منهج التفسير بالرأي

مادة علوم القرآن، درس حول منهج التفسير بالرأي؛ من كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني، لفائدة تلاميذ السنة الثانية من التعليم الإعدادي العتيق، الدرس الثاني عشر.

أهداف الدرس

  • أن أتعرف منهج التفسير بالرأي.
  • أن أدرك منهج الترجيح عند تعارض الرأي والأثر في التفسير.
  • أن أميز بين التفسير بالرأي المعتبر عند العلماء والقول على الله بغير علم.

تمهيد

عرفنا في الدروس السابقة مفهوم التفسير بالرأي، وحكمه، وأصوله، والعلوم التي يحتاجها المفسر بالرأي، ولا يكون كل ذلك ذا جدوى إلا إذا وُظِّف وَفق منهج واضح المعالم. فما منهج التفسير بالرأي ؟ وما العمل عند تعارض التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور ؟

النصوص

قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: «فمن لم يُحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطُه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بد له منه في ظاهر التفسير أولا؛ ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. والغرائب التي لا تُفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ألا ترى أن قوله عز وجل: [الإسراء: 59]معناه: آية مبصرة، فظلموا أنفسهم بقتلها. فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مُبصرة، ولا يدري بماذا ظلموا، وأنهم ظلمُوا غيرهم وأنفسهم، فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال هذا في القرآن كثير» [الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 1/40].

الفهم

الشرح

  • فسر القرآن بالرأي: يقصد الرأي المذموم الذي لا يحترم المنهج.
  • ظاهر التفسير: ما نُقِل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم، وكبارِ التابعين.

استخلاص المضامين

أستخلص من النص منهج التفسير بالرأي.

التحليل

أولا: منهج المفسرين بالرأي

يمكن إجمال منهج المفسرين بالرأي في معالم أساسية، أهمها:

1 . طلب المعنى من المأثور

أول ما يبدأ به المفسر بالرأي أن يطلب المعنى من القرآن، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه، وينظر فيه، فربما استُعمل بمعانٍ مختلفة، كلفظ الهداية وغيره، ويحققُ كيف يتفق معناه مع جملته من الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقتُه لما سبق له من القول، واتفاقُه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.

فإن لم يجد المعنى من القرآن طلبه من السنة؛ لأنها شارحة للقرآن، فإن أعياه الطلب رجع إلى قول الصحابة، فإنهم أدرى بالتنزيل، وظروفه، وأسباب نزوله، فإن لم يجد رجع إلى أقوال التابعين.

2 . الاجتهاد في التفسير بالرأي

إذا لم يظفر المفسر بالمعنى في الكتاب والسنة ومأثورات الصحابة، وجب عليه أن يجتهد وُسعه متبعا الخطوات الآتية:

  • أ. البدء بما يتعلق بالألفاظ المفردة من اللغة، والصرف، والاشتقاق، ملاحظا المعاني التي كانت مستعملة زمن نزول القرآن الكريم.
  • ب. إرداف ذلك بالكلام على التراكيب من جهة الإعراب، والبلاغة، على أن يتذوق ذلك بحاسته البيانية.
  • ج. تقديم المعنى الحقيقي على المجازي، بحيث لا يُصارُ إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة.
  • د. ملاحظة سبب النزول إن وُجد، فإن لسبب النزول مدخلا كبيرا في بيان المعنى المراد.
  • هـ.مراعاة التناسب بين السابق واللاحق، بين فقرات الآية الواحدة، وبين الآيات بعضها مع بعض.
  • و. مراعاة المقصود من سياق الكلام.
  • ز. مطابقة التفسير للمفسَّر من غير نقص ولا زيادة.
  • ح. مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون، وسنن الاجتماع، وتاريخ البشر العام، وتاريخ العرب الخاص أيامَ نزول القرآن.
  • ط. مطابقة التفسير لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، وسيرته؛ لأنه هو الشارح المعصومُ للقرآنِ بسنتِه الجامعةِ لأقوالِه وأفعالِه وشمائلِه وتقريراتِه.
  • ي. ختام الأمر ببيان المعنى والأحكام المستنبطة منه في حدود قوانين اللغة، والشريعة.
  • ك. رعاية قانون الترجيح عند الاحتمال.

ثانيا: التعارض بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور والترجيح بينهما

لإدراك هذا الموضوع ينبغي أن يُعلم:

  • أن التفسير بالرأي المذموم ليس مرادا هنا؛ لأنه منهي عنه، فلا يقوى على معارضة المأثور.
  • أن التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود معناه التضاد بينهما، بأن يدل أحدهما على إثبات، والآخر على نفي. أما إذا لم يكن هناك تنافٍ فلا تعارض، وإن تغايرا، كتفسيرهم «الصراط المستقيم» بالقرآن، أو بالسنة، أو بطريق العبودية، أو طاعة الله ورسوله،فهذه المعاني غير متنافية، وإن تغايرت، وكذا ما قيل في قوله عز وجل: [فاطر: 32]مما هو مذكور في كتب التفسير، فليس بمتنافٍ، فلا يكون متعارضا ولا متناقضا.
  • أن التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارَض بالتفسير بالرأي؛ لأن الرأي إما ظني، وإما قطعي، أي مستند إلى دليل قطعي من عقل، أو نقل، فإن كان قطعيا فلا تعارض بين قطعيين، بل يؤول المأثور ليرجع إلى الرأي المستند إلى القطعي إن أمكن تأويله جمعا بين الدليلين، وإن لم يمكن تأويله، حمل اللفظ الكريم على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، تقديما للأرجح على المرجوح. أما إذا كان الرأي ظنيا، بأن استند إلى الأمارات والقرائن الظاهرة فقط، فإن المأثور القطعي يقدم على الرأي الظني؛ لأن اليقين أقوى من الظن.
  • أن المأثور إذا كان غير قطعي في دلالته؛ لكونه ليس نصا، أو غيرَ قطعي في متنه؛ لكونه خبرَ آحاد، ثم عارضه التفسير بالرأي، فلا يخلو الحالُ إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه، وحينئذ فالمعول عليه المأثورُ فقط، ولا يُقبل الرأي. وإن كان للرأي فيه مجال، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن لم يمكن، قدم المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وبعيدٌ عليهم أن يتكلموا في القرآن بمجرد الهوى والشهوة.
  • أن المأثور عن التابعين، إذا كان منقولا عن أهل الكتاب، قدم التفسير بالرأي عليه، وإذا لم ينقل عنهم رجعنا به إلى السمع، فما أيده السمع حمل النظم الكريمُ عليه، فإن لم يترجح أحدهما بسمع ولا بغيره من المرجحات، فإننا لا نقطع بأن أحدهما هو المراد، بل ننزل اللفظ الكريم منزلة المجمل قبل تفصيله، والمشتبه أو المبهم قبل بيانه.

التقويم

  • هل يجوز التفسير بالرأي قبل النظر فيما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ مع التعليل
  • ما المراد بالتعارض بين التفسير بالرأي والأثر ؟
  • لماذا وضع العلماء قواعد وضوابط للتفسير بالرأي؟ وعلام يدل ذلك ؟

الاستثمار

قال الإمام السيوطي -رحمه الله-: «وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا، فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي، فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي، وإن استويا -والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية- فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على إرادة اللغوية، كما في: [التوبة: 104]ولو كان في أحدهما عرفية والآخر لغوية: فالحمل على العرفية أولى؛ لأن الشرع ألزم، فإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد، كالقرء للحيض والطهر، اجتُهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنّه فهو مراد الله عز وجل في حقه، وإن لم يظهر له شيء، فهل يتخير في الحمل على أيهما شاء، أو يأخذ بالأغلظ حكما أو بالأخف ؟ أقوال. وإن لم يتنافيا، وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغَ في الإعجاز والفصاحة، إلا إنْ دل دليل على إرادة أحدهما» [الإتقان في علوم القرآن: 4/190].

يشير النص إلى قانون الترجيح عند الاحتمال. أبين ذلك باختصار.

الإعداد القبلي

أراجع دروسي وأتعاون مع أصدقائي على إنجاز النشاط التربوي.

Plus de : علوم القرآن

Tout afficher

Explorer d'autres rubriques— علوم القرآن