معرفة الناسخ والـمنسوخ ركن عظيم في الاهتداء إلى صحيح الأحكام التي يتوقف استنباطها على معرفة سابقها من لاحقها وناسخها من منسوخها، كما أنها تكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي وحكمة الله في تربيته للخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس. فما المراد بالنسخ؟ وما الفرق بينه وبين البداء والتخصيص؟
درس في مادة علوم القرآن، من كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني، لفائدة تلاميذ السنة الثالثة من التعليم الإعدادي العتيق، الدرس الأول.
أهداف الـدرس
- أن أتعرف معنى النسخ لغة واصطلاحا.
- أن أميز بين النسخ والبداء والتخصيص.
- أن أستشعر أهمية الإلـمام بالناسخ والمنسوخ في فهم نصوص الوحي.
النصوص
قال الله تعالى:
قال ابن عطية -رحمه الله-: «والنسخ جائز على الله تعالى عقلا؛ لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت، ولا النسخ لطرو علم، بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه بالثاني. والبداء لا يجوز على الله تعالى؛ لأنه لا يكون إلا لطرو علم أو لتغير إرادة، وذلك محال في جهة الله تعالى...
والتخصيص من العموم يُوهِمُ أنه نسخ وليس به؛ لأن المخصص لم يتناوله العموم قط، ولو ثبت قطعا تناول العموم لشيء مّا ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا». [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز،ج 1 ص 191].
الفهم
الشرح
: نزل حكمها ولفظها، أو أحدهما.
: نمحها من قلبك.
: بماهو أنفع للعباد في السهولة أوأكثر في الأجر.
استخلاص المضامين
- 1 . ما الذي تدل عليه الآية الكريمة ؟
- 2 . أحدد المفاهيم التي تحدث عنها ابن عطية رحمه الله وأستخرج الفرق بينها من النص.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على المحاور الآتية:
أولا: تعريف النسخ
يطلق النسخ في اللغة على أحد معنيين، أحدهما: إزالة الشيء وإبطاله، ومنه قوله تعالى:
والآخر: نقل الشيء وتحويله مع بقائه في نفسه، ومنه قوله تعالى:
وفي الاصطلاح: هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متأخر عنه.
وقولنا: «رفع» جنس في التعريف، يخرج به ما ليس برفع، كالتخصيص فإنه لا يرفع الحكم وإنما يقصره على بعض أفراده.
وقولنا: «حكم شرعي» قيد أول، يخرج به ابتداءُ إيجاب العبادات في الشرع؛ فإنه يرفع حكم العقل بالبراءة الأصلية التي هي عدم التكليف بشيء، وذلك كإيجاب الصلاة فإنه رافع لبراءة ذمة الإنسان منها قبل ورود الشرع بها، كما خرج به من الأحكام المندوب والمكروه لأن النسخ قاصر على الواجب والحرام.
وقولنا: «بخطاب شرعي» قيد ثان، يخرج به رفع حكم شرعي بدليل عقلي، كسقوط التكليف عن الإنسان بموته أو جنونه أو غفلته؛ فإن سقوط التكليف عنه بأحد هذه الأسباب يدل عليه العقل؛
إذ الميت والمجنون لا يعقلان خطاب الله حتى يستمر تكليفهما. كما يخرج به الإجماع والقياس؛ إذلا يتصور النسخ فيهما ولا بهما.
وقولنا: «متأخر عنه» قيد ثالث، يخرج به المقترن بالحكم، كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية فلا يسمى نسخا.
ثانيا: الفرق بين النسخ والبداء
1 . البداء
البداء بفتح الباء يطلق في لغة العرب على معنيين متقاربين:
- أحدهما: الظهور بعد الخفاء.
- وثانيهما: نشأة رأي جديد لم يك موجودا.
2 . النسخ لا يستلزم البداء
ذهب قوم إلى أن النسخ يستلزم البداء، وحجتهم في ذلك: أن النَّسخ-بزعمهم- يفيد أن الله تعالى بَدَا له حكم جديد لم يكن قد بدا له من قبل فيرفع به حكمًا قديمًا، وهذا البَداء أو الظهور بعد الخفاء لا يجوز في حقه تعالى، ومن ثم فلا وجود للنسخ. وهذا قول باطل كما يظهر فيما يأتي:
- إن البداء-المستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء-مستحيل في حق الله تعالى؛ لأن التأمل في الكون ونظامه الدقيق دَلَّنَا على أن خالقه ومدبره متصف أزلا وأبدا بالعلم الواسع المطلق.
- النسخ هو رفع حكم شرعي متقدم بخطاب شرعي متأخر عنه، وهو لا يستلزم البداء كما يزعمون، بل الله تعالى عَلِم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن كيف سيكون إن كان سيكون.
- إن النسخ ليس إلا تبديلا في المعلوم لا في العلم، وتغييرا في المخلوق لا في الخالق، وكشفا لنا وبيانا عن بعض ما سبق به علم الله القديم المحيط بكل شيء.
فالنسخ ما هو إلا بيان لانتهاء الحكم الشرعي الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي، فالله تعالى عَلِم أن الحكم المنسوخ يصلح للعباد مدة معينة، وأن الحكم الناسخ هو الذي يصلح لهم في مدة معينة، والكل معلوم لديه سبحانه.
والبداء-المستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء- إن جاز في حق المخلوق لقصور علمه وحجب علم الغيب عنه، فلا يجوز في حق عالم الغيب والشهادة، الذي كمُل في علمه كما كمُل في ذاته وصفاته.
ثالثا: الفرق بين النسخ والتخصيص
1. التخصيص لغة واصطلاحا
- التخصيص لغة هو: من خصَّصَه واختصَّه بالشيء: أَفْرَدَه به دون غيره، ويقال: اختص فلانٌ بالأمر، وتخصَّصَ له، إذا انفرد.
- واصطلاحا: قصر العام على بعض أفراده. وذلك يكون بإخراج بعض ما يتناوله اللفظ العام بدليل آخر.
2. الفرق بين النسخ والتخصيص
تتجلى أهم الفروق بين النسخ والتخصيص في:
- أن الحكم الشرعي المستفاد من العام وخرج بالتخصيص لم يكن مرادا من العام أصلا، بخلاف الحكم الذي خرج وتم رفعه بالنسخ فإنه كان مرادا من المنسوخ لفظا.
- أن التخصيص لا يمكن أن يأتي على الأمر لمأمور واحد من المكلفين، ولا على النهي لـمنهي واحد، مثل: «أكرم زيداً»؛ لأنه لا يكون إلا من متعدد- أما النسخ فيمكن أن يعرض لهذا كما يعرض لغيره، ومن ذلك نسخ بعض الأحكام الخاصة به صلى الله عليه وسلم فهي قد وقع فيها النسخ، ولا يتأتى فيها التخصيص؛ لكونها في الأصل لمأمور واحد، وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
- أن النسخ إذا وقع بشروطه المعتبرة فإنه يبطل حجية النص المنسوخ إذا كان الناسخ رافعا للحكم بالنسبة إلى جميع أفراد العام، ويبقي على شيء من حجيته إذا كان رافعا للحكم عن بعض أفراد العام دون بعض، أما التخصيص فإنه لا يبطل حجية العام أبدا، بل العمل بذلك العام قائم فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه.
- أن النسخ لا يكون إلا بالكتاب والسنة، بخلاف التخصيص فإنه يكون بهما وبغيرهما، كدليل الحس والعقل.
- أن النسخ لا يقع في الأخبار، بل يكون فقط في الأحكام الشرعية التي تستدعي طلب الفعل أو تركه من المكلف، بخلاف التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها.
التقويم
- 1 . أبين محترزات «رفع» و« حكم شرعي» و «بخطاب شرعي» الواردة في التعريف.
- 2 . أحدد الفرق بين النسخ والبداء.
- 3 . أضع في خطاطة ناظمة أهمّ الفروق بين النسخ والتخصيص.
الاستثمار
أطبق مكتسباتي وأملأ الجدول الآتي بما يناسب بعد نقله في دفتري:
الإعداد القبلي
أستعد للدرس الموالي وأنجز ما يأتي:
- 1 . أستخلص شروط النسخ من تعريفه.
- 2 . أبحث عن حُكم النسخ وحِكْمَتِه.