
السيرة النبوية: صبر المؤمنين على الابتلاء، درس في السيرة النبوية للسنة الأولى من التعليم الإعـدادي العـتــيـق الدرس 13
أهداف الدرس
- أن أقف على بعض صور الأذى الذي تحمله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
- أن أدرك الصعوبات التي اعترضت الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الدعوة.
- أن أقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الصبر والتحمل.
تمهيد
ما إن جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته حتى تحرك بطش قريش لمواجهتها بصنوف الأذى والتنكيل، واختلفت أساليب المشركين في إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم لرده وأصحابه عن دينهم. فما هي صور أذى قريش للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين؟ وكيف تحمل الصحابة الكرام هذا الأذى؟ وما هي أهم العبر التي نستخلصها من هذه الأحداث؟
النص
«عَمَّارُ بْنُ ياسرٍ... أَسْلَمَ وأَبُوهُ وأُمُّهُ، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُخْرِجُونَهُمْ إِلَى الأَبْطَحِ إِذَا حَمِيَتِ الرَّمْضَاءُ فَيُعَذِّبُونَهُمْ بِحَرِّهَا، وَمَرَّ بِهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ: «صَبْراً آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ». فَمَاتَ يَاسِرٌ فِي الْعَذَابِ، ...وشَدَّدُوا الْعَذَابَ عَلَى
عَمَّارٍ بِالْحَرِّ تَارَةً، وَبِوَضْعِ الصَّخْرِ عَلَى صَدْرِهِ أُخْرَى، وَبِالتَّغْرِيقِ أُخْرَى، وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى تَسُبَّ مُحَمَّداً أَوْ تَقُولَ فِي اللاَّتِ والعُزّى خَيْرًا».
[فقه السيرة لمحمد الغزالي ص: 107 - 108]
الفهم
الشرح
| شدة الحر، والأرض والحجارة التي حميت من شدة وقع الشمس | : | الرَّمْضَاءُ |
| المكان المتسع يمر به السيل فيترك فيه الرمل والحصى، والمقصود هنا جزء من وادي مكة | : | الأَبْطَحُ |
استخلاص المضامين
- أحدد ردة فعل كفار قريش عند جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة.
- أرصد مظاهر تحمل الصحابة لأذى قريش.
- أستخلص أهم العبر من هذه المرحلة من الدعوة ومن صبر الصحابة رضي الله عنهم.
التحليل
أولا: قريش تؤذي رسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين
عندما جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة وصدع بالحق، تحولت نظرة قريش إليه وموقفها منه، فبعد أن كانت تصفه بالأمين والصادق، أصبحت تصفه بأبشع الأوصاف، فقالت عنه: إنه شاعر وساحر وكاهن ومجنون، وأصبح عرضا للسخرية والتشكيك في سلامة عقله، وقدرته على حمل هذه الرسالة العظيمة. ولكنهم لما رأوا أن هذه الأساليب لم تجدهم نفعا في صد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه من المسلمين عن دينهم، اجتمعوا مرة أخرى فاستقر رأيهم على مضاعفة الجهد في حرب الإسلام، وإيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعذيب المسلمين وفتنتهم عن دينهم ...، وكان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة لامه وأخزاه، وتوعده بالخسارة الفادحة في المال والجاه، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به [الرحيق المختوم للمباركفوري ص:78 بتصرف].
وقد تنوعت أساليب مشركي قريش في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويمكن تلخيصها في ما يأتي:
- محاولة التأثير على عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب ليتخلى عن حمايته ولا يحول بينهم وبينه، فقد ذهبت مجموعة من أشراف قريش إلى أبي طالب، وقالوا له: «...فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه»، فقال لهم أبو طالب قولاً لينا، وردهم رداً جميلاً». [ نور اليقين ص: 34].
- التهديد بمواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب، وذلك بعد أن اشتد غضب قريش من عزيمته صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالة ربه، وإصرار عمه أبي طالب على حمايته. فعزمت قريش عندها على أن تنازله وعمه، فعظم ذلك على أبي طالب، إلا أن نفسه لم تطاوعه أن يخذل النبي صلى الله عليه وسلم، فحاول إقناعه ملتمسا منه ألا يحمله من الأمر ما لا يطيق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أبلغه أن هذا أمر إلهي لا رجعة فيه.
- إلصاق الاتهامات الباطلة به صلى الله عليه وسلم لصرف الناس عنه، خاصة في أيام مواسم الحج، قصد التأثير على من يبدي اهتماما بشأنه صلى الله عليه وسلم. فاتهموه بالجنون والسحر والكذب والافتراء واختلاق القرآن.
- السخرية والاستهزاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وتحقير من معه من المسلمين، ومضايقتهم في عبادتهم، واللغو ورفع الأصوات عند قراءتهم القرآن للتشويش عليهم.
- العدوان على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والتعذيب.
ثانيا: نماذج لمسلمين صبروا وتحملوا إيذاء قريش
تحمل المسلمون في بداية الدعوة النبوية أصنافا من العذاب، وصب المشركون بطشهم على الفقراء والمستضعفين، فعذبوهم ونكلوا بهم، لكنهم لم يجدوا منهم إلا الصبر والتحمل والثبات على دينهم، أسوة بإمام الصابرين صلى الله عليه وسلم، وتصديقا بما يبشرهم به من الأجر والنصر. روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يارسول الله ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه». [صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة].
ومن صور هذا الأذى ما رواه ابن إسحاق عن سعيد بن جبير قال: «قلتُ لعبد الله بن عباس: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللهِ، إنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطِّشُونَهُ حَتَّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِه». [ سيرة ابن هشام ص:321]
ومن هؤلاء المستضعفين الذين عذبوا على الإسلام خباب بن الأرت رضي الله عنه، يقول الشعبي: «سأل عمر بن الخطاب خبابًا رضي الله عنهما عما لقي من المشركين، فقال: ياأمير المؤمنين، انظر إِلَى ظهري. فنظر، فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل، قال خباب: لقد أوقدت نار وسُحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري». [حلية الأولياء لأبي نعيم ج1 ص:144].
ومن أبرز من أوذي على الإسلام آل ياسر وبلال بن رباح رضوان الله عليهم جميعا.
فأما آل ياسر، فكانوا من المستضعفين السابقين إلى الإسلام، ولم يكن لهم من يمنعهم أو يحميهم من بطش قريش وتجبرها. أسلم ياسر رضي الله عنه في دار الأرقم ابن أبي الأرقم، ثم أسلمت زوجته سمية وابنهما عمار وأخوه عبد الله بن ياسر؛ فغضب منهم مواليهم من بني مخزوم بقيادة أبي جهل، وصبوا عليهم جام غضبهم، فكانوا يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه في شدة حرارة الشمس إلى رمضاء مكة حتى مات ياسر من فرط العذاب. وأغلظت زوجته سمية القول لأبي جهل فقتلها طعنا، فكانت أول شهيدة في الإسلام. وبقي عمار يتحمل تعذيب قريش، يضعون الصخر العظيم على صدره، ويغطسونه في الماء حتى يفقد وعيه، ويطلبون منه أن يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر آلهتهم بخير. وعندما اشتد عليه العذاب وافقهم على ذلك بلسانه مُكْرَهاً، فأنزل الله تعالى:
النحل:106
وأما بلال بن رباح، فكان عبدا لأمية بن خلف، فعذبه على الإسلام أشد العذاب، إذ كان أمية يخرجه في وقت الحر من الظهيرة، حيث تلتهب رمال مكة وأحجارها، وينزع ثيابه عنه ويلبسه درعا من حديد، ويعرضه لأشعة الشمس الحارقة، ثم يضربه بالسياط ليسب النبي صلى الله عليه وسلم أو يكفر بدينه. فكان رضي الله عنه لا ينطق بشيء إلا «أَحَدٌ أحَدٌ». وأحيانا كان أمية بن خلف يطوق عنق بلال بحبل غليظ، ويعطيه للسفهاء والولدان، ويأمرهم بأن يطوفوا به في شعاب مكة، ويَجُرُّوه في أباطحها.
ثالثا : أهتدي وأقتدي
صفات المؤمنين التي يجب أن أتحلى بها في حياتي عند التعرض للأذى ومواجهة الصعاب:

الـتـقـويـم
- أتعرف أهم أسباب إيذاء المؤمنين.
- أذكر بعض صور الأذى التي لحقت الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
- أستخلص قيمتين ميزت الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة أثناء ممارسة الدعوة.
الاستثـمـار
قَالَ مَكِّيُّ بن أبي طالب القيسي متحدثا عن مواساة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: «سَلَّاهُ بِمَا ذَكَرَ، وَهَوَّنَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ مَنْ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ يَحُلُّ بِهِ مَا حَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُ، وَمِثْلُ هَذِهِ التَّسْلِيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:

فاطر:4
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:

الذاريات:52
. عَزَّاهُ اللهُ تَعَالَى بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمَقَالَتِهَا لأَنْبِيَائِهِمْ قَبْلَهُ وَمِحْنَتِهِمْ بِهِمْ، وَسلَّاهُ بِذَلِكَ عَنْ مِحْنَتِهِ بِمِثْلِهِ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ مَنْ لَقِيَ ذَلِكَ، ثُمَّ طَيَّبَ نَفْسَهُ وَأَبَانَ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

الذاريات:54
أَيْ: فِي أَدَاءِ مَا بَلَّغْتَ وَإِبْلاغِ مَا حُمِّلْتَ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

الطور:46
أَيِ: اِصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ فَإِنَّكَ بِحَيْثُ نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ». [الشفا للقاضي عياض ج 2 ص:42 - 43]
- أستخرج من النص مظاهر تثبيت الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
- أستخلص الحكمة الربانية من ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
الإعـداد القـبلي
أقرأ في كتب السيرة ما يتعلق بهجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة.