
قد يحدث بمقتضى الحاجة أن يُقدم الإنسان على الاشتراك مع الغير مفاوضة فيصبح بمقتضى عقد المشاركة كالوكيل عن شريكه في أنواع من التصرفات يباشرها ويمارسها، لكن قد يتحقق في بعض الأحيان ربح وقد يكون خُسر، وقد يحدث من جراء ذلك تنازع وتنشأ دعاوى بين الشريكين فيحتاج إلى معرفة القضاء في ذلك حسما لمادة النزاع وسدا لباب الخصومات وعلى كل شريك معرفة ما ينبغي له مما لاينبغي وما يسوغ له مما لا يسوغ.
فما أحكام شركة المفاوضة ؟ وما يصح من التصرفات لكل من شريكي المفاوضة ؟ وبماذا تفسد شركة المفاوضة ؟
درس في مادة الفقه، حول تصرفات شريك المفاوضة وأحكام التنازع ، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس الرابع و العشرون، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق.
أهداف الدرس
- 1. تعرف بعض أحكام شركة المفاوضة.
- 2. إدراك تصرفات شريكي المفاوضة.
- 3. تمثل أحكام شركة المفاوضة في معاملاتي المالية.
الـمتن
قال الشيخ خليـل رحمه الله: «وَكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ: كَالْغَائِبِ إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَإِلَّا انْتُظِرَ، وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ. وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ، وَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ، وَلَهُ التَّبَرُّعُ، وَالسَّلَفُ، وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ. وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ وَالْخُسْرِ وَلِآخِذٍ لَائِقٍ لَهُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا وَلِلِاشْتِرَاكِ فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى كَإِرْثِهِ، وَإِنْ قَالَتْ: لَا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا إنْ شَهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ، وَلَوْ لَمْ يُشْهَدْ بِالْإِقْرَارِ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَلِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إنْ شُهِدَ بِهَا عِنْدَ الْآخِذِ، أَوْ قَصُرَت الْمُدَّةُ كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أَنَّهُ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ إلَّا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، وَإِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى: كَإِرْثِهِ، وَإِنْ قَالَتْ: لَا نَعْلَمُ».
الفـهـم
الشرح
الخسر: ضد الربح.
التبرع: الإعطاء بلا عوض.
لائق: مناسب.
التلف: تَلِف الشَّيْءُ تَلَفًا هَلَك فهو تَالِف.
استخلاص مضامين المتن
- 1. أستخرج من المتن أحكام شركة المفاوضة.
- 2. أحدد من المتن بعض تصرفات شريكي المفاوضة.
- 3. أبرز من المتن أحكام التنازع بين الشريكين.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على المحاور الآتية:
أولا: أحكام الشريكين في المفاوضة
1. وكالة أحدهما عن الآخر
قال المصنف رحمه الله: «وَكُلٌّ وَكِيلٌ» كل واحد من الشريكين في المفاوضة كالوكيل عن الآخر في البيع والشراء والأخذ والإعطاء والكراء والاكتراء والقيام بالاستحقاق والعيب لا أنه وكيل حقيقة؛ إذ هو شريك والشريك غير الوكيل.
2. ما يتفرع على وكالتهما
قال المصنف رحمه الله: «فَيُرَدُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ: كَالْغَائِبِ إنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وَإِلَّا اُنْتُظِرَ، وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ» يُرد ما تولى بيعَه شريكٌ غائب غيبة بعيدة ثم ظهر للمشتري عيب قديم به على شريك حاضر لم يتول بيعا، والرد عليه كالغائب أي كرد المبيع المعيب على بائعه الغائب إن بعدت غيبته، وإلا بأن قربت غيبة الشريك البائع انتظر ليرد عليه ما باعه؛ لأنه أقعد بأمر المبيع إذ لعل له حجة، ولا يرد على الحاضر، وأولى إذا كانا حاضرين.
3. فساد شركة المفاوضة
- أ. سبب فسادها قال المصنف رحمه الله: «وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ» تفسد الشركة باشتراط أحدهما التفاوت في قِسْمَة الرِّبْح والخُسْر بغير قَدْر المالَيْن في عَقدها.
- ب. العمل عند فسادها قال المصنف رحمه الله: «وَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ» إن اطلع على فساد عقد الشركة قبل العمل فسخ العقد، فإن اطلع عليه بعده قُسم الربح على قدر الماليْن؛ فإذا كان لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان ودخلا على المناصفة في العمل والربح فيرجع صاحب الثلثين على صاحب الثلث بسدس الربح ويرجع صاحب الثلث بأجرة سدس العمل.
ثانيا: تصرفات شريكي المفاوضة
1. أن يتبرع لشريكه
قال المصنف رحمه الله: «وَلَهُ التَّبَرُّعُ» لكل واحد من الشريكين التبرع لشريكه بشيء من الربح أو العمل وهذا مفهوم قوله:«بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ» وأما حكم التبرع للأجنبي فقد سبق في قوله: «وَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْ اسْتَأْلَفَ بِهِ أَوْ خَفَّ».
2. أن يسلف شريكه
قال المصنف رحمه الله: «وَالسَّلَفُ» يجوز لأحد الشريكين أن يسلف شريكه شيئا.
3. أن يهب لشريكه
قال المصنف رحمه الله: «وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ» يجوز أيضا للشريك أن يهب شيئا لشريكه. وهذه الثلاث-التبرع والسلف والهبة- ينبغي أن تكون بعد العقد لا قبله أو فيه للدخول في التبرع والهبة على التفاوت أو التهمة على ذلك فكأنه مشترط لجرِّ النفع في السلف، فإن لم يجرّ نفعًا جاز في العقد أيضًا. وظاهر قول المصنف: «بَعْدَ الْعَقْدِ» ولو بأثره بناء على أن اللاحق للعقود ليس كالواقع فيها.
ثالثا: أحكام التنازع بين الشريكين
1. تنازع الشريكين في دعوى التلف والخُسر
قال المصنف رحمه الله: «وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ وَالْخُسْرِ» إن ادعى أحد الشريكين فيما بيده من بعض مال الشركة تلفَه أو خسره وكذبه الآخر وادعى عليه أنه أخفاه ولم يحصل تلف ولا خسر كان القول لمدعي التلف وهو ما نشأ لا عن تحريك- والخسر- وهو ما نشأ عن تحريك-؛ لأنه أمين في مال الشركة.
وهذا إذا لم يظهر كذبه بالبينة أو القرائن كدعواه التلف وهو في رفقة لا يخفى عليهم ذلك ولم يعلم به أحد منهم، وكدعواه الخسارة في سلعة لم يعلم ذلك في نحوها لشهرة سعرها ونحو ذلك، فإن ظهر كذبه ضمن وغرم؛ لأن الأمين يضمن إذا فرط.
2. تنازع الشريكين في دعوى أخذ اللائق
قال المصنف رحمه الله: «وَلِآخِذِ لَائِقٍ لَهُ» إن ادعى أحد الشريكين شراءَ شيء لنفسه وادعى الآخر أنه اشتراه للشركة فالقول بلا يمين لمدعي شراء لائق- مُشْبِه وَمُناسب- به وبعياله من طعام ولباس فقط ولم يصدقه شريكه على ذلك. وأما غير الطعام واللباس واللائق منهما فلا يصدق ويرد للشركة.
3. تنازع الشريكين في دعوى نسبة الربح
قال المصنف رحمه الله: «وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا» إنْ قال أحد الشريكين: المال المشترَك بَيْننا بالنِّصف، والآخَرُ بالثُّلثيْن لَه والثُّلث للآخَر فالقول لمدّعِي النِّصف بيمين، وحُمِل الاشتراك على النِّصف في حال تنازعهما؛ أي الشريكيْن في كون شركتهما بالنِّصف أو غيره.
4. تنازع الشريكين في دعوى الاختصاص بحيازة شيء
قال المصنف رحمه الله: «وَلِلِاشْتِرَاكِ فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى: كَإِرْثِهِ، وَإِنْ قَالَتْ: لَا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا إنْ شَهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ، وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِالْإِقْرَارِ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ» إن حاز أَحَد المُتفاوِضيْن شيئا وادَّعى اختصاصه به وقال شريكه: هو من مال المفاوضة فالقول لمدعيه في مال المفاوضة فيما بيد أحدهما دون مدعيه لنفسه إلا لبينة أقامها الحائز على كإرثه فيختص من هو بيده من أحد الشريكين وإن قالت: لا نعلم تقدمه لها، وأما إن قالت: نعلم تقدمه على الشركة فإنه ليس بأولى في الاختصاص بل يكون بينهما، وإن قالت: لا نعلم تقدمه ولا تأخره اختص به فالأقسام ثلاثة.
ومحل كون القول لمدعي الاشتراك إن شُهد بالمفاوضة؛ أي بتصرفهما تصرف المتفاوضين وأولى إن شُهد بوقوع الشركة بينهما على وجه المفاوضة. هذا إن شهدت البينة عليهما بالإقرار بها بل ولو لم يشهد عليهما بالإقرار بها على الأصح.
5. تنازع الشريكين في دعوى بقاء شيء من مال الشركة عند شريك ميت
قال المصنف رحمه الله: «وَلِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الْآخِذِ، أَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ» القول لمقيم بينة على شريكه الميت بأخذ مائة مثلًا كما في مثال المصنف؛ أي بأن الميت أخذها قبل موته أنها باقية، وأما الحي المنكِر للأخذ إذا أقيمت عليه به بينة فلا تقبل دعواه الرد لمال الشركة ولو طالت المدة لتكذيبه نفسه بإنكاره الأخذ بل ولا بينته إن أشهد الآخذ بها عند الأخذ منه لها على نفسه بالأخذ أو أشهد به شريكه الدافع.
6. دفع صداق من مال الشركة
قال المصنف رحمه الله: «كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أَنَّهُ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ إلَّا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، وَإِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى كَإِرْثِهِ، وَإِنْ قَالَتْ: لَا نَعْلَمُ» إذا دفع أحد الشريكين صداقا عن شريكه وادعى أنه من مال المفاوضة وادّعى شريكه أو وارثه أنه من ماله الخاص به فالقول في ذلك للدافع في أن الصداق من مال المفاوضة؛ لتمسكه بالأصل، إلا أن يطول الزمن من يوم الدفع كسنة فلا يكون القول قول من ادّعى أنه من مال المفاوضة، بل القول قول مدعي أنه من ماله الخاص؛ لأن عدم مطالبته لشريكه في هذه المدة يدل على صدقه. ما لم تقم بينة لمدعي الاختصاص فلا يسقط بطول كسنة بل تقبل بينته.
رابعا: من تصرفات شريكي المفاوضة
1. إقرار أحد الشريكين بدين عليهما
قال المصنف رحمه الله: «وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ: فَهُوَ شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ، وَأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا، وَإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ: كَعِيَالِهِمَا إنْ تَقَارَبَا وَإِلَّا حَسَبَا كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ» لمّا قدّم المصنف أن لأحد الشريكين حال الاشتراك الإقرار بدين لمن لا يتهم عليه من غير احتياج ليمين المقر له ذكَر حكم إقراره بعد انفصال الشركة فقال: «وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ: فَهُوَ شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ» إذا أقر واحد من الشريكين بدين عليهما بعد تفرقٍ أو موت أحد الشريكين فهو شاهد في غير نصيبه؛ حيث كان لمن لا يتهم عليه كعمه وابن عمه وكأخيه وملاطفه إن كان المقر مُبرزًا في العدالة فيحلف معه المقر له ويستحق، وأما في نصيبه فيؤاخذ به بعد تفرق أو موت ولو لمتهم عليه.
2. إنفاق الشريكين من مال الشركة
قال المصنف رحمه الله: «وَأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا، وَإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ السِّعْرِ: كَعِيَالِهِمَا إنْ تَقَارَبَا وَإِلَّا حَسَبَا كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ» تُلغى نفقة المتفاوضين وكسوتهما وإن كان ذلك ببلدين مختلفي السعر ولو كان اختلاف السعر في البلدين بيِّنا؛ لأن كل واحد منهما إنما عقد للتجر مع قلة مؤنة كل واحد فاستحل اختلاف السعرين. كما تلغى نفقة وكسوة عيالهما إن تقاربا سنًّا وعددًا بقول أهل المعرفة ببلد أو بلدين ولو اختلف سعرهما فتلغى نفقتهما، وأسقط شرطًا وهو كون المال بينهما مناصفة في مسألة العيال فقط، وإلا يتقاربان بل اختلفا عددًا أو سنًّا اختلافًا غير متقارب أو كان المال بينهما على الثلث والثلثين حَسبا نفقتهما وكسوتهما على عيال كل؛ لئلا يأخذ كل من مال الشركة أكثر من حقه.
يتجلى من الدرس أنَّ حياة الناس لا تخلو من تشارك ومخالطة واحتياج كل واحد إلى الآخر، لكن الشريعة المباركة لم تترك ذلك إلى هوى النفوس تفعل فيها ما تشاء وتريد، بل وضعت لذلك ضوابط وقيودا تنتظم بها المعاملات على أحسن الأحوال، وأكمل الوجه، وتضمن بها الحقوق، وتعرف بها الواجبات والالتزامات.
التقويم
- 1. أذكر بعض أحكام شركة المفاوضة.
- 2. أحدد بعض تصرفات شريكي المفاوضة.
- 3. أبرز أحكام التنازع بين الشريكين.
الاستثمار
قال العلامة بهرام رحمه الله: «وإن تجر بوديعة تعديا اختص إن لم يعلم الآخر وإلا فلهما وعليهما، وقيل: إن رضي وعمل معه فكذلك لا إن لم يعمل، والربح والعمل على قدر ماليهما. وفسدت بشرط التفاضل وإن في أحدهما وترادَّا في الربح وكذا في العمل بأجرة المثل فيما زاد على الأصح، واختير إن ربح فله الأقل منه ومن ربح الجزء وإن خسر فلا شيء له. وجاز تبرع وهبة وسلف بعد العقد من أحدهما للآخر وصدق مدعي تلف وخسارة وما يأخذه لنفسه إن أشبه ولو ادعى الثلث والثلثين والآخر النصف دفع لكل ما سلم له، وقسم السدس بينهما، وقيل: يحلفان وينصف».
[الشامل في فقه الإمام مالك 2 /697]
أتأمل هذا النص وأجيب بما يلي:
- 1. أستخرج ما فيه من أحكام وأقارن بينه وبين ما في المتن.
- 2. أستخلص من النص ما يجوز وما لا يجوز في شركة المفاوضة.
- 3. أعرف بالعلامة بهرام وكتابه الشامل.
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأجيب عما يأتي:
- 1. أبين من المتن تصرفات شريكي المفاوضة.
- 2. أحدد مفهوم شركة العنان وحكمها.
- 3. أبحث عن ما يجوز وما لا يجوز في شركة العنان.