
درس فضائل القران وآثاره على قارئه، كتاب القراءات: من متن حرز الأماني ووجه التهاني لأبي القاسم الشاطبي بشرح سراج القارئ المبتدي وتَذكار المقرئ المنتهي لابن القاصح للسنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 2).
أهداف الدرس
- أن أتعرف بعض فضائل القرآن الكريم وصفات قارئه.
- أن أدرك أهمية تعظيم القرآن الكريم والتمسك بأحكامه.
- أن أواظب على قراءة القرآن وتدبر آياته.
تمهيد
القرآن الكريم كلام الله تعالى، ونوره الـمبين، وصراطه الـمستقيم، أنزله هدى ورحمة للعالـمين، فجمع من الفضائل أسماها، ومن الحقائق أسناها، ومن الثمرات أزكاها، ومن الـمراتب أعلاها. فماهي فضائل القرآن الكريم؟ وما هي صفات قارئه؟ وما ثمرات تلاوته؟
المتن
قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
| 10. وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ | وَأَغْـنَــى غَــنَـــاءٍ وَاهِــبـــاً مُـتَـفَــضِّـــلاَ | |
| 11. وَخَـيْـرُ جَـلِــيــسٍ لاَ يُــمَــلُّ حَــدِيثُـهُ | وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاَ | |
| 12. وَحَيْثُ الْفَتَى يَرْتَاعُ فِي ظُلُمَاتِهِ | مِـنَ الْـقَــبْــرِ يَــلْـقَــاهُ سَـنــاً مُـتَــهَــلِّــلاَ | |
| 13. هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً | وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزِّ يُجْتَلَى | |
| 14. يُــنَـــاشِدُ في إرْضَـــائِهِ لِحَبِيبِهِ | وَأَجْــــدِرْ بِـــهِ سُـــــؤْلاً إلَـيْـهِ مُـوَصّــلاَ | |
| 15. فَــيَا أَيُّـــهَا الْـــقَـارِي بِهِ مُـتَـمَسِّـكاً | مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلاَ | |
| 16. هَـنِـيـئـاً مَـرِيــئاً وَالِــدَاكَ عَلَـيْهـِمـَا | مَـــلاَبِـسُ أَنْـــوَارٍ مِــنَ الـتَّـاجِ وَالــحُـلاَ | |
| 17. فَمَا ظَـنُّــكُـمْ بالـنَّجْـلِ عِـنْـدَ جَـزَائِـهِ | أُولَـئِـكَ أَهْـلُ اللـهِ والـصَّــفْــوَةُ الْــمَــلاَ | |
| 18. أُولُو الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى | حُلاَهُمْ بِهَا جَاءَ الْقُرَانُ مُفَصَّلاَ | |
| 19. عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِساً |
وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلاَ |
الفهم
الشرح:
وَأَغْنَى غَنَاءٍ: وأكفى كفاية.
يَرْتَاعُ: يفزع.
سَناً: السنى بالقصر الضوء، وبالـمد الشرف والرفعة.
مُتَهَلِّلاً: الـمتهلل الباشُّ الـمسرور.
هَنِيئاً: الهنيء الذي لا آفة فيه والـمحمود الطيب الـمستلذ الخالي من الـمنغصات.
مَرِيئاً: الـمريء: الـمأمون الغائلة الـمحمود العاقبة الـمنساغ في الحلق.
بالنَّجْلِ: النجل النسل كالولد، يقع على الـمفرد والجمع.
استخلاص المضامين:
- أقسم الأبيات إلى مقاطع، ثم أحدد مضمون كل مقطع.
التحليل
اشتملت هذه الأبيات على ما يأتي:
أولا: بعض فضائل القرآن الكريم
أشار الناظم رحمه الله إلى بعض فضائل القرآن، فقال:
| وَإِنَّ كِـــتَابَ اللــهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ | وَأَغْـنَــى غَــنَـــاءٍ وَاهِــبـــاً مُـتَـفَــضِّـــلاَ | |
| وَخَـيْـرُ جَـلِــيــسٍ لاَ يُـــمَــــلُّ حَــدِيــثُــهُ | وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاَ |
تضمن البيتان من فضائل القرآن، ما يلي:
أنه أوثق شافع، أي: أقوى شافع، وهو معنى قوله: «وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ»، وقد وصفه بذلك؛ لأن شفاعته مانعة لصاحبه من وقوعه في العذاب، وشفاعة غيره مخرجة له منه بعد وقوعه فيه، قال عليه الصلاة والسلام: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ». [صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة].
- أن كفاية القرآن لصاحبه أتم من كفاية غيره، وهو معنى قوله: «وأغنى غناء» وقوله: «وَاهِباً مُتَفَضِّلًا»، أي: زائدا في دوام هبته وبذلها على الاستمرار من غير انقطاع.
- أنه خير جليس لحامله لا تمل تلاوته وسماعه، وترداده يزيده أو يزيد قارئه حسنا وجمالا؛ لأنه أحسن الحديث، لقوله تعالى:

الزمر:22
. والهاء في «ترداده» تعود على القرآن؛ لأنه كلما رُدِّدَ ازداد حسنا وجمالا، ويجوز أن يعود على القارئ؛ لأنه يزداد بترداده من الثواب الجزيل، وفوائد العلم الجليل، ما يتجمل به في الدنيا والآخرة.
| وَحَيْثُ الْفَتَى يَرْتَاعُ فِي ظُلُمَاتِهِ | مِـنَ الْـقَــبْــرِ يَــلْـقَــاهُ سَـنــاً مُـتَــهَــلِّــلاَ | |
| هُـنَـالِكَ يَهْنِـيهِ مَـقِــيلاً وَرَوْضَةً | وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزِّ يُجْتَلَى | |
| يُـــنَـــاشِـدُ في إرْضَـــائِهِ لِحَـبِـيـبِـهِ | وَأَجْــــدِرْ بِـــهِ سُــــــؤْلاً إلَــيْـهِ مُـوَصّــلاَ |
أشار في هذا البيت إلى بعض فضائل القرآن على صاحبه في قبره، وهو أنه حينما يفزع في ظلمات القبر يجد ضوء القرآن يضيء قبره، وقد وصف الناظم رحمه الله القارئ بالفتوة، وهو خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق، وأضاف الظلمات إلى الفتى؛ لأنها ظلمات أعماله، «من القبر يلقاه» أي: القرآن أو الفتى في حال إضاءته وبشاشته؛ لأن كل واحد منهما يلقى الآخر، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِي عَلَيْهِمْ».[صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر].
وقوله: «هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً» أي في القبر، يهْنِئ القرآنُ القارئ حالة كونه «مقيلا» والمقيل موضع القيلولة، وهي الاستراحة في وسط النهار، وأراد بها الناظم مطلق الراحة، أي: يصير القبر كالمقيل وكالروضة بثواب القرآن، والمقيل لا يكون إلا موضعا حسنا ذا ظل وراحة، و(الروضة): المكان المتسع، وقوله: «وَمِنْ أَجْلِهِ» أي: ومن أجل القرآن، «يُجْتَلَى» هذا الفتى ويبرز «في ذروة العز» وأعلى الشرف.
ويسأل القرآنُ الله تعالى أن يعطي القارئ ما يرضى به القرآن، وما أَحَقَّ الإرضاءَ المطلوب بالوصول إلى القارئ أو القرآن.
ثانيا: بيان صفات حملة القرآن
بعد أن بين الناظم رحمه الله بعض فضائل القرآن،ذكَّر ببعض صفات قارئه، وبالثواب الذي يناله والداه؛ ليحث الناس على الاقتداء بأهل القرآن في هذه الصفات، فقال:
| فَــيَا أَيُّـــهَا الْـــقَـارِي بِهِ مُـتَـمَسِّـكاً | مُجِلاًّ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلاَ | |
| هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِمَا | مَــــلاَبِــسُ أَنْـــوَارٍ مِــنَ الـتَّــاجِ وَالـحُــلاَ | |
| فَمَا ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ | أُولَئِكَ أَهْلُ اللهِ والصَّفْوَةُ الْـمَلاَ |
تضمن البيت الأول نداء وتنبيها لقارئ القرآن ليذكره بصفاته الحميدة الـمشار إليها في البيت، ويبشره بما ذكره في البيتين المواليين بعده.
وصفات قارئ القرآن الـمذكورة في البيت الأول هي كونه:
- متمسكا بالقرآن أي: عاملا بما فيه، كما قال الله تعالى:

الأعراف:170
- مُجِلاًّ لَهُ: معظما للقرآن.
- مُبَجِّلاَ لَهُ: تبجيل القرآن: تعظيمه وحسن الاستماع والإنصات لتلاوته.
ثم ذكَّره ببشارته فقال: «هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ....». وهو يشير بذلك إلى أن بشارة قارئ القرآن هي أن يعيش عيشا هنيئا مريئا لما يناله والداه من ثواب واحتفاء ورفعة يوم القيامة، والهنيء والمريء من أوصاف الطعام والشراب في الأصل، ثم تُجُوّز بهما في التهنئة بكل أمر سارٍّ، وأشار بذلك إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟».[سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن].
وقوله ﷺ: «فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟» استفهام المقصود به تفخيم الأمر وتعظيم شأنه، أي: ظنوا ما شئتم من الجزاء بهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله.
وقول الناظم رحمه الله: «أولئك أهل الله...» يعني بذلك أن أهل القرآن هم أهل الله وصفوته وأشراف الناس من خلقه.
| أُولُو الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى | حُلاَهُمْ بِهَا جَاءَ الْقُرَانُ مُفَصَّلاَ |
أشار في هذا البيت إلى صفات أخرى لأهل القرآن، وهي كونهم جمعوا صفات الخير المذكورة، وهي البر والإحسان والصبر والتقى، منبها إلى أن هذه الصفات فصلها القرآن الكريم وبينها في كثير من الآيات، نحو قوله تعالى:

المطففين:22

البقرة:194

آل عمران:146

الجاثية:18
إلى غير ذلك من الآيات العظيمة المتضمنة لهذه المعاني.
وبعد أن بين صفات صاحب القرآن حث القارئ على المبادرة إليها والتمسك بها في حياته كلها فقال:
| عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِساً | وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلاَ |
أي بادر إلى صفاتهم والزمها ما عشت، أي: مدة حياتك فيها «منافسا» أي: مزاحما فيها غيرك، «وبع نفسك الدنيا» أي: أبدل نفسك الدنية «بأنفاسها العُلا» أي: بطيب أرواح الأعمال الصالحة التي هي عُلا، و«الأنفاس» جمع نفَس بفتح الفاء، «والعُلا» بضم العين صفة الأنفاس.
التقويـم
- 1. أحدد فضائل القرآن المشار إليها في الـمتن.
- 2. أبين أهم صفات قارئ القرآن التي ذكرها الناظم رحمه الله.
- 3. أبين بشارة قارئ القرآن، والـمستند الشرعي لهذه البشارة.
- 4. ما هو الواجب علي لنيل فضائل القرآن وبشارته؟
الاستثمار
عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ خَلْقِهِ» قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ».
[سنن النسائي، كتاب فضائل القرآن، باب أهل القرآن].
- عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «....وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ...».
[صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر].
أتأمل الحديثين وأقوم بالآتي:
- 1. أبين معنى الحديثين وعلاقتهما بالمتن.
- 2. أستنتج أثر الحديثين على سلوك حامل القرآن.
الإعداد القبلي
- أحفظ متن الدرس القادم وأبحث في كتب التراجم والطبقات عن تعريف القراء الثلاثة (نافع، وابن كثير، وأبي عمرو بن العلاء) ورواتهم، وما قيل فيهم وفي قراءاتهم.