
الشركة بين الناس تختلف وتتنوع وباختلافها وتنوعها تختلف الأحكام وتتباين فكان لزاما على الفقيه أن ينظر في تصرفات الناس ومعاملاتهم وشركاتهم ليصدر حكما على ذلك بالصحة أو الفساد، وقد سبق بيان عدد من أنواع الشركة وأحكامها، وفي هذا الدرس يتحدث المصنف رحمه الله عن شركة الذمم.
فما مفهوم شركة الذمم ؟ وما حكمها ؟ وما أحكامها ؟
درس في مادة الفقه، حول أحكام شركة الذمم والوجوه ، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس السابع و العشرون، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق.
أهداف الدرس
- 1. تعرف أحكام شركة الذمم.
- 2. التمييز بين أحكام شركة الذمم.
الـمتن
قال الشيخ خليل رحمه الله: «وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ وَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ وَذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وَتَرَادُّوا الْأَكْرِيَةَ، وَإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا، وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ: كَذِي سُفْلٍ، وَإِنْ وَهَى، وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ لَا سُلَّمٌ وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلُوِّ، إِلَّا الْخَفِيفَ، وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًى إذْ أَبَيَا فَالْغَلَّةُ لَهُمْ، وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ».
الفـهـم
الشرح
الذمم: جمع ذمة: وهي لغة: العهد، وشرعا: وصف يصير الشخص به أهلًا للإيجاب له وعليه.
وجيه: وَجُه بالضّم وَجاهة فهو وجيه إذا كان له حَظ ورُتبة.
الغلة: كل شيء يَحصل مِن ريع الأرض أو أُجرتها والجمع غَلات وغِلال.
خامل: يقال: خَمَل الرجل خُمولا مِن باب قَعَد فهو خامل أي ساقط النباهة لا شهرة له .
استخلاص مضامين المتن
- 1. أستخرج من المتن حكم شركة الذمم وبماذا تفسد ؟
- 2. أبرز انطلاقا من المتن صور القضاء في شركة الذمم.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على المحوارين الآتيين:
أولا: أحكام شركة الذمم
1. تعريف شركة الذمم وحكمها
- أ. مفهومها: أن يشتري اثنان فأكثر من الناس سلعة دون أن يكون لهم رأس مال اعتمادا على جاههم وثقة التجار بهم على أن تكون الشركة بينهما في الربح، فهي شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال.
- ب. حكمها: قال المصنف رحمه الله: «وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ» شركة الذمم غير جائزة؛ لأن الشركة إنما تتعلق بالمال أو العمل، وهما هنا غير موجودين، ولأنها من باب: تحمل عني وأتحمل عنك وأسلفني وأسلفك؛ فهو من باب ضمان بجُعل وسلف جر نفعًا وذلك لا يجوز.
2. تعريف شركة الوجوه وحكمها
- أ. تعريفها: قال ابن عرفة رحمه الله: «أن يبيع الوجيه مال الخامل بوجه بزيادة ربح ليكون له بعضه» [المختصر الفقهي 7 /36] وفسرها القاضي أبو محمد بأنها هي: «أن يشتركا على الذمم دون مال ولا صنعة على أن ما اشترياه يكون في ذمتهما وربحه بينهما» وعليه فتكون مرادفة لشركة الوجوه.
- ب. حكمها: قال المصنف رحمه الله: «وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالٍ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ» تفسد الشركة بمثل بيع وجيه من التجار يرغب الناس في الشراء منه مال خامل لا يلتفت الناس إليه بجزء من ربحه؛ لجهل الأجر وللغرر بغشه. قال القرافي: قال ابن القصار: شركة الوجوه تمتنع وهو قول الشافعي، وجوزها أبو حنيفة. وعلل المالكية عدم شرعيتها بأن حقيقة الشركة أن يشتركا في شيء عند العقد إما مال أو بدن ولا واحد منهما في شركة الوجوه فلا تصح، ولا يكفي العقد؛ لأنهما لو جعلا الربح كله لأحدهما لامتنع؛ لما فيها من الغرر وهو منهي عنه. [الذخيرة 8 /29 بتصرف]
قال المصنف رحمه الله: «وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ، وَذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ» أي تفسد الشرِكة إذا لم يتساو كراء الشركاء وعملوا بأيديهم على أن ما حصل من الغَلة يُقسم بينهم بنسبة عددهم؛ فلو كان كراء كل يساوي كراء الآخر والغلة بينهم متساوية فلا فساد؛ لأن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، وكذلك لو أخذ كل من الغلة بقدر ماله من الكراء فلا فساد أيضا.
ثانيا: القضاء في شركة الذمم
1. القضاء بعد فساد الشركة
قال المصنف رحمه الله: «وَتَرَادُّوا الْأَكْرِيَةَ» إذا فسدت الشركة لسبب من الأسباب فإن الشركاء يترادُّون الأكرية؛ بأن يرد من عليه شيء لمستحقه؛ فإذا كان كراء متاع أحدهم ألف درهم والآخر ألفين والآخر ثلاثة آلاف فإن أكثرهم كراء يطالب كلا من صاحبيه بما يجيء عليه من فضل كرائه بالنسبة لأقلهما كراء، وأوسطهم كراء يطالب صاحبيه بما يجئ عليهما من فضل كرائه بالنسبة لأقلهم؛ فيطالب من كراء متاعه ثلاثة آلاف كل واحد من صاحبيه بثلثي الكراء، ويطالب من كراء متاعه ألفان كلَّ واحد من صاحبيه بثلث الكراء فكل واحد من هذين له غريمان فيأخذ الأول ممن كراء متاعه درهم ثلثي الكراء، ويأخذ ممن كراء متاعه ألفان ثلث الكراء، ويأخذ الثاني ممن كراء متاعه درهم ثلث الكراء.
ثم أشار المصنف رحمه الله بقوله: «وَإِنْ اُشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا» إلى أنه من اشترط في عقد الشركة عمل ربِّ الدابة مثلا وعمِل فالغلة الناشئة من عمله له أي للعامل وحده؛ لأن عمله كأنه رأس مال، وعلى رب الدابة كراؤهما كراءَ المثل البيت والمصنع ونحوهما. وإن لم يصب شيئًا كما في المدونة؛ لأن من اكترى شيئًا كراء فاسدًا عليه كراء مثله وإن لم يصب غلة.
2. القضاء فيما لا ينقسم
قال المصنف رحمه الله: «وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ: كَذِي سُفْلٍ إِنْ وَهَى» يأمر القضاء شريكا فيما لا ينقسم كحمام وفرن وحانوت طلب شريكه فيه عمارته معه وأبى بأن يُعمِّر مع شريكه؛ حفظا للمال ولتقليل الشركاء، فإن أبى العمارة حكم عليه بأن يبيع جميع حظه ممن يعمر، ووجِّه بأن البيع إنما أبيح للضرورة وهي ترتفع بقدر الحاجة.
3. القضاء في الأملاك المشتركة
شبه المصنف بمسألة الشركة -في الأمر بالتعمير والقضاء بالبيع إنْ أبى الشريك ذلك- ما ليس فيه شركة فقال: «كَذِي سُفْلٍ إِنْ وَهَى» يُقضى على صاحب السفل بالعمارة إن ضعُف وخيف سقوط العلو عليه الكائن لشخص آخر، فإن امتنع باع الحاكم عليه ممن يعمر.
قال المصنف رحمه الله: «وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ لَا سُلَّمٌ وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلْوِ، وَإِلَّا الْخَفِيفَ وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ» يقضى على صاحب الطابق السفلي من السكن المؤلف من طابقين فأكثر إذا ضعف وخيف سقوط الأعلى بما يلي:
- إسناد البناء وتقويته؛ لأن التقوية بمنزلة البناء وهو على ذي السفل.
- إصلاح سقف بيته؛ لأنه أرض للأعلى، ولأن السقف للأسفل عند التنازع كما يأتي.
- كنس مرحاض يلقي فيه الأعلى سقطاته؛ لأنه بمنزلة سقف الأسفل. وليس على صاحب السفل سلم للأعلى، وكذا ليس على الأسفل بلاط بيت الأعلى.
قال المصنف رحمه الله: «وَبِعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلْوِ إِلَّا الْخَفِيفَ» يُقضى على شريك أو غيره صاحب علو مدخول عليه بعدم زيادة العلو على السفل إلا الخفيف وهو ما لا يضر عرفًا حالًا ولا مآلا بالأسفل.
4. القضاء بالسقف للأسفل عند التنازع
قال المصنف رحمه الله: «وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ» يُقضى بالسقف الحامل للأعلى للأسفل عند التنازع؛ لقوله تعالى:

فأضاف السقف للبيت، والبيت للأسفل؛ فإذا وهَى وأراد تغييره فقديمه للأسفل وبالدابة للراكب لعله بيمين لا للسائق أو القائد ولذا قال: «لَا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ» إلا لعرف أو قرينة وأولى بينة.
5. القضاء بالغلة للشركاء عند التنازع
قال المصنف رحمه الله: «وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًى إذْ أَبَيَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمْ، وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا: مَا أَنْفَقَ» إذا اشترك ثلاثة شركاء- مثلًا- في عرصة معدة لغلة تهدمت رحاها وأقام أحدهم قبل القضاء بالعمارة أو البيع ممن يعمر رحى إذ أبيا؛ أي شريكاه من إقامتها معه، ومِن إذنهما له بالعمارة بعد عرضه عليهما كما يشعر به أبيا سواء أبيا من أول العمارة إلى آخرها، أو سكتا حين الاستئذان ثم أبيا حين العمارة أو عكسه فالغلة لهم جميعًا على الراجح كما لابن عبد السلام.
ولكن بعد أن يستوفي منها ما أنفق، وإنما رجع في الغلة؛ لأنها حصلت بسببه، وإنما لم يرجع في الذمة؛ لأنه لم يؤذن له في العمارة.
سد الذرائع أصل من أصول مذهب مالك رحمه الله، ومن تجلياته منع التعامل بالمخاطرة والغرر الذي تذهب معه الحقوق سُدى وتهضم فيصبح الإنسان بعد ذلك عرضة للضياع والتلف.
التقويم
- 1. أعرف شركة الذمم وأبين حكمها.
- 2. أعرف شركة الوجوه وأبين حكمها.
- 3. أبرز كيف القضاء في شركة الذمم.
الاستثمار
قال ابن رشد رحمه الله: «وأما شركة الذمم فلم يجزها مالك؛ لأنها شركة بغير مال ولا صناعة، فكأن كل واحد منهما قال لصاحبه: تحصل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحصل عنك بنصف ما اشتريت. وذلك غرر ومخاطرة. وقال أبو حنيفة:
شركة الوجوه جائزة، وهي تنعقد على الوكالة؛ لأن ما يشتريه كل واحد منهما فبعض له وبعض لصاحبه على وجه الوكالة. وهذه الوكالة تصحح حال وهذا لا يصح، لأنه لو قال: وكلتك لتشتري لي سلعة على أن يكون لك ربح سلعتي التي اشتريتها لم يصلح؛ لأن ذلك مجهول منهما جميعا». [المقدمات الممهدات 3 /39].
أتأمل هذا النص وأبين حكم شركة الذمم عند الأئمة مع الاستدلال والتعليل.