
درس اصطلاحات الناظم ومنهج استعمالها (2)، كتاب القراءات: من متن حرز الأماني ووجه التهاني لأبي القاسم الشاطبي بشرح سراج القارئ المبتدي وتَذكار المقرئ المنتهي لابن القاصح للسنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 8).
أهداف الدرس
- أن أتعرف باقي اصطلاحات الشاطبي في منظومته.
- أن أدرك منهج الناظم في توظيف هذه الاصطلاحات.
- أن أمتلك القدرة على توظيف اصطلاحات الناظم ومنهجه في فهم الـمنظومة.
تمهيد
يتناول هذا الدرس ما تبقى من اصطلاحات الناظم ومنهجه في استعمالها، ويتعلق الأمر بذكر الأضداد، واستعمال الرموز الكلمية والتصريح بأسماء القراء.
فما منهجه في استعمال الضم والرفع؟ وكيف يستعمل الرموز الكلمية؟ ومتى يصرح بأسماء القراء؟
المتن
قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
|
62. وَحَيْثُ أَقُولُ: الضَّمُّ وَالرَّفْعُ سَاكِتاً |
|
فَغَيْرُهُمُ بِالفَــتْـحِ وَالـــنَّـصْــبِ أَقْـــبَــــلاَ |
|
63. وَفِي الرَّفْعِ وَالتَّذْكِيرِ وَالْغَيْبِ جُمْلَةٌ |
|
عَلَى لَفْظِهَا أَطْلَقْتُ مَنْ قَيَّدَ الْعُلَى |
|
64. وَقَبْلَ وبَعْدَ الْحَرْفِ آتِي بِكُلِّ مَا |
|
رَمَـــزْتُ بِـهِ فِي الْجَمْعِ إِذْ لَيْــسَ مُـشْكِلاَ |
|
65. وَسَوْفَ أُسَمِّي حَيْثُ يَسْمَحُ نَظْمُهُ |
|
بِهِ مُوضِحاً جِيداً مُعَمّاً وَمُخْوَلاَ |
|
66. وَمَنْ كَانَ ذَا بَابٍ لَهُ فِيهِ مَذْهَبٌ |
|
فَلاَ بُدَّ أَنْ يُسْمَى فَيُدْرَى وَيُعْقَلاَ |
الفهم
الشرح:
عَلَى لَفْظِهَا: على قراءتها.
أَطْلَقْتُ: أرسلتُ.
جِيداً: الجيد العنق.
مُعَمًّا وَمُخْوَلاَ: الـمعم الـمخول ذو الأعمام والأخوال.
استخلاص المضامين:
- عم يتحدث الناظم في البيتين الأولين؟
- ما مضمون الأبيات الثلاثة الأخيرة؟
التحليل
اشتملت هذه الأبيات على ما يأتي:
أولا: تتمة منهج الناظم فـي ذكر الأضداد
تتميما لما تقدم من عرض منهج الناظم في ذكر الأضداد يقول الناظم رحمه الله:
|
وَحَيْثُ أَقُولُ: الضَّمُّ وَالرَّفْعُ سَاكِتاً |
|
فَغَـيْــرُهُمُ بِـالـــفَــتْــحِ وَالـنَّـصْــبِ أَقْـبَــلاَ |
أفاد الناظم رحمه الله في هذا البيت أنه:
إذا ذكر الضم وسكت عن قراءة الباقين كانت بالفتح، كقوله: «وَفي إِذْ يَرَوْنَ الْيَاءُ بِالضَّمِّ كُلِّلاَ»: فابن عامر يقرأ بالضم، والباقون يقرؤون بالفتح.
وإذا ذكر الرفع وسكت عن قراءة الباقين كانت بالنصب، كقوله: «وَحَتَّى يَقُولَ الرَّفْعُ فِي الَّلامِ أُوِّلاَ»، فنافع يقرأ بالرفع، والباقون يقرؤون بالنصب.
وإذا لم تكن قراءة الباقين في النوع الأول بالفتح، ولا في النوع الثاني بالنصب، فإنه لا يسكت عنها، وإنما يصرح بها:
مثاله في الضم: قوله: «وَجُزْءاً وَجُزْءٌ ضَمَّ الاِسْكَانِ صِفْ». فقد ذكر الضم لأبي بكر، وذكر معه الإسكان، فتأخذ لغيره الإسكان؛ لأنه المذكور مع الضم.
وكذلك قوله: «وَرِضْوَانٌ اضْمُمْ غَيْرَ ثَانِي الْعُقُودِ كَسْـ ... ـرَهُ صَحَّ»، فتأخذ لأبي بكر الضم لنصه عليه، وتأخذ للباقين المذكور معه وهو الكسر.
ومثاله في الرفع: قوله: «يُضَاعَفْ وَيَخْلُدْ رَفْعُ جَزْمٍ كَذِي صِلاَ»: فتأخذ لابن عامر وأبي بكر القراءة بالرفع، وتأخذ للباقين ما ذكر مع الرفع وهو الجزم، وكذلك قوله: «وَخُضْرٌ بِرَفْعِ الْخَفْضِ عَمَّ حُلاً عُلاَ».
فالحاصل أن ضد الرفع إذا سكت النصب، وضد النصب الخفض، وكذلك ضد الضم إذا سكت الفتح، وضد الفتح الكسر، فالفتح والكسر ضدان، وكل واحد منهما يدل على الآخر، وكذلك النصب والخفض كل واحد منهما يدل على الآخر.
وقوله: «أقبلا» أي: جاء الغير بالفتح في مقابلة الضم، وبالنصب في مقابلة الرفع.
|
وَفِي الرَّفْعِ وَالتَّذْكِيرِ وَالْغَيْبِ جُمْلَةٌ |
|
عَلَى لَفْظِهَا أَطْلَقْتُ مَنْ قَيَّدَ الْعُلاَ |
أي في القصيد جملة مواضع من: الرفع، والتذكير، والغيب، وأضدادها، أطلقت القارئ الذي فهم الأضداد المتقدمة على قراءتها، خالية من الترجمة.
فأُعْلِمَ من هنا أن الخلاف:
إذا دار بين الرفع وضده فلا أذكر إلا الرفع رمزا أو صريحا.
وإذا دار بين التذكير وضده فلا أذكر إلا التذكير.
وإذا دار بين الغيب وضده فلا أذكر إلا الغيب.
فإذا علمت أحد الوجهين من هنا أخذت للمسكوت عنه ضده من المتقدم.
والمعنى: «وفي الرفع والتذكير والغيب جملة» من حروف القرآن في القصيد أطلقت على لفظها من غير تقييد، يعني أنه ربما استغنى بألفاظ هذه الثلاثة عن تقييدها.
وقد اتفق اجتماع هذه الثلاثة في بيت واحد بالأعراف، وهو قوله:
|
وَخَــالِصَــةٌ أَصْـلٌ وَلاَ يَعْــلَــمُــونَ قُـــلْ |
|
لِــشُـعْـبَـةَ فِـي الـثَّـانِـي وَيُـفْـتَـحُ شَـمْـلَـلاَ |
فقال: «وَخَالِصَةٌ أَصْلٌ»، ولم يقل بالرفع، فكان هذا الإطلاق دليلا على أنه مرفوع.
وقال: «وَلاَ يَعْلَمُونَ قُلْ»، ولم يقل بالغيب.
وقال: «لِشُعْبَةَ فِي الثَّانِي وَيُفْتَحُ شَـمْلَلَ»، ولم يقل بالتذكير.
ونبه بقوله: «مَنْ قَيَّدَ الْعُلاَ»، على أنه إنما وضع قصيده لمن عرف معانيه ليرتقي به إلى أعلى هذا الشأن، أي: من حاز الرتب العلا.
ثانيا: منهج الناظم فـي استعمال الرموز الكلمية والتصريح بأسماء القراء
بعد أن سبق للناظم حديث عن الرموز الكلمية الدالة على جماعة من القراء، وهي: «صحبة، صحاب، عم، سما، حق، نفر، حرمي، حصن» عاد هنا لبيان منهجه في استعمالها، فقال:
|
وَقَبْلَ وبَعْدَ الْحَرْفِ آتِي بِكُلِّ مَا |
|
رَمَـــزْتُ بِــهِ فِـي الْـجَـمْـعِ إِذْ لَيْسَ مُشْكِلاَ |
أخبر أنه لا يلتزم في استعمال الرموز الكلمية الدالة على جماعة من القراء مكانا، بل يأتي بها تارة قبل الحرف، وتارة بعده، إذ لا إشكال فيها، بخلاف حروف (أبجد).
والمراد بـ«الحرف» هنا كلمة القرآن. والرمز في اللغة: الإيماء والإشارة، ومنه قوله تعالى:

آل عمران:41
، ولما كانت هذه الكلمات والحروف التي جعلها دالة على القراءة كالإشارة إليهم، سماها رمزا.
وأراد بما رمز به في الجمع الكلمات الثمانية، فإنها هي التي لا يشكل أمرها في أنها رمز، سواء تقدمت على الحروف أو تأخرت. وأما الحروف الدالة على الجمع كالثاء والخاء وما بعدهما فلها حكم الحروف الدالة على القراء منفردين، وقد التزم ذكرها بعد حرف القرآن بقوله: «وَمِنْ بَعْدِ ذِكْرِي الْحَرْفَ أُسْمِي رِجَالَهُ» وقد تقدم هذا.
ومثال ذكره رمز الجمع قبل حرف القرآن قوله: «وَصُحْبَةُ يُصْرَفْ».
ومثال ذكره إياه بعده قوله: «تَسْتَبِينَ صُحْبَةٌ ذَكَّرُوا وِلاَ».
|
وَسَوْفَ أُسَمِّي حَيْثُ يَسْمَحُ نَظْمُهُ |
|
بِهِ مُوضِـحاً جِيداً مُعَمًّا وَمُخْوَلاَ |
أفاد أنه يسمي القارئ باسمه ولا يرمزه حيث يسمح نظمه به، أي: حيث يسهل عليه نظمه، وفي هذه الحالة تارة يذكره قبل حرف القرآن، وتارة بعده على حسب ما يسهل كقوله: «لِحَمْزَةَ فَاضْمُمْ كَسْرَهاَ أَهْلِهِ امْكُثُوا»، وقوله: «وَلاَ ... كِذَاباً بِتَخْفِيفِ الْكِسَائِيِّ أَقْبَلاَ».
واعلم أن التصريح تارة يكون باسم القارئ كما تقدم، وتارة يكون بكنيته كقوله: «وَقُطْبُهُ... أَبُو عَمْرٍو»، وتارة يكون بنسبه كقوله: «وَكُوفِيُّهُمْ تَسَّاءَلُونَ»، وتارة يكون بضمير كقوله: «وَبَصْرٍ وَهُمْ أَدْرى»، فضمير «هُم» يعود على جماعة من القراء ذكرهم في فرش سورة يونس.
وأما «حرمي» فإنه وإن كان نسبة فإنه جعله رمزا، فيجتمع مع الرمز، كقوله: «وَإِسْتَبْرَقٌ حِرْمِيُّ نَصْرٍ».
وقد استمر له أنه لا يجمع بين رمز واسم صريح في ترجمة واحدة، ويجمع بينهما في ترجمتين، فإنه قد يرمز بقراءة القارئ في الحرف الواحد، ويصرح فيه بالقراءة الأخرى لغيره، كما قال: «يَلْهَثْ لَهُ دَارِ جُهَّلاَ»، ثم قال: «وَقَالُونُ ذُو خُلْفٍ».
وكذلك قد يرمز للقراء ويستثني بالصريح كقوله: «وَإِضْجَاعُ (رَا) كُلِّ الْفَوَاتِحِ ذِكْرُهُ ... حِمًى غَيْرَ حَفْصٍ». وقوله: «لِيَقْضُوا سِوَى بَزِّيِّهِمْ نَفَرٌ جَلاَ».
و«مُوضحا» أي: مبينا. والجيد: العنق، والمُعَمُّ المُخْوَلُ: ذو الأعمام والأخوال، وذلك أنهم كانوا يعرفون الصبي ذا الأعمام والأخوال الأكارم بجيده لما فيه من الزينة.
|
وَمَنْ كَانَ ذَا بَابٍ لَهُ فِيهِ مَذْهَبٌ |
|
فَلاَبُــدَّ أَنْ يُـــسْـمَـى فَــيُــدْرَى وَيُـعْـــقَــلاَ |
يريد أن القارئ إذا انفرد بباب لم يشاركه فيه غيره ذَكَرَه في ذلك الباب باسمه من غير رمز، زيادة في البيان، كقوله:
|
وَدُونَكَ الاِدْغَامَ الْكَبِيرَ، وَقُطْبُهُ |
|
أَبُـــو عَـــمْــرٍو الْـبَـصْــرِيُّ فِـيــهِ تَحَـفَّــلاَ |
وقوله:
|
وَفِـي هَــاءِ تَأْنِـــيــثِ الْـوُقُوفِ وَقَــبْـلَـهَا |
|
مُمَالُ الْـكِـسَائِـي غَــيْـرَ عَـــشْـرٍ لِـيَـعْــدِلاَ |
وقوله:
|
وَغَـــلَّـــظَ وَرْشٌ فَــتْـــحَ لاَمٍ لِـــصَـادِهَــا |
|
أَوِ الـــطَّـاءِ أَوْ لِلــظَّـاءِ قَـبْلُ تَـنَزُّلاَ |
التقويـم
- 1. أوضح منهج الناظم في المسكوت عنه عند إطلاق الضم والرفع.
- 2. أحدد منهج الناظم في استعمال الرموز الكلمية.
- 3. أبين منهج الإمام الشاطبي في التصريح بأسماء القراء والرواة، مستدلا بالنظم.
الاستثمار
يتوزع تلاميذ القسم إلى أربع مجـمـوعات تقـرأ كل مجموعة فرش الحروف من بعض السور من متن الشاطبية، ثم تستخرج ما بها من الاصطلاحات التي تم التعرف عليها في الدرس، وتحدد منهج الناظم في توظيفها، وذلك وفق الآتي:
- المجموعة الأولى: سورة الـمائدة.
- المجموعة الثانية: سورة الأنعام.
- المجموعة الثالثة: سورة الأعراف.
- المجموعة الرابعة: سورة الأنفال.
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأجيب عن الآتي:
- 1. أبين اسم قصيدة الشاطبية وأصلها ومميزاتها.
- 2. ما هي نصائح الإمام الشاطبي رحمه الله لقارئ منظومته؟