
السيرة النبوية: قريش تفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم، درس في السيرة النبوية للسنة الأولى من التعليم الإعـدادي العـتــيـق الدرس 17
أهداف الدرس
- أن أتعرف ظروف مفاوضة قريش للرسول صلى الله عليه وسلم.
- أن أدرك أهداف قريش من مفاوضة الرسول صلى الله عليه وسلم.
- أن أتمثل ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم في الدفاع عن الحق.
تمهيد
بعد فشل قريش في مواجهة سياسة البطش والتنكيل، قررت تغيير أسلوبها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لعلها تقنعه بالتراجع عن الدعوة لدين الهدى والحق، فتنال باللين ما لم تصل إليه بالشدة والقوة، لذا قررت الانتقال إلى أسلوب المفاوضة والترغيب.
فلمن فوضت أمر هذه المهمة؟ وكيف جرت أطوار هذه المفاوضات؟ وما هي العبر التي نستخلصها من هذه الأحداث؟
النص
«فَقَام عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَىَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَاابْنَ أَخِي، إِنْ كُنْتَ تُريدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الأَمْرِ مَالاً جَمَعْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالاً، وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَينَا حَتَّى لاَ نَقْطَعَ أَمْراً دُونَكَ، وَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ
مُلْكاً مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْياً تَرَاهُ لاَ تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبَرِّئَكَ مِنْهُ. حَتَّى إِذَا فَرَغَ عُتْبَةُ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَاسْمَعْ مِنِّى، قَالَ : أَفْعَلُ، فَقَالَ:

فَصَلْتِ:1 - 5
[الرحيق المختوم للمباركفوري ص:94 - 95].
الفهم
الشرح
| سادَ قومَه يَسودُهُمْ سِيادَةً فهو سَيِّدُهم. أي زعيمهم وقائدهم يأتمرون بأمره، والمقصود هنا أن يجعلوا الرسول صلى الله عليه وسلم زعيما لقريش | : | سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا |
| الأكنة جمع كِنٍّ وهو ما يحفظ فيه الشيء، أي: في أغطية وأغشية | : | فِــي أَكــــنَّــــــةٍ |
| الوقر هو الثقل، أي: لا نسمع ما تدعونا إليه استثقالا لما يدعو إليه وكراهة له | وَقَــــــــــــــــرٌ |
استخلاص المضامين
- أسردُ أهم ما عرضه عتبة على الرسول صلى الله عليه وسلم.
- أبين كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أساليب قريش لثنيه عن الدين.
التحليل
أولا: عتبة يفاوض رسول صلى الله عليه وسلم
لم يزد إيذاء قريش الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلا ثباتا على دينهم وإصرارا على إظهار الدعوة ونصرة الحق. فاحتار المشركون وانقطعت حيلتهم في إيقاف نجاح الدعوة الإسلامية، وبدأت الشكوك تساورهم، خاصة بعد إسلام حمزة رضي الله عنه؛ لذا قبلوا بسرعة اقتراح أحد قادتهم - وهو عتبة بن ربيعة - مفاوضةَ النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال لهم: «ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيَّها شاء، ويكُفَّ عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون؛ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه» [ سيرة ابن هشام ج1 ص :293 - 294].
ذهب عتبة بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس يحاوره، وكان ذَكيًّا لَبِقًا في الحوار، ينتقي كلماته، فبدأ كلامه بأن رفع من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنادئه ياابن أخي، معترفا بما هو عليه صلى الله عليه وسلم من رفعة المنزلة والمكانة وشرف النسب؛ ثم انتقل بعد المدح والثناء بمكر ودهاء لمعاتبة النبي صلى الله عليه وسلم على تفريق قريش، وتسفيه أحلامها، وتحقير آلهتها. ثم ختم كلامه بمحاولة إغراء رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يجد منفذا يُخَلِّص به قريشا، فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال والحكم والسيادة، والعلاج إن كان به مس. لكن رد النبي صلى الله عليه وسلم كان حاسما حكيما ومقنعا؛ وذلك بأن قرأ على عتبة آيات من بداية سورة فُصِّلت، فلم يتمالك عتبة نفسه من قوة ما سمع من الحق وأخذه الرعب والفزع، فقام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووضع يده على فمه، وجعل يناشده بالله والرحم أن يتوقف.
عاد عتبة إلى قومه منهزما مذهولا، ودعاهم أن يتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم وشأنه، وقال: «سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يامعشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله ياأبا الوليد بلسانه، قال : هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم».[الرحيق المختوم للمباركفوري ص:95].
وهكذا فشلت كل محاولات قريش في منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مواصلة الدعوة إلى الله.
ثانيا: قريش تحاول تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم
انتقلت قريش بعد فشل عتبـة فـي إقناع الرسول صلى الله عليه وسلم بالمساومة إلى أسلوب السخريـة والتحــدي والتعجـيـز، قــال تعالى :

الإسراء 90 - 93
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا». [سيرة ابن هشام ج1ص:294 - 297].
ثالثا: أهتدي وأقتدي
نستنتج من فشل مفاوضة قريش الرسول صلى الله عليه وسلم ثباته على الحق، ومحبته لربه عزوجل، فقد حاول المشركون إغراءه بالمال والسيادة والجاه، لكنه رفض تلك المغريات. وفي ذلك دليل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، فهو لا يتصرف من تلقاء نفسه بل بأمر ربه، مستمسكا بالعروة الوثقى، مقدما لأمته القدوة في الثبات على الحق، والوفاء بعهد الله، والإيثار لمرضاته تعالى، والحرص الشديد على تبليغ الخير للناس.
التقويم
- أذكر أهم مراحل التفاوض بين قريش والرسول صلى الله عليه وسلم.
- أستخلص دوافع قريش للتفاوض.
- ما العبر والدلالات التي تستخلص من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم بعد التفاوض.
الاستثمار
«لَقَدْ سَخَّرَ اللهُ ... عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وأَمْثَالَهُ لِحَمْلِ هَذِهِ الدَّوَافِعِ وَالْآمَالِ وَوَضْعِهَا بَيْنَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِيَنَالَهَا قَرِيبَةً سَائِغَةً، وَلِيُبْصِرَ قُرَيْشاً كُلَّهَا وَقَدْ دَانَتْ لَهُ، وَأَلْقَتْ مِنْ يَدِهَا مَا رَفَعَتْهُ مِنَ السِّلاَحِ وَوَسَائِلِ التَّعْذِيبِ فِي وَجْهِهِ وَوَجْهِ أَصْحَابِهِ،... لَمْ يَلِنِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لَهُمْ وَلَمْ يَتَحَوَّلْ إِلَى هَذِهِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إِلَيْهِ، ... فَقَدْ كَانَ مِنَ المُتَصَوَّرِ فِي بَابِ الْحِكْمَةِ والسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ بِالزَّعَامَةِ والْمُلْكِ... وَسِيلَةً إِلَى تَحْقِيقِ دَعْوَةِ الْإِسْلاَمِ فِيمَا بَعْدُ، ... وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرْضَ مِثْلَ هَذِهِ السِّيَاسَةِ وَالوَسِيلَةِ... إِنَّ فَلْسَفَةَ هَذَا الدِّينِ تَقُومُ عَلَى عِمَادِ الشَّرَفِ والصِّدْقِ فِي كُلٍّ مِنَ الْوَسِيلَةِ وَالْغَايَةِ» [فقه السيرة للبوطي ص: 90/ 92 بتصرف].
- أستخرج من النص ما يبين تراجع قوة قريش من خلال تفاوضها مع النبي صلى الله عليه وسلم.
- أستنتج من النص القيم الإسلامية الثابتة في كل الظروف والأحوال.
الإعداد القبلي
أقرأ في كتب السيرة ما يتعلق بمقاطعة قريش للمسلمين ولبني هاشم.