
درس تعريف الحكم الشرعي وأقسامه من كتاب أصول الفقه من ورقات إمام الحرمين بشرح الحطاب، درس في الفقه للسنة الثالثة من التعليم الإعدادي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 3)
الأهداف
- أن أتعرف الحكم الشرعي وأقسامه.
- أن أميز بين مصطلحات ومفاهيم الأحكام الشرعية.
- أن أتمثل مراتب الأحكام الشرعية، وحكمة الإسلام من ذلك.
تمهيد
من المعلوم أن الحكم الشرعي هو ثمرة علم أصول الفقه، ولذلك اعتاد الأصوليون الحديث عنه ضمن مقدمات كتبهم ومصنفاتهم حيث تحدثوا عن مفهومه وأقسامه والتمييز بين مصطلحاته.
فما هو الحكم الشرعي؟ وما هي أقسامه؟
المتن
قال إمام الحرمين رحمه الله: "وَالأحْكَامُ سَبْعَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالمَنْدُوبُ، والْمُبَاحُ، والْمَحْظُورُ، وَالمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْبَاطِلُ. فَالْوَاجِبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَاب عَلَى فِعْلِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمُبَاحُ: مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمَحْظُورُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ. وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ. وَالصَحِيحُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَيُعْتَدُّ بِهِ. وَالْبَاطِلُ: مَا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعْتَدُّ بِهِ".
الفهم
الشرح:
المَنْدُوبُ: مأخوذ من الندب، وهو الطلب.
الْمَحْظُورُ: الممنوع.
النُّـــفُــوذُ: البلوغ إلى المقصود.
يُعْــــتَــــدُّ: الاعتداد بالشيء: اعتباره صحيحا مجزئا ومنتجا لآثاره.
استخلاص مضامين المتن:
- أعرف الحكم الشرعي وأبين أقسامه.
- أميز بين أنواع الحكم الشرعي.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على ما يأتي:
أولا: تعريف الحكم الشرعي:
الحكم لغة: القضاء والمنع، وفي الاصطلاح عرفه المصنف بالعدِّ؛ حيث قال: "وَالأحْكَامُ سَبْعَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالمَنْدُوبُ، والْمُبَاحُ، والْمَحْظُورُ، وَالمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْبَاطِلُ". وقد رسمه الأصوليون ومنهم ابن الحاجب رحمه الله بأنه: "خِطَابُ اللَّهِ، الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، بِالِاقْتِضَاءِ، أَوِ التَّخْيِيرِ، أَوِ الْوَضْعِ ". [مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب: 1 / 482].
فالمراد بــقوله: "خِطَابُ اللَّهِ " كلامه القديم المدلول عليه بالوحي قرآنا أوسنة؛ إذ لا حكم إلا للشارع وهو الله جل جلاله؛ وبذلك يخرج خطاب غير الشارع وتخرج أيضا الأحكام المستنِدة إلى العقل أو العادة.
والمراد بقوله: "الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ" الذي يبين كيفية عمل المكلف، وبذلك يخرج الخطاب المتعلق بذات الله تعالى، نحو:

آل عمران: 18
أو صفاته، نحو:

البقرة: 253
أو أفعاله، نحو:

الرعد: 18
أو بذوات المكلفين نحو:

الأعراف: 10
أو بالجمادات؛ نحو:

الكهف: 46
والمراد بأفعال المكلفين: كل ما يمكن حدوثه ويصح أن يكون فعلا. فيشمل جميع أعمال الجوارح حتى النيات والأقوال.
والمراد بقوله: "بِالِاقْتِضَاءِ": الطلبُ، وهو إما طلب الفعل جازما وهو الإيجاب، أو غير جازم وهو الندب، وإما طلب الترك جازما وهو التحريم، أو غير جازم وهو الكراهة. والمراد بقوله: "أَوِ التَّخْيِيرِ" أي: بين الفعل والترك، وهو الإباحة.
وأما قوله: "أَوِ الْوَضْعِ" فقد زادها ابن الحاجب ليُدخل الحكم الوضعي الذي يعده كثير من الأصوليين قسيما للحكم التكليفي وهو: "خطاب اللَّه المتعلق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا" كجعل الله تعالى زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر، وجعله الطهارة شرطا لصحة الصلاة، والنجاسة مانعة من صحتها، فإن هذا الجَعل المذكور حكم شرعي استفدناه من الشارع، وليس فيه اقتضاء ولا تخيير.
وقد اعترض على المصنف تقسيمه الأحكام الشرعية إلى سبعة دون الإشارة الى الأحكام الوضعية مع أنها شرعية أيضا وهي زائدة على الأحكام التكليفية، وأجيب عن ذلك بأن المصنف ذهب مذهب من لا يرى استقلال الأحكام الوضعية، وأنها راجعة للأحكام التكليفية ولذلك قال الحطاب رحمه الله: "لأن الصحيح إما واجب أو غيره..." أي: أن خطاب الوضع يرجع إلى خطاب التكليف.
ثانيا: أقسام الحكم االشرعي:
ذكر المصنف أن الحكم الشرعي سبعة أقسام هي: "الوَاجِبُ والمَندُوبُ وَالمُبَاحُ والمَحْظُورُ والمَكْرُوهُ والصَّحِيحُ وَالبَاطِلُ".
وقد جاء ذلك عقب تعريفه للفقه بأنه: "مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي طَرِيقُهَا الِاجْتِهَادُ" مما يعني أن الفقه هو العلمُ بالجزئيات المندرجة تحت هذه الأحكام السبعة، أي: الواجبات والمندوبات والمباحات والمحظورات والمكروهات والأفعال الصحيحة والأفعال الباطلة، كالعلم بأن هذا الفعل مثلاً واجب، وهذا مندوب، وهذا مباح، وهذا محظور، وهذا مكروه، وهذا صحيح، وهذا باطل، وليس الفقه هو العلم بتعريفات هذه الأحكام المذكورة، فإن ذلك مما يعرف في علم أصول الفقه لا من علم الفقه.
وإطلاق الأحكام على الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام فيه تجوُّز؛ لأنها متعلَّق الأحكام، والأحكام حقيقة هي: الإيجابُ والندبُ والإباحةُ والكراهةُ والتحريمُ.
وجعْلُ المصنف الأحكامَ سبعةً اصطلاحٌ له، والذي عليه الجمهور أن الأحكام خمسة لا سبعة؛ لأن الصحيح إما واجب أو غيره، والباطل داخل في المحظور. وجعل بعضهم الأحكام تسعةً بزيادة الرخصة والعزيمة، وهما أيضاً راجعان إلى الأحكام الخمسة. وقد عرف المصنف هذه الأحكام السبعة بذكر لازمِ كلِّ واحدٍ منها، وهي:
الواجب:
عرفه المصنف بقوله: "فالوَاجِبُ مَا يُثَاب عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" أي: فالواجب من حيث وصفُه بالوجوب، هو ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه كالصلاة المفروضة، والزكاة والصيام وغيرها، فالثواب على الفعل والعقابُ على التركِ أمرٌ لازمٌ للواجب من حيث وصفه بالوجوب، وليس هو حقيقة الواجب، فإن الصلاة مثلا أَمر مَعقولٌ متصوَّر في نفسه، وهو غير حصول الثَّواب بفعلها والعقاب بتركها.
فالتعريف المذكور ليس تعريفا بحقيقة الواجب؛ إذ لا يمكن تعريف حقيقته لكثرة أصناف الواجبات واختلاف حقائقها، وإنما المقصود بيان الوصفِ الذي اشتركت فيه حتى صح صِدق اسم الواجِبِ عليها. ومثل هذا يقال في بقية الأحكام.
فإن قيل: قوله: "وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" يقتضى لزوم العقاب لكل من ترك واجبا، وليس ذلك بلازم على مذهب أهل السنة والجماعة. فالجواب: أنه يكفي في صدق العقاب على الترك وجودُه لواحدٍ من العصاة، مع العفو عن غيره. أو يقال: المراد بقوله: "وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ"، ترتب العقابِ على تركه، كما عبَّر بذلك غير واحد، وذلك لا ينافي العفو عنه.
وأُورِد على التعريف المذكور أيضا أنه غير مانع، لدخول كثير من السنن فيه، فإن الأذان سنة، وإذا تركه أهل بلد عوقبوا، وكذلك صلاة العيدين عند من يقول بذلك، ومن ترك الوتر ردَّت شهادته ونحو ذلك، وأجيب: بأن المراد عقاب الآخرة، وبأن العقوبة في هذه الأشياء المذكورة ليست على نفس الترك بل على لازمه، وهو الانحلال من الدين، وهو حرام، وردُّ الشهادة ليس عقاباً، وإنما هو بسبب عدم الأهلية لرتبة شرعية شرطُها كمالاتٌ تجتمع من فعل وترك، فدخل فيها الواجب وغيره.
المندوب:
عرفه المصنف بقوله: "وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَاب عَلَى فِعْلِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" المندوب من حيث وصفه بالندب هو ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، مثل نوافل الصلاة والصيام، والصدقات.
المباح:
عرفه المصنف بقوله: "وَالْمُباحُ: مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" أي: أن المبَاح من حيث وصفُه بالإباحة هو"مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ"، ولا على تركه، "وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ"، ولا على فعله، أي: لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب، مثال ذلك: ما زاد على الواجب من تناول الطعام والشراب إذا لم يصل إلى حد الإسراف.
المحظور:
عرفه المصنف بقوله: "وَالْمَحْظُورُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ" أي: أن المحظُور من حيث وصفُه بالحظر، أي: بالحرمة "مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ" امتثالاً، "وَيُعَاقَبُ عَلى فِعْلِهِ" مثل: تناول المحرمات كشرب الخمر والزنا والاعتداء على أنفس الناس وأموالهم.
المكروه:
عرفه المصنف بقوله: "وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ" أي: أن المكرُوه من حيث وصفه بالكراهة "مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ" امتثالاً، "وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ" مثل: الزيادة في الوضوء على العدد أو القدر الذي حدده الشارع، وتغميض العينين في الصلاة.
وإنما قُيد ترتب الثواب على الترك في المحظور والمكروه امتثالاً؛ لأنَّ المحرمات والمكروهات يخرج الإنسان من عهدتها بمجرد تركها، وإنْ لم يشعر بها فضلاً عن القصد إلى تركها، لكنَّه لا يترتب الثَّوَابُ عَلَى التَّرْكِ إلا إذا قصد به الامتثال.
فإن قيل: وكذلك الواجبات والمندوبات لا يترتب الثواب على فعلها إلا إذا قصد به الامتثال، فالجواب: أن الأمر كذلك، ولكنه لما كان كثيرٌ من الواجبات لا يتأتى الإتيان بها إلا إذا قصد بها الامتثال، وهو كل واجب لا يصح فعله إلا بنية، لم يحتج إلى التقييد بذلك، وإن كان بعض الواجبات تبرأ الذمة بفعله، ولا يترتب الثواب على ذلك إلا إذا قصد الامتثال، كنفقات الزوجات وردِّ المغصوب والودائع وردِّ الديون ونحو ذلك مما يصح بغير نية. والحاصل أن تعريف المصنف للمكروه تعريف بالأثر، وإلا فهو ما نهى عنه الشارع نهيا مخصوصا غير جازم.
الصحيح:
عرفه المصنف بقوله: "وَالصَحِيحُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَيُعْتَدُّ بِهِ" أي: أن الصَّحيح من حيث وصفُه بالصحة اصطلاحاً: "مَا يَتَعلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ" أي: البلوغ إلى المقصود، كحلِّ الانتفاع في البيع والاستمتاع في النكاح في العقود.
ومعنى قوله: "وَيُعتَدُّ بِهِ" أي: في الشرع، بأن يكون قَد جمع ما يعتبر في صحته شرعاً، عقداً كان أو عبادة. فالعقد كالبيع الذي توفرت فيه كل أركانه وشروطه، والعبادة كالصلاة المستجمعة لأركانها وشروطها. فالنفوذُ من فعلِ المكلَّف، والاعتداد من فعل الشارع، وقيل: إنهما بمعنى واحد.
الباطل:
عرفه المصنف بقوله: "وَالْبَاطِلُ: مَا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعْتَدُّ بِهِ" أي: أن البَاطِل من حيث وصفُه بالبطلان: "مَا لا يَتعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعتَدُّ بِهِ" بأن لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عقداً كان أو عبادةً كالصلاة بدون طهارة، أو بدون ركوع، وعقد البيع على المحرمات أو بيوع الربا. والعقد في الاصطلاح يوصف بالنفوذ والاعتداد، والعبادات توصف بالاعتداد فقط.
التقويم
- بماذا المصنف الحكم الشرعي؟ ولماذا؟
- ما هو تعريف ابن الحاجب للحكم الشرعي؟
- أعرف الصحيح والباطل وأبين علاقتهما بالحكم الشرعي.
- ما الحكمة الشرعية من تفاوت مراتب الأحكام الشرعية؟
الاستثمار
روى البخاري في صحيحه: "أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاَثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " [صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء].
أتأمل الحديث وأجيب عن الآتي:
- أبين الحكم الشرعي لكل فعل من أفعال الوضوء الواردة في الحديث مع بيان مأخذ ذلك.
- أوضح الحكم الشرعي للوضوء في علاقته بالصلاة مع الاستدلال على ذلك.
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأجيب عن الآتي:
- أعرف ما يلي: العلم، الجهل، النظر، الاستدلال، الدليل.
- أميز بين العلم الضروري والعلم المكتسب.