
درس في التفسير، تفسير سورة النحل، الآيات (41 - 44): كتاب التفسير من خلال المحرر الوجيز فـي تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، لفائدة تلاميذ السنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق، المرحلة الأولى (الدرس 8).
أهداف الدرس
- أن أتعرف معاني ألفاظ الآيات وأحدد مضامينها.
- أن أستخلص من الآيات ثواب الهجرة في الدنيا والآخرة وبعض صفات المهاجرين.
- أن أستشعر مكانة السنة النبوية.
تمهيد
بعدما أشارت الآيات في الدرس السابق إلى مقالة المكذبين بالبعث، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم بأنه لا يبعث الله من يموت، وبعدما ردعهم الله تعالى بأن البعث حقٌ؛ جاءت هذه الآيات موضوع الدرس لتبين ثواب من آمن باليوم الآخر وصدَّق بالوحي، وتحمَّل من أجل إيمانه أذى المشركين، وصبر واحتسب، وهاجر بدينه خوفا على إيمانه من الفتنة، وعلى نفسه من الهلاك.
فما هي الهجرة التي تتحدث عنها الآيات؟ وما هي الصفات التي استحق بها المهاجرون المدح والثواب المذكورين؟
الآيات
قال تعالى:
النحل: 41 - 44
الشرح
- هاجروا: خرجوا من ديارهم. ومعنى الهجرة ترك الديار والأهل أو ترك السيئات والآثام.
- لنبوؤنهم: لننزلنهم في الدنيا منزلا حسنا فيه عزتهم.
- بالبينات: بالمعجزات الدالة على صدق الرسول.
- والزبر: واحدها زبور، وهي كتب الشرائع والتكاليف التي يبلغها الرسل إلى العباد.
- الذكر: القرآن الكريم.
استخلاص مضامين الآيات
- ما هو ثواب الهجرة إلى الله ؟
- حدد (ي) بعض صفات المهاجرين.
- ما هي الصفة التي وصف الله تعالى بها رسله ؟
التفسير
اشتملت الآيات على ما يأتي:
أولا: بيان ثواب المهاجرين في الدنيا والآخرة
قال تعالى:

هذه الآية نزلت في هجرة الحبشة على قول الجمهور من العلماء، وهو الصحيح لأنها نزلت قبل الهجرة إلى المدينة. وهي تتناول بالمعنى كل من هاجر بصفة عامة حيث ترك الوطن والأهل في سبيل الله يريد بذلك رضوان الله، وصبر وتوكل على الله. وفي هذا ترغيب لغيرهم في الهجرة واحتمال كل أذىً في سبيل الله احتسابا.
والحسنة الموعود بها في الدنيا قد كشف الغيب عنها، وهي المدينة المنورة التي بوأهم الله إياها، وجعلها لهم دار هجرة، وقيل: إن الحسنة هي لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر. وقيل: الحسنة عامة في كل ما يستحسن أن يناله ابن آدم في الدنيا.
وقد روي عن عمر بن الخطاب «أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا ، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ».[المحرر الوجيز لابن عطية: 169/4]
و

هنا إشارة إلى الجنة لأن ثواب الآخرة أعظم، والضمير في قوله تعالى:

عائد على كل من يشك في البعث.
ثانيا: بعض صفات المهاجرين التي اقتضت إكرامهم
قال تعالى:

هذه الآية وردت لبيان بعض صفات المهاجرين الذين وصفهم الله بها لينالوا ثواب الآخرة وهي:
- الصبر على الأذى: فقد وصفهم الله تعالى بهذا الخلق الذي يحمل صاحبه على احتمال المكاره في سبيل الله، والقيام بالطاعات، والكف عن الوقوع في المعاصي والشهوات. وقد صبر هؤلاء على ما نالهم من أذى قومهم، وعلى مفارقة الوطن، وعلى احتمال الغربة بين ناس لم تجمعهم بهم ألفة ولا جوار في دار.
- التوكل على الله: وهو الاعتماد على الله تعالى، وتفويض الأمر إليه. والناس فيه على مراتب: فمنهم الذي يتخذه منهجا في الحياة فيه؛ وذلك مباح حسن ما لم يلق بنفسه إلى التهلكة. ومنهم من يتوكل على الله مع تحريك الأسباب وهو مع قول النبي ﷺ: «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» [صحيح ابن حبان، كتاب الرقائق، باب الورع التوكل] ومنهم المقصر الذي لا يعرف كيف يتوكل على الله.
وتعتبر صفتا الصبر والتوكل من بين أهم صفات المهاجرين اللتين كانتا سببا في نيلهم رضى الله في الدنيا والآخرة.
ثالثا: البشرية من صفات الأنبياء والرسل
قال تعالى:

هذه الآية نزلت ردا على كفار قريش الذين استبعدوا أن يكون من البشر رسل من الله تعالى، فأخبرهم الله أنه لم يرسل إلى الأمم السابقة إلا رجالاً من البشر، ولم يرسل لأمة من الأمم ملكاً. ومن ذلك قوله تعالى:

يونس: 2
ومنه قوله تعالى

المؤمنون 33 - 34
وقوله تعالى:
، المراد بأهل الذكر أحبار اليهود والنصارى. فبعد توبيخ الله للمشركين طالبهم بالحجة وأمرهم بأن يسألوا أهل الشرائع السماوية السابقة عن أنبيائهم هل كانوا بشرا أم غير ذلك. فلما أخبرهم هؤلاء وهم أهل الذكر بأن أنبياءهم كانوا من البشر لم يعترف الكفار والمشركون بذلك، وظلوا على مكابرتهم ولم يريدوا الاعتراف ببشرية الرسل، ومنهم محمد ﷺ.
ولما وصف الله في هذه الآية الرسل بالصفة المشتركة بينهم وبين غيرهم وهي البشرية، أضاف الصفة الخاصة بهم لبيان منزلتهم ومكانتهم، وهي تلقيهم للوحي الإلهي.
قال تعالى:
بين الله تعالى في هذه الآية حقيقة ما أوحى به إلى هؤلاء الرسل، أي: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً، بالأدلة والحجج التي تشهد لهم بصدق نبوتهم، والكتب التي تشمل التكاليف والشرائع التي يبلغونها من الله إلى العباد.
وقوله تعالى:
يحتمل أن يريد لتبين بالقرآن ما أنزله الله عليك من الوحي، ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك وشرحك ما أشكل من القرآن، فيدخل في هذا ما بينته السنة من أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد.
والمعنى: وأنزلنا إليك القرآن تذكيرا وعظة للناس لتعرفهم بما أنزل إليهم من الأحكام والشرائع وأحوال الأقوام الذين أهلكهم الله جزاء بسبب عنادهم.
وقوله تعالى:

أي: فربما يتفكرون في تلك الأسرار، فيبتعدون عن سلوك سبيل الغابرين من المكذبين.
وتشير الآيات موضوع الدرس إلى تحقيق مقصد العبودية الكاملة لله تعالى التي تقتضي تحمل الأذى في سبيله، والتوكل والاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، واتباع ما أنزَل الله من الوحي على رسوله ﷺ.
التقويم
- استنتج (ي) من الآيات ثواب الهجرة إلى الله.
- ما هي الصفات التي مدح الله تعالى بها المهاجرين الأولين؟
- استخرج (ي) من الآيات الصفة المشتركة بين الأنبياء وغيرهم والصفة التي يختصون بها.
- ماذا تستفيد (ين) من قوله تعالى:
؟
الاستثمار
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنَ اللهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ. قَالَ لَهُمْ: "لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمّا أَنْتُمْ فِيهِ"، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللهِ بِدِينِهِمْ. فَكَانَتْ أَوّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَام. [الروض الأنف للسهيلي، 202/2]
تأمل النص وأجب/ أجيبي عن الآتي:
- ما هي أسباب الهجرة إلى الحبشة.
- كيف عامل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من يخالفهم في الدين ؟
الإعداد القبلي
اقرأ (ئي) الآيات:(45 إلى 50) من سورة النحل وأجب/أجيبي عن الآتي:
- اشرح (ي) الكلمات الآتية:





- بين (ي) عقاب الله تعالى لمن مكروا بالأنبياء والرسل؟
- بين (ي) معنى السجود الوارد في الآيات.