
مادة علوم القرآن، درس حول أصول التفسير بالرأي؛ من كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني، لفائدة تلاميذ السنة الثانية من التعليم الإعدادي العتيق، الدرس الحادي عشر.
أهداف الدرس
- أن أتعرف أصول تفسير القرآن الكريم بالرأي.
- أن أقف على العلوم التي يحتاجها المفسر بالرأي.
- أن أستشعر خطورة تفسير القرآن بالرأي لمن لم تتوفر له الأهلية لذلك.
تمهيد
التفسير بيان للقرآن الكريم، وهو إما سماع أو استنباط، فالسماع هو التفسير بالمأثور، وقد تقدم الحديث عنه، والاستنباط هو التفسير بالرأي والاجتهاد في فهم الآية مع مراعاة الأصول المعتبرة في هذا الباب.
فما هي أصول التفسير بالرأي ؟ وهل هناك محاذير يجب اجتنابها في التفسير بالرأي ؟ وما العلوم التي يحتاجها المفسر بالرأي ؟
النصوص
قال الإمام الزركشي -رحمه الله-: «كتاب الله بحره عميق، وفهمه دقيق، لا يصل إلى فهمه إلا من تبحر في العلوم، وعامل الله بتقواه في السر والعلانية، وأجله عند مواقف الشبهات. واللطائف والحقائق لا يفهمها إلا من ألقى السمع وهو شهيد، فالعبارات للعموم، وهي للسمع، والإشارات للخصوص، وهي للعقل، واللطائف للأولياء، وهي الـمشاهد، والحقائق للأنبياء، وهي الاستسلام» [البرهان في علوم القرآن: 2/153-154].
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-: «... فعلم أن علم التفسير إنما يتلقى من النقل، أو من أقوال الأئمة، أو من المقاييس العربية، أو القواعد الأصولية المبحوث عنها في علم أصول الفقه أو أصول الدين» [تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: 8/224].
الفهم
الشرح
- الَّلطَائِفُ: جمع لطيفة، وهي من الكلام: ما غَمُضَ معناه وخَفِيَ.
- أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ: أصغى وهو حاضر بذهنه ليفهم المعاني.
- المَشَاهِد: رُؤية الأشياء بدلائل التوحيد
استخلاص المضامين
- أستخلص من النص الأول ما يجب أن يتصف به المفسر من الصفات.
- ما العلوم والمواهب التي يحتاجها المفسر بالرأي ؟
التحليل
أولا: أصول التفسير بالرأي
للتفسير بالرأي أصول يجب الاستناد إليها، وطرق يجب البعد عنها واجتنابها:
1 . أصول يجب الاستناد إليها
الأصول التي يجب أن يستند إليها التفسير بالرأي كثيرةٌ، أمهاتها أربعة:
أ. النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع التحرز عن الضعيف والموضوع، من ذلك تفسير الظلم بالشرك في قول الله عز وجل:
ب. الأخذ بقول الصحابي، فقد قيل: إنه في حكم المرفوع مطلقا، وخصه بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه.
ج. الأخذ بمطلق اللغة، مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعانٍ، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك، ومن ذلك لفظ التأويل، اشتهر بمعنى التفسير مطلقا، أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى، كقول الله عز وجل:
فإن المراد به العاقبة، وما يَعِدُ به القرآن من المثوبة والعقوبة، فعلى المحقق أن يكون عالما بالمعاني التي كانت مستعملة في عصر نزول القرآن الكريم.
د. الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع، وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما في قوله: «الَّلهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [مسند الإمام أحمد- مسند عبد الله بن عباس، رقم: 22881، 3/272].
«ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل، قال الله عز وجل:[الإتقان في علوم القرآن: 4/182]
2 . ما يجب البعد عنه في التفسير بالرأي
أما الأمور التي يجب البعد عنها في التفسير بالرأي، فمن أهمها:
- التطاول على تبيين مراد الله تعالى من كلامه على جهالة بقوانين اللغة، أو الشريعة.
- حمل كلام الله تعالى على المذاهب الفاسدة.
- الخوض فيما استأثر الله جل جلاله بعلمه.
- القطع بأن «مراد الله كذا» من غير دليل.
- السير مع الهوى والاستحسان.
ثانيا: العلوم التي يحتاجها المفسر بالرأي
لا يجوز الإقدام على التفسير بالرأي إلا إذا كان المفسر متمكنا مما يأتي:
- 1 . علم النحو؛ «لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره، أخرج أبو عبيد عن الحسن، أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته، فقال: حَسَنٌ، فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فَيَعْيَا بوجهها فيهلك فيها» [الإتقان في علوم القرآن: 4/185-186]. وقال ابن عطية رحمه الله: «إعراب القرآن أصل في الشريعة؛ لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع» [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 1/40].
- 2 . علم التصريف؛ «لأن به تعرف الأبنية والصيغ، قال ابن فارس: ومن فاته علمه فاته المعظم؛ لأن «وجد» مثلا كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها» [الإتقان في علوم القرآن: 4/186].
- 3 . علم الاشتقاق؛ «لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح» [الإتقان في علوم القرآن: 4/186].
- 4 . علم البلاغة، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ، ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه، والوقوف على مراد المتكلم منه، ويُحتاج في هذه إلى علم المعاني، والبيان، والبديع.
- 5 . علم القراءات؛ ليعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات تترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، لأن القراءات يفسر بعضها بعضا.
- 6 . علم أصول الدين، إذ به يقف على ما في القرآن من آيات دالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله عز وجل، ويُؤوِّل ذلك، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب، وما يجوز.
- 7 . الفقه، وأصوله؛ إذ بهما تعرف الأحكام ووجوه الاستدلال على الاستنباط.
- 8 . العلم بالأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.
- 9 . العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرُّفٍ في شؤون الدنيا والدين.
- 10 . علم الموهبة، وهو علم يورثه الله جل جلاله لمن عمل بما علم، وطريق تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد.
- 11 . العلم بأحوال الخلق، ووجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر أن يعلم ما كان عليه الناس قبل عصر النبوة من العرب وغيرهم؛ لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث بالقرآن لهدايتهم وإسعادهم. وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن مطلعا على أحوالهم وما كانوا عليه.
التقويم
- لماذا لا يجوز القطع بأن «مراد الله هو كذا» في التفسير بالرأي ؟
- لماذا على المفسر أن يكون عالما بالنحو والصرف ؟
- أبين آثار التفسير بدون علم.
الاستثمار
قال الزرقاني -رحمه الله-: «وينبغي أن يعلم أن في القرآن علوما تتنوع إلى ثلاثة:
- الأول: علم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، بل استأثر به وحده، كمعرفة حقيقة ذاته وصفاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا النوع لا يجوز الكلام فيه لأحد إجماعا.
- الثاني: ما أطلع الله عليه نبيه واختصّ به، وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له عليه الصلاة والسلام، ولمن أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم، قيل: ومنه أوائل السور.
- الثالث: العلوم التي علّمها الله عز وجل لنبيه مما أمر بتبليغه، وهذا النوع قسمان: قسم لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، كالكلام في الناسخ والمنسوخ، والقراءات، وقصص الأمم الماضية (...)، وقسم يعرف بطريق النظر والاستدلال، وهذا [القسم] منه المختلف في جوازه، وهو ما يتعلق بالآيات المتشابهات، ومنه المتفق على جوازه، وهو ما يتعلق بآيات الأحكام والمواعظ والأمثال والحكم ونحوها، لمن له أهلية الاجتهاد» [مناهل العرفان في علوم القرآن: 2/49].
- أستخرج أنواع العلوم التي تضمنها النص.
- هل يجوز استنباط هذه العلوم بالرأي والاجتهاد ؟
الإعداد القبلي
أقرأ نص الدرس المقبل، وأعد ما يأتي:
- أبين معالم منهج التفسير بالرأي.
- ما العمل عند تعارض التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور ؟