الفقه: من يعقد الشركة وما تنعقد به(الدرس 22) 

الإنسان محتاج في كثير من الأحيان إلى الاشتراك مع غيره بمقتضى طبيعة الحاجة إلى التعاون والتكامل لاكتساب الأموال وتحقيق المصالح واستجلاب المنافع، وقد يشترك مع من ليس له أهلية لأن يشترك، وقد يشترك مع من يجهل لوازم الشركة وتبعاتها ويظن أن الأمر سهل ميسور سالم من العواقب؛ لذلك جاء الفقه الإسلامي بالبيان الشافي والتفصيل الوافي لأحكام الشركة.

فما مفهوم الشركة ؟ ومن تصح منه ؟ وبماذا تنعقد ؟

درس في مادة الفقه، حول من يعقد الشركة وما تنعقد به ، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس الثاني و العشرون، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق. 

أهداف الدرس

  • 1. تعرف مفهوم الشركة ومن تصح منه وما تنعقد به.
  • 2. إدراك الآثار المرتبة على عقد الشركة.
  • 3. تمثل أحكام الشركة في معاملاتي المالية.

 الـمتن

قال الشيخ خليــل رحمه الله: «الشَّرِكَةُ: إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ. وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا: كَاشْتَرَكْنَا بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا وَبِهِمَا مِنْهُمَا، وَبِعَيْنٍ وَبِعَرْضٍ، وَبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ لَا فَاتَ إنْ صَحَّتْ إنْ خَلَطَا وَلَوْ حُكْمًا وَإِلَّا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ، وَمَا ابْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ ؟ أَوْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ. وَلَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا إنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يُتَّجَرْ لِحُضُورِهِ لَا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوْ اتَّفَقَا».،

الفـهـم

الشرح

التوكيل: الإنابة بأن يجعل غيره قائما مقامه في العقود والتصرفات.
التوكل: قبول الوكالة والالتزام بأحكامها.
العرف: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول.
الصرف: بيع عملة بأخرى كبيع الدينار بالدراهم، أو مبادلة نقد بنقد عدا أووزنا.
التالف: الذاهب الضائع.
نقد: النَّقْد في البيع خلاف النَّسيئة، ويطلق بمعنى مقابل العرض.

استخلاص مضامين المتن

  • 1. أستخرج من المتن مفهوم الشركة وحكمها.
  • 2. أستخرج من المتن من تصح منه الشركة ومن لا تصح منه.
  • 3. أستخرج من المتن شروط الشركة.

التحليل

يشتمل هذا الدرس على المحاور الآتية:

أولا: مفهوم الشركة وحكمها وشروطها

1. تعريف الشركة

  • أ. لغة: فيها ثلاث لغات بوزن نِعمة ورحمة ونَبِقَة، وفي معناها قال ابن فارس: الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة، فالأول الشركة: وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانا إذا جعلته شريكا لك. قال الله جل ثناؤه في قصة موسى عليه السلام:

طه: 31

[معجم مقاييس اللغة مادة: شرك 3 /265] ويجمع الشريك على شركاء وأشراك.

  • ب. اصطلاحا: عرفها المصنف بقوله: «إذن في التصرف لهما مع أنفسهما» أي إذن كل واحد من المتشاركين لصاحبه. فقوله: «إذن في التصرف» كالجنس يشمل الوكالة والقراض، وقوله: «لهما» كالفصل مخرج للوكالة من الجانبين؛ أي أن يوكل شخص شخصًا يتصرف في متاعه ويوكل ذلك الوكيل أيضًا الموكل ليتصرف له في متاعه هو لأنه لم يقع فيه إذن كل واحد لصاحبه في التصرف له ولصاحبه، بل أذن كل لصاحبه في التصرف للموكل فقط، وقوله: «مع أنفسهما» يخرج بعض صور القراض: كأن يدفع شخص مالا لآخر قراضًا ويدفع ذلك الآخر قراضًا غير الأول للدافع فإن كل واحد منهما أذن للآخر أن يتصرف لنفسه وللآذن لكن لا مع بقاء تصرف نفس الآذن. ولا مفهوم للتثنية بل قد تكون بين أكثر من اثنين.

2. حكمها وصيغتها

  • أ. حكمها ومن تصح منه: حكم الشركة الجواز في الجملة، ودليل مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى:

النساء: 12

وقوله سبحانه:

ص: 24

والخلطاء: هم الشركاء.

ومن السنة الحديث القدسي فيما يُروى عن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» [سنن أبي داود كتاب البيوع باب: في الشركة]
قال المناوي رحمه الله: «ثالث الشركين» أي بالمعونة وحصول البركة والنماء ما لم يخن أحدهما صاحبه بترك أداء الأمانة، وعدم التحرز من الخيانة، فإذا خانه بذلك خرجت البركة من بينهما، يعني نزعت البركة من مالهما، قال الطيبي: فشركة الله لهما استعارة كأنه جعل البركة بمنزلة المال المخلوط، فسمى ذاته ثالثاً لهما، وقوله: خرجت ترشيح للاستعارة، وفيه ندبُ الشركة، وأن فيها البركة بشرط الأمانة، وذلك لأن كلاً منهما يسعى في نفع صاحبه، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. [فيض القدير للمناوي 2/ 308] وقد أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة.

وفيمن تصح الشركة قال المصنف رحمه الله: «وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ»؛ أي تصح الشركة ممن كان متأهلا لأن يوكل غيره ويتوكل لغيره وهو البالغ الرشيد، وحينئذ فلا تصح شركة الصبي ولا المجنون ولا السفيه.

  • ب. صيغتها: قال المصنف رحمه الله: «وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا: كَاشْتَرَكْنَا» تلزم الشركة بما يدل عليها عرفا كاشتركنا؛ بأن يقوله كل منهما أو أحدهما ويسكت الآخر راضيًا به من غير احتياج لزيادة على قول ابن القاسم، فلا يشترط خلط الماليْن والتجر فيهما، لكن شركة الزرع لا تلزم إلا بالعمل عند ابن القاسم.
  • ج. ما تجوز فيه الشركة، تجوز الشركة في الآتي:
    • الذهبان: قال المصنف رحمه الله: «بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ» تصح الشركة بذهب من واحد وذهب من الآخر وكذا يقال في ورقيْن، بشرط أن يتفق صرفها لقول المصنف: «اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا» أي اتحد صرف الذهبين أو الفضتين وقت العقد فلا يضر الاختلاف في الصرف بعد العقد، وكذلك اتفق ووزنهما وجودتهما أو رداءتهما، ومن لازم ذلك اتفاق قيمتهما وسواء اتحدت سكتهما أم لا.
    • الذهب والفضة: قال المصنف رحمه الله: «وبِهِمَا مِنْهُمَا» أي وتصح الشركة أيضا إذا أخرج أحدُ الشريكين دنانير ودراهم وأخرج الآخَر مثله وتعتبر مساواةُ ذهبِ أحدهما لذهب الآخر وَزْنًا وصرْفا وقِيمةً وفضةِ أَحدِهما لفِضة الآخَر كذلك.
    • العين والعرض: قال المصنف رحمه الله: «وَبِعَيْنٍ وَبِعَرْضٍ» تصح الشركة بعين أي ذَهب أَو وَرِق أو بهما مِن أحدهما وبعَرْض مِن الآخَر، وأراد به ما يَشْمل الطعام.
    • العرضان: قال المصنف رحمه الله: «وَبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا» تَصِحُّ الشركة بعرضين من كل واحد عرض غير طعامين لما سيأتي مطلقًا اتفقا جنسًا أو اختلفا فدخل فيه ما إذا كان أحدهما عرضا والآخر طعامًا.

ثم قال: «وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لَا فَاتَ» أي وكل من العرض الواقع في الشركة من جانب أو جانبين يقع الاشتراك به بالقيمة، وتعتبر قيمته يوم أحضر عرضهما للاشتراك فيما يدخل من البيع في ضمان المشتري بالعقد، وأما فيما يدخل في ضمانه بالقبض كذي التوفية– وهو ما يكال أو يوزن أو يعد من غير العين- والغائب غيبة قريبة فتعتبر قيمته يوم دخوله في ضمانه في البيع دون يوم دخوله في ضمان الشركة الذي هو الخلط، وإنما اعتبر في الصحيحة قيمة عرض كل؛ لأن العروض أعيان أموال فجازت الشركة فيها وإن لم يسميا ثمنًا اعتبارًا بما لا يتميز.

ثم قال المصنف رحمه الله: «لَا فَاتَ» أي لا يكون التقويم يوم الفوات ببيع أو حوالة سوق أو هلاك.

وهذا كله إن صحت شركتهما فإن فسدت؛ كما لو وقعت على تفاضل الربح أو العمل -والفرض أن المالين متساويان في القدر- فلا تقويم. وهو ما أشار إليه المصنف بقوله: «إنْ صَحَّتْ».

ثانيا: ضمان مال الشركة

1. الضمان من الشريكين

قال المصنف رحمه الله: «إنْ خَلَطَا وَلَوْ حُكْمًا» يكون ضمان مال الشركة من الشريكين إن خلطا مالَيْهما حسا؛ بأن لم يتميز أحدهما من الآخر بل ولو حكما بأن يكون كل واحد من المالين في صرة منفردة وجعلاه في حوز أجنبي أو أحدهما فقط فضاع فمنهما.

2. الضمان من أحدهما

قال المصنف رحمه الله: «وَإِلَّا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ» إنْ لم يَحْصل خَلْط للماليْن لا حقيقة ولا حُكما وتَلِف المالان أو أحدُهما فالمال التالف ضمانُه مِن ربه خاصة. ثم قال المصنف رحمه الله رحمه الله: «وَمَا اُبْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْمُتْلفِ نِصْفُ الثَّمَنِ» أي والعَرْض الذي اُشتُرِي للتجارة بغيره أَي التالِف فهو مشتَرك بينهما أَي صاحِب السالم وصاحب التالف فإن رَبِح فلهما، وإن خسر فعليهما على ما دخلا عليه للزوم الشركة بالعقد، وعلى المتلَف متاعه نصف الثمن أي ثمن المشترى بالسالم إن كانت الشركة بالنصف وإلا ضمن حصته فقط. ثم قال المصنف رحمه الله أيضا: «وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ؟ أَوْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ» أي هل ما ابتيع بغير التالف بينهما إلا أن يعلم صاحب السالم بالتلَف ويشتري بالسالم بعد علمه فله ربح ما اشتراه وعليه خسره، فإن اشترى قَبْل علمه بالتلف فبينهما وإن لم يرض المشتري هذا ظاهره. والنقل أنه مخير بين أن يختص به أو يدخل معه صاحب التالف أو يكون ما اشتراه ذو السالم بينهما مطلقًا اشترى بعد علمه بالتالف أم لا، هذا ظاهره، وليس كذلك بل إن اشترى قبل علمه فبينهما، وبعده يخير ذو التالف في دخوله معه وعدمه إلا أن يدعي ذو السالم الأخذ له أي لنفسه فيختص به ولا خيار لشريكه، تردد.

ثالثا: ما تصح به الشركة وما لا تصح به

1. ما تصح به

تَصِح الشركة إنْ أحْضر ما أَخرجه كُلٌّ من الشريكين، بل ولو غاب نقد أحدهما الذي شارك به، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: «وَلَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا» ثم قيّد المصنف ذلك بأمرين أشار إلى الأول بقوله: «إنْ لَمْ يَبْعُدْ» أي بل قرب كاليومين. وأشار إلى الثاني فقال: «وَلَمْ يُتَّجَرْ لِحُضُورِهِ» أي أن لا يتجر بالحاضر قبل قبض الغائب.

2. ما لا تصح به

  • أ. قال المصنف رحمه الله: «لَا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ وَبِطَعَامَيْنِ وَلَوْ اتَّفَقَا» لا تصح الشركة بذهب من أحد الشريكين وبورق من الآخر ولو عجل كلٌّ ما أخرجه لصاحبه؛ لاجتماع الصرف والشركة، فإن عمِلا فلكلٍّ رأس ماله ويقسمان الربح.
  • ب. قال المصنف رحمه الله: «وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوْ اتَّفَقَا» لا تَصِح بطعامين اختلفا نوعًا وصفة وقدرًا بل ولو اتفقا فيما ذكر؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه.
    يتبين من هذا الدرس أن الشركة سبب لحصول البركة ونماء المال إذا قامت على الصدق والأمانة، والمجتمع بحاجة إليها خاصة في المشاريع الكبرى التي لا يستطيعها الشخص بمفرده كالمشاريع الصناعية، والعمرانية، والتجارية، والزراعية ونحوها وبذلك يتحقق المقصد الجودي بين الناس.

التقويم

  • 1. أحدد مفهوم الشركة وحكمها.
  • 2. أبين أحكام ضمان مال الشركة. 
  • 3. أذكر شروط الشركة.

الاستثمار

قال مالك: «في الرجل يقول للرجل اشتر هذه السلعة بيني وبينك وانقد عني وأنا أبيعها لك إن ذلك لا يصلح حين قال: انقد عني وأنا أبيعها لك، وإنما ذلك سلف يسلفه إياه على ان يبيعها له. قال مالك: ولو أن رجلا ابتاع سلعة فوجبت له ثم قال له رجل: أشركني بنصف هذه السلعة وأنا أبيعها لك جميعا كان ذلك حلالا لا بأس به، وتفسير ذلك: أن هذا بيع جديد باعه نصف السلعة على أن يبيع له النصف الآخر».
[الموطأ باب: ما جاء في الشركة والتولية والإقالة]

أتأمل هذا النص وأجيب بما يلي:

  • 1. أبين من النص ما يجوز من الصور وما لا يجوز مع التعليل.
  • 2. أبين نوع الشركة الواردة في النص.

الإعداد القبلي

أقرأ متن الدرس الآتي وأستخلص منه ما يأتي:

  • 1. أسخرج من المتن قسما من أقسام الشركة وأقوم بتعريفه.
  • 2. ما حكم تصرف أحد الشريكين دون إذن شريكه ؟

Plus de : الفقه

Tout afficher

Explorer d'autres rubriques— الفقه

الفقه الإبتدائي الخامس 35

Parcourir la rubrique الفقه الإبتدائي الخامس

الفقه الثانوي الأول 33

Parcourir la rubrique الفقه الثانوي الأول

الفقه الابتدائي الرابع 31

Parcourir la rubrique الفقه الابتدائي الرابع

الفقه الإعدادي الثاني 31

Parcourir la rubrique الفقه الإعدادي الثاني