
درس اصطلاحات الناظم ومنهج استعمالها (1)، كتاب القراءات: من متن حرز الأماني ووجه التهاني لأبي القاسم الشاطبي بشرح سراج القارئ المبتدي وتَذكار المقرئ المنتهي لابن القاصح للسنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 7).
أهداف الدرس
- أن أتعرف اصطلاح الناظم في ذكر الأضداد.
- أن أدرك أنواع الأضداد في اصطلاح الناظم ومنهج استعمال كل نوع.
- أن أقدر على توظيف منهج الناظم في فهم متن الشاطبية.
تمهيد
لم يقتصر الناظم رحمه الله في هذه الـمقدمة على بيان الرموز الحرفية والكلمية، الإفرادية والجماعية، بل أعقب ذلك بذكر اصطلاحات أخرى تمثل منهجه في بيان وجوه القراءات، ومن ذلك منهجه في ذكر الأضداد.
فما أنواع الأضداد في اصطلاحات الناظم؟ وما منهجه في استعمالها؟
المتن
قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
|
57. وَمَا كانَ ذَا ضِدٍّ فَإِنِّي بِضِدِّه |
|
غَنِيٌّ فَــزَاحِــمْ بِالـــذَّكَـــاءِ لِـــتَــفْـــضُــلاَ |
|
58. كَمَدٍّ وَإِثْبَاتٍ وَفَتْحٍ وَمُدْغَمٍ |
|
وَهَــمْـــزٍ وَنَـــقْـــلٍ وَاخْـتِـلاَسٍ تَحَـصَّـلاَ |
|
59. وَجَزْمٍ وَتَذْكِيرٍ وَغَيْبٍ وَخِفَّة |
|
وَجَمْعٍ وَتَنْوِينٍ وَتَحْرِيكٍ اُعْمِلاَ |
|
60. وَحَيْثُ جَرَى التَّحْرِيكُ غَـيْـرَ مُقَيَّدٍ |
|
هُوَ الْفَــتْـــحُ وَالْإِسْــــكَـانُ آخَـــاهُ مَـنْــزِلاَ |
|
61. وَآخَيْتُ بَيْنَ النُّونِ وَالْيَا وَفَتْحِهِمْ |
|
وَكَـسْـرٍ وَبَـيْـنَ الـنَّـصْـبِ وَالخَـفْـضِ |
الفهم
الشرح:
لِتَفْضُلاَ: لتغلب في الفضل.
تَحَصَّلاَ: ثبت في الرواية.
مُنْزِلاَ: بضم الميم أي: منزلا كل شيء من ذلك منزلته.
استخلاص المضامين:
- أحدد منهج الناظم في ذكر الأضداد.
التحليل
يتعلق هذا الدرس باصطلاح آخر من اصطلاحات الناظم رحمه الله، وهو الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الضد الآخر، وفي ذلك يقول رحمه الله:
يتعلق هذا الدرس باصطلاح آخر من اصطلاحات الناظم رحمه الله، وهو الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الضد الآخر، وفي ذلك يقول رحمه الله:
|
وَمَـا كـانَ ذَا ضِـــدٍّ فَإِنِّــــي بِــضِــــدِّهِ |
|
غَنِيٌّ فَــزَاحِمْ بِـــالـــــذَّكَـــاءِ لِــــتَــفْــضُــلاَ |
أي: كل وجه له ضد واحد سواء كان عقليا أو اصطلاحيا، فإني أستغني بذكر أحد الضدين عن الآخر لدلالته عليه، فيكون من سَمَّى يقرأ بما ذكره، ومن لم يسم يقرأ بضد ما ذكره.
واعلم أن الأضداد الـمذكورة تنقسم قسمين:
أحدهما: ما يعلم من جهة العقل.
والثاني: ما يعلم من جهة اصطلاحه، ثم هي تنقسم قسمين آخرين: منها ما يطرد وينعكس، أي: كل واحد من الضدين يدل على الآخر، ومنها ما يطرد ولا ينعكس.
فبدأ بالقسم الأول من القسمين، أعني الذي يعلم من جهة العقل الـمطرد المنعكس.
أولا: الضد الذي يعلم من جهة العقل الـمطرد الـمنعكس
وقد مثل الناظم لهذا القسم بمجموعة من الأمثلة فقال:
|
كَمَدٍّ وَإِثْبَاتٍ وَفَتْحٍ وَمُدْغَمٍ |
|
وَهَــمْــزٍ وَنَــقْــلٍ وَاخْــتِــلاَسٍ تَـحَـصَّـلاَ |
قوله: «كَمَدٍّ»: المد ضده القصر، كقوله: «فَإِنْ يَنْفَصِلْ فَالْقَصْرَ بادِرْهُ». وقوله: «وَعَنْ كُلِّهِمْ بِالْمَدِّ مَا قَبْلَ سَاكِنٍ». وتارة يعبر بالمد عن زيادة حرف، كقوله: «وَفِي حَاذِرُونَ الْمدُّ». وتارة يعبر بالقصر عن حذف الألف، كقوله: «وَقُلْ لاَبِثِينَ الْقَصْرُ».
قوله: «وَإِثْبَاتٍ»: الإثبات ضده الحذف، كقوله: «وَتَثْبُتُ في الْحَالَيْنَ دُرَّا لَوَامِعاَ»، وقوله: «وَقُلْ قَالَ مُوسَى وَاحْذِفِ الْوَاوَ دُخْلُلاَ».
قوله: «وَفَتْحٍ»: الفتح هنا: ضده الإمالة الكبرى والصغرى، ولم يستعمله الناظم إلا في قوله في سورة يوسف: «وَالْفَتْحُ عَنْهُ تَفَضَّلاَ»، وفي باب الإمالة في قوله: «وَلكِنْ رُءُوسُ الآيِ قَدْ قَلَّ فَتْحُهَا».
وإنما لم يقع التقييد بالفتح إلا في هذين الموضعين؛ لأن القراءة إذا كانت دائرة بين الفتح والإمالة، فقلما يعبر الناظم بالفتح لعدم دلالة الفتح على أحد نوعي الإمالة؛ لأن الإمالة منقسمة إلى صغرى وكبرى، فلا تفهم القراءة الأخرى لو عبر بالفتح، فيعبر بالإمالة إما الصغرى أو الكبرى، وأيهما كانت فضدها الفتح.
والفتح هنا غير الفتح الذي يأتي مؤاخيا بينه وبين الكسر؛ لأن الفتح هنا ضد الإمالة، بخلافه ثَمَّ، فإن ضده الكسر كما سيأتي.
قوله: «وَمُدْغَمٍ وَهَمْزٍ وَنَقْلٍ وَاخْتِلاَسٍ»: ضد الإدغام: الإظهار، وضد الهمز: ترك الهمز، وضد النقل: إبقاء الهمز على حركته، وإبقاء الساكن قبله، وضد الاختلاس: إكمال الحركة؛ لأن معنى الاختلاس خطف الحركة والإسراع بها.
ثانيا: الأضداد التي اصطلح عليها الناظم
قال الناظم رحمه الله:
|
وَجَزْمٍ وَتَذْكِيرٍ وَغَيْبٍ وَخِفَّةٍ |
|
وَجَمْعٍ وَتَنْوِينٍ وَتَحْرِيكٍ اُعْمِلاَ |
تحدث الناظم في هذا البيت عن مجموعة من الأضداد التي اصطلح عليها، وهي:
الجزم: وضده في اصطلاحه الرفع، وهو يطرد ولا ينعكس. أما بيان اطراده؛ فلأنه متى ذكر الجزم فخذ ضده الرفع، كقوله: «وَبِالْقَصْرِ لِلْمَكِّيِّ وَاجْزِمْ فَلاَ يَخَفْ». وأما الرفع فضده النصب كما سيأتي.
التذكير: وضده التأنيث، وكل من الضدين يدل على الآخر كقوله: «وَذَكِّرْ لَمْ يَكُنْ شَاعَ»، وقوله: «وَإِنْ يَكُن اَنِّثْ».
الغيبة: وضدها الخطاب، وكل من الضدين يدل على الآخر، كقوله: «وَفي يَعْمَلُونَ الْغَيْبُ حَلَّ»، وقوله: «وَيَدْعُونَ خَاطِبْ إِذْ لَوَى».
الخفة: وضدها الثقل، وكل منهما يدل على صاحبه، كقوله: «وَكُوفِيُّهُمْ تَسَّاءَلُونَ مُخَفَّفًا». وقوله: «وَحَقٌّ وَفَرَّضْناَ ثَقِيلاً».
الجمع: وضده التوحيد والإفراد، وهو من الأضداد المطردة المنعكسة باصطلاحه نحو: «وَجَمْعُ رسَالاَتِي حَمَتْهُ ذُكُورُهُ»، وكقوله: «خَطِيئَتُهُ التَّوْحِيدُ عَنْ غَيْرِ نَافِعٍ» «رِسَالاَتِ فَرْدٌ».
التنوين: وضده تركه، وهو من الأضداد المطردة المنعكسة، كقوله: «لِثَمُودٍ نَوِّنُوا وَاخْفِضُوا رِضاً» وقوله: «ثَمُودَ مَعَ الْفُرْقَانِ وَالْعَنْكَبُوتِ لَمْ ... يُنَوَّنْ».
التحريك: وضده الإسكان، سواء كان مقيدا نحو: «وَحُرِّكَ عَيْنُ الرُّعْبِ ضَمَّا»، أو مطلقا، نحو: «مَعاً قَدْرُ حَرِّكْ مِنْ صَحَابٍ».
|
وَحَـيْـثُ جَرَى التَّحْـرِيــكُ غَــــيْـرَ مُـقَـيَّــدٍ |
|
هُوَ الْـفَـتْـــحُ وَالْإِسْــــكَــــانُ آخَاهُ مَنْزِلاَ |
التحريك يقع في القصيد على وجهين: مقيد، وغير مقيد.
فالمقيد: كقوله: «وَالَّلامَ حَرَّكُوا...بِرَفْعٍ خُلُوداً»، وكقوله: «وَحُرِّكَ عَيْنُ الرُّعْبِ ضَمَّا».
وغير الـمقيد: كقوله: «مَعاً قَدْرُ حَرِّكْ»، ولا يكون إذاً إلا فتحا، ومثله قوله: «نَعَمْ ضُمَّ حَرِّكْ وَاكْسِرِ الضَّمَّ أَثْقَلاَ».
والإسكان ضدهما معا، وإنما قال في هذا البيت: «وَالإِسْكانُ آخَاهُ» ولم يستغن بما تقدم في البيت الذي قبله لفائدة، وليس هذا بتكرار، أراد به إذا ذكر التحريك غير مقيد فضده الإسكان، وإذا ذكر الإسكان فضده الفتح إذا كان الإسكان غير مذكور الضد كقوله: «وَيَطْهُرْنَ فِي الطَّاءِ السُّكُونُ» فضد هذا السكون الفتح؛ لأنه ذكره ولم يذكر له ضدا، فإن كان للسكون ضد غير الفتح فلابد من ذكره وتقييده كقوله:
|
وَحَيْـثُ أَتَـــاكَ الْـــقُــدْسُ إِسْـــكَــــانُ دَالِهِ |
|
دَوَاءٌ وَلِـلْبَـاقِـيـنَ بِـالـــضَّـــــمِّ أُرْسِــــــلاَ |
لما كان ضد الإسكان هنا الضم ذكره وعينه.
وكقوله: «وَأَرْنَا وَأَرْنِي سَاكِنَا الْكَسْرِ».
ثم شرع يذكر بقية الأضداد التي اصطلح عليها فقال رحمه الله:
|
وَآخَيْتُ بَيْنَ النُّونِ وَالْيَا وَفَتْحِهِمْ |
|
وَكَسْرٍ وَبَيْنَ النَّصْبِ وَالخَفْضِ مُنْزِلاَ |
أخبر أنه آخى بين النون والياء، وبين الفتح والكسر، وبين النصب والخفض. وفعل ذلك لكثرة دورهما في التراجم، وفرق بين لقبي الفتح والنصب، وبين لقبي الكسر والخفض، على اصطلاح البصريين في التفرقة بين ألقاب حركات الإعراب والبناء.
فحاصل هذا البيت أن النون والياء ضدان، وكل واحد منهما يدل على صاحبه، فمتى كانت القراءة دائرة بين الياء والنون، فإذا ذكرت الياء لقارئ نحو: قوله: «وَيَا وَنُكَفِّرْ عَنْ كِرَامٍ»، فتأخذ للمسكوت عنهم النون لتصريحه بالياء. وإذا ذكر النون لقارئ نحو قوله: «وَحَيْثُ يَشَاءُ نُونُ دَارٍ»، فتأخذ للمسكوت عنهم الياء، لتصريحه بالنون.
وقوله: «وَفَتْحِهِمْ ... وَكَسْرٍ...».
الفتح والكسر ضدان، وكل واحد منهما يدل على صاحبه.
مثال الفتح قوله: «إِنَّ الدِّينَ بِالْفَتْحِ رُفِّلاَ»، فتأخذ للمسكوت عنهم القراءة بكسر الهمز.
ومثال الكسر قوله: «عَسَيْتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ حَيْثُ أَتى انْجَلاَ»، فتأخذ للمسكوت عنهم القراءة بفتح السين.
وأما النصب والخفض فهما ضدان، وكل واحد منهما يدل على الآخر.
مثال النصب قوله: «وَغَيْرُ أُولِي بِالنَّصْبِ صَاحِبُهُ كَلاَ».
ومثال الخفض قوله: «وَحَمْزَةُ وَالأَرْحَامَ بِالْخَفْضِ جَمَّلاَ».
التقويـم
- 1. أحدد أنواع الأضداد المستعملة في اصطلاح الناظم.
- 2. أبين الحالات التي ذكرها الناظم في استعمال الضد الذي يعلم من جهة العقل المطرد المنعكس، وأمثل لكل حالة.
- 3. أذكر الأضداد التي اصطلح عليها الناظم، وأمثل لكل منها بمثال.
الاستثمار
أتصفح فرش الحروف من متن الشاطبية، ثم أقوم باستخراج مثالين لاستعمال الناظم لبعض اصطلاحاته التي درست، وذلك كالآتي:
- مثال: من الأضداد التي تعلم من جهة العقل.
- مثال: من الأضداد التي اصطلح عليها الناظم.
الإعداد القبلي
أحفظ متن الدرس القادم، وأجيب عن الآتي:
- 1. أحدد منهج الناظم رحمه الله في استعمال الرموز الكلمية.
- 2. أبين منهج الشاطبية في التصريح بأسماء القراء والرواة.