الفقه: أقسام الصلح وأحكامها

لما كانت حياة الناس لا تخلو من نزاعات وخصومات واتهامات بطبيعة المخالطة وأثر النزوات النفسية والنزعات البشرية بادرت الشريعة السمحة الحكيمة بتشريع وإيجاد حلّ وسط عدل يَدرأ التُّهَم، ويُزيح الشبهات، ويُرضي الطرفين أو الأطراف ويفضّ النزاع ويُبقي على الصلة والمودة بين الناس فكان من تلكم التشريعات الحكيمة الصُّلح.

فما الصلح ؟ وما أقسامه ؟ وما حُكمه ؟

درس في مادة الفقه، حول أقسام الصلح وأحكامها ، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس الثاني عشر، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق. 

أهداف الدرس

  • 1. تعرُّفُ مفهوم الصلح وأقسامه وحكمه.
  • 2. إدراك الآثار المترتبة عليه وحكمة مشروعيته.
  • 3. تَمثُّلُ أحكام الصلح في المعاملات المالية.

 الـمتن

قال الشيخ خلـيل رحمه الله: «الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ. وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ وَعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ أَوْ عَكْسِهِ إنْ حَلَّا وَعُجِّلَ كَمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَنْ مِائتيهما وَعَلَى الِافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ أَوِ السُّكُوتِ أَوِ الْإِنْكَارِ إنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ وَظَاهِرِ الْحُكْمِ».

الفـهـم

الشرح

الإجارة: تمليك منفعة رقبة بعوض
الهبة: تمليك العين أو المنافع بلا عوض.

استخلاص مضامين المتن

  • 1. أستخرج من المتن أقسام الصلح الواردة.
  • 2. أستخرج من المتن متى يصح نقض الصلح.
  • 3. أستخلص من المتن حكم الصلح للظالم.

التحليل

اشتمل هذا الدرس على محاور ثلاثة:

أولا: مفهوم الصلح وحُكمه

1. مفهوم الصلح:

  • أ. لغة: قال ابن فارس: الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد. يقال صلح الشيء يصلح صلاحا. ويقال صلح بفتح اللام. وحكى ابن السكيت صلَح وصلُح. ويقال صلح صلوحا. [معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس مادة صلح 3 /303]
  • ب. اصطلاحا: عرفه ابن عرفة بقوله: «انْتِقال عن حَقٍّ أَو دَعْوى بِعِوَض لِرَفْع نِزاع أَو خَوْف وُقوعه». [المختصر الفقهي 6 /477].

2. حكمه:

قال ابن عرفة: وهو من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يعرض وجوبه عند تعيين مصلحته وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو راجحته. [المختصر الفقهي ج 6/ 478-477].
والدليل على مشروعيته ما ورد عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصُّلحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِين إِلاَّ صُلحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً والمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب في الصلح]. والإصلاح بين الناس من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات إذا قام به المسلم ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ قال الله تعالى:

النساء: 113

ثانيا: أقسام الصلح وشروطها

الصلح على ثلاثة أقسام: صلح عن إقرار أو سكوت أو إنكار. وهو بأقسامه الثلاثة إما بيع أو إجارة أو هبة باعتبار المصالح به. وقد بيّن المصنف أن هذه الثلاثة في الصلح على الإقرار بدليل ذكره السكوت والإنكار بعدُ فقال رحمه الله: «الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ أَوْ إجَارَةٌ وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةً» إذا صالح المدعى عليه المدعيَ على غير المدّعَى به فلا يخلو الحال من الوجوه الآتية:

  • أ. أن يكون الصلح بيعا للمدعَى به؛ فيشترط فيه شروط البيع من كون المدعى به والمأخوذ عوضا ظاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه، وانتفاء موانعه؛ كمن ادعى على شخص عرضا أو سيارة أو طعاما فأقر المدعىَ عليه بالمدعَى به ثم صالح المدعَى عليه المدعِيَ على دراهم مدفوعة أو على عرض أو طعام مخالف للمصالَح عنه فهو معاوضة؛ إذ هو كبيع عرض بنقد أو بعرضٍ مخالف. فإن اختل شرط من شروط البيع كمن صالح شخصا على سلعته بثوب بشرط أن لا يلبسه أو لا يبيعه، وكمن صالح على مجهولٍ، أو لأجَلٍ مجهول، أو بشيء نجس أو غير مقدور على تسليمه فإنه لا يجوز ولا يصح، وإلى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله: «الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بَيْعٌ».
  • ب. أن يكون الصلح إجارة فيشترط فيه شروطها؛ فإن كان المدعَي به معينًا جاز أن يصالحه عنه بمنافع معينةٍ: كسكنى دار أو ركوب سيارة سنة، أو مضمونةٍ في الذمة لعدم فسخ دين في دين، وإنما هو بيع معين بمنافع، وإن كان المدعى به غير معين بل مضمونًا في ذمة المدعى عليه: كدراهم أو ثوب موصوف فأقر به لم يجز أن يصالحه عنه بمنافع معينة ولا مضمونة؛ لأنه فسخ دين في دين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين؛ فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» [السنن الكبرى للبيهقي كتاب البيوع باب ما جاء فى النهى عن بيع الدين بالدين]. وإلى هذا القسم من أقسام الصلح أشار المصنف بقوله: «أَوْ إجَارَةٌ».
  • ج. أن يكون الصلح هبة؛ حيث يكون على أخذ بعض المدعى به وهبة البعض المتروك وإبراء ذمة المدين منه، وليس المراد بالهبة حقيقتها حتى يحتاج فيها للقبول من المدعى عليه قبل موت الواهب الذي هو المدعي بل المراد بها الإبراء، وحينئذ فلا يشترط قبول ولا تجدد حيازة على المعتمد. وإلى هذا القسم أشار المصنف بقوله: «وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةً».

ثالثا: ما يجوز به الصلح وما يجوز عنه وشروط ذلك

قال المصنف رحمه الله: «وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ، وَعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ أَوْ عَكْسِهِ إنْ حَلَّا وَعُجِّلَ كَمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَنْ مِائتَيْهِمَا، وَعَلَى الِافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ أَوْ السُّكُوتِ أَوْ الْإِنْكَارِ إنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ وَظَاهِرِ الْحُكْمِ» يجوز الصلح عن دَيْن بما يباع به ذلك الدَّيْن أَيْ بما تصح به المعاوضة كما إذا ادّعى شخص على آخَر عَرْضا أو حيوانا أو طعاما فيُصالحه بدراهم أو بهما أو بعرْض أو بطعام مخالِف للمصالَح عنه نقدا. وفيما يجوز به الصلح وما يجوز عنه التفصيل الآتي:

  • يجوز الصلح بالذَّهَب عن الفضة وبالعكس فمن ادَّعَى علي غيره ألف درهم -مثلا- حالَّة فأَقر بها المدعى عليه وصالح المدعيَ عليها بفضة معجلة أو بالعكس فإن ذلك جائز بشرط حلول المُصالَح به؛ بأن لا يشترط تأخيره والمصالحِ عنه وتعجيلِ المصالَح به، وعلى هذا فيشترط في المصالح به أمران: أن لا يُشترط تأخيره، وأن يعجل بالفعل، وعليه الصلح بعملة على عملة أخرى.
  • يجوز الصلحُ على الافتداء بمالٍ من حَلِفِ يَمينٍ طُلِبتْ مِن المدعَى عليه لِرَدِّ دعوَى مُجَرَّدة أو مع شاهد ولو علم براءة نفسه.
  • يجوز الصلح على السكوت كأن تدعي على شخص بشيء معيّن فيسكت ثم يصالحك بشيء عمّا يقتضيه السكوت ويترتب عليه مِن حَبسٍ وتعزير حتى يقر المدعَى عليه أو يُنكر فيعامل بمقتضى كلٍّ منهما.
  • يجوز الصلح على الإنكار باعتبار عقده وظاهر الحال، وأما في باطن الأمر فإن كان الصادق المنكِر فالمأخوذ منه حرام كما سيذكره، وإلا فحلال، ويشترط في جواز الصلح على السكوت أو الإنكار ثلاثة شروط عند مالك وهو المذهب أشار لاثنين منها بقوله: «إنْ جَازَ عَلَى دَعْوَى كُلٍّ» أي من المدعي والمدعى عليه، وإطلاق الدعوى عليه مجاز؛ إذ معناه ليس عندي ما ادعى به عليّ فهذان شرطان، ومحل كلامه إن أنكر المدعى عليه خصوص ما ادعى به وأجاب بغيره، فإن لم يجب بشيء فالشرط أن يجوز على دعوى المدعي فقط وأشار المصنف إلى الشرط الثالث بقوله: «وَظَاهِرِ الْحُكْمِ» أي الشرعي؛ بأن لا تكون هناك تهمة فساد.

من فوائد هذا الدرس حرص الإسلام على ما يحقق المودة والألفة بين المسلمين، ويزيل الشقاق بين المتخاصمين، وبذلك تصفو النفوس، وتزول الأحقاد، وتجتمع القلوب.

التقويم

  • 1. أُبينُ مفهوم الصلح.
  • 2. أوضحُ أقسام الصلح وشروط كل قسم.
  • 3. أبين أثر الصلح في معاملات الناس وتصرفاتهم.

الاستثمار

قال العلامة الزرقاني رحمه الله: «مثال المستوفي للشروط الثلاثة: أن يدعي عليه بعشرة حالة فأنكرها أو سكت فيصالحه عنها بثمانية معجلة أو بعرض حال. ومثال: ما يجوز على دعواهما ويمتنع على ظاهر الحكم فقط أن يدعي بمائة درهم حالة فيصالحه على أن يؤخره بها إلى شهر أو على خمسين يدفعها له عند حلول الشهر فالصلح صحيح على دعوى كل لأن المدعي أخر صاحبه أو أسقط عنه بعض حقه وأخره والمدعى عليه افتدى من اليمين بما التزم أداءه عند الأجل ولا يجوز على ظاهر الحكم لأنه سلف جر منفعة. ومثال: ما يمتنع على دعواهما أن يدعي عليه بدراهم وطعام من بيع فيعترف بالطعام وينكر الدراهم فيصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه أو يعترف بالدراهم ويصالحه على دنانير مؤجلة أو على دراهم أكثر من دراهمه فحكى ابن رشد الاتفاق على فساده ويفسخ لما فيه من السلف بزيادة والصرف المؤخر. ومثال: ما يمتنع على دعوى المدعي وحده أن يدعي بعشرة دنانير فينكرها ثم يصالحه على مائة درهم إلى أجل فهذا ممتنع على دعوى المدعي وحده. ومثال: ما يمتنع على دعوى المدعى عليه وحده أن يدعي بعشرة أرادب قمحًا من قرض وقال الآخر إنما لك عليّ خمسة مِن سلَم وأراد أن يصالحه على دراهم ونحوها معجلة فهذا جائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ويمتنع على دعوى المدعى عليه لأن طعام السلَم لا يجوز بيعه قبل قبضه». [شرح الزُّرقاني على مختصر خليل بحاشية البناني 6 /8 - 9 ].

أتأمل هذا النص وأستخرج منه حكمَ كلِّ مثال من أمثلة الصلح الوادرة في النص وعلة ذلك. وأقارن ما تضمنه بما هو موجود في الدرس.

الإعداد القبلي

أقرأُ متن الدرس القادم وأبحث عن الآتي:

  • 1. متى ينقض الصلح ومتى لا ينقض ؟
  • 2. متى تجوز مصالحة بعض الورثة للزوجة ومتى لا تجوز ؟
  • 3. ما حكم الصلح عن الدماء؟ وما شروطه ؟

Plus de : الفقه

Tout afficher

Explorer d'autres rubriques— الفقه

الفقه الإبتدائي الخامس 35

Parcourir la rubrique الفقه الإبتدائي الخامس

الفقه الثانوي الأول 33

Parcourir la rubrique الفقه الثانوي الأول

الفقه الابتدائي الرابع 31

Parcourir la rubrique الفقه الابتدائي الرابع

الفقه الإعدادي الثاني 31

Parcourir la rubrique الفقه الإعدادي الثاني