أي: ولا تقتضي صيغة الأمر العاريةُ عمَّا يدلُّ على التقييد بالتكرار أو بالمرة التكرارَ ولا المرة على القول الصحيح، لكن المرَّةُ ضرورية؛ لأن ما قصد من تحصيل المأمور به لا يتحقق إلا بها، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها إلا ما دلَّ الدليل على قصد التكرار فيه فيعمل به، كالأمر بالصلوات الخمس وصوم رمضان فقد قامت القرائن والأدلة على قصد التكرار.
القول الثاني: وهو مقابل الصحيح أنه يقتضى التكرار، فيستوعب المأمور بالفعل المطلوب ما يمكنه من عمره حيث لا بيان لأمد المأمور به؛ لانتفاء مرجح بعضه على بعض.
القول الثالث: يقتضى المرة.
القول الرابع: التوقف.
وقد اتفق القائلون بأنه لا يقتضي التكرار على أنه إذا عُلق على علة محققة نحو: من شهد الزور فعزروه، أنه يقتضى التكرار.
من حيث الفور والتراخي:
صيغة الأمر إذا أطلقت تقتضي حصول المأمور به دون تقييد بالفور ولا بالتراخي، قال المصنف رحمه الله: "وَلَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ" أي: ولا تقتضى صيغة الأمر الفور، يريد ولا التراخي إلا بدليل فيهما؛ لأنَّ الغرض إيجادُ الفعل من غير اختصاص بالزمن الأول أو الثاني؛ لأن الفور والتراخي أمران زائدان على حقيقة صيغة الأمر، فإذا أُمِر شخص بالسفر ولم يُحدد له زمان قريب أو بعيد، فإن هذا الأمر لا يدل إلا على مطلق السفر، فإذا حُدد له زمان معين اقتضى الفورية أو التراخي بواسطة الزمن المحدد لا بنفسه. وقيل: يقتضى الفور. وكل من قال بأنها تقتضى التكرار قال إنها تقتضى الفور.
والمراد بالتراخي عند من قال به: جواز التراخي، لا وجوبه، فلا ينافي أن من بادر كان ممتثلا.
من حيث دلالته على ما يتوقف عليه المأمور به:
تدل صيغة الأمر على وجوب ما يتوقف عليه إيجاد الفعل المأمور به، قال المصنف: "وَالْأَمْرُ بِإيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ، وَبِمَا لَا يَتِمُّ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، كَالأَمْرِ بِالصَّلَاةِ أمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا" الأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم ذلك الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة فإنه أمر بالطهارة؛ لأن صحة الصلاة متوقفة على الطهارة، فلا تصحُّ إلا بالطهارة المؤدية إليها.
دلالة فعل الأمر على الإجزاء:
إذا أتى المكلف بالفعل الذي أُمِر به فقد برئت ذمته، واتصف فعله بالإجْزاءِ، قال المصنف: "وَإِذَا فُعِلَ يَخْرُجُ الْمَأْمُورُ عَنِ الْعُهْدَةِ" أي: إذا فُعِل المأمور به يخرج المأمور عن عهدة الأمر ويتصف الفعل بالإجزاء. وفي بعض النسخ: "وإذا فَعَلَهُ المأمورُ يخرج عن العهدة"، والمعنى أن المكلف إذا أُمر بفعل شيء ففعل ذلك الفعل المأمور به فإنه يكون بذلك قد خرج عن عهدة ذلك الأمر، ويتصف فعله هذا بالإجزاء، وهذا هو المختار، وقال قوم: إنه لا يحكم بالإجزاء بمجرد فعله، وإنما يحتاج إلى خطاب جديد.
التقويم
- أعرف الأمر عند الأصوليين.
- أوضح حكم دلالة الأمر على الوجوب أو غيره– المرة أو التكرار– الفور أو التراخي.
- كيف يمكن الاستدلال بقوله تعالى:

البقرة: 42
الِاستثمار
- قال تعالى:

الحديد: 7
- وقال تعالى:

آل عمران:97
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [الموطأ، كتاب الصلاة، باب ما جاء في التأمين خلف الإمام].
أتأمل النصوص وأبين ما يأتي:
- دلالة الأول على المرة أو التكرار.
- دلالة الثاني على المرة أو التكرار، وعلى الفور أو التراخي.
- دلالة الثالث على الوجوب أو غيره.
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأجيب عن الآتي:
- أبين من يتناوله خطاب الأمر والنهي، ومن لا يتناوله.
- ما قول الأصوليين في دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده وعكسه؟
