اقترن الدين بالعلم والتعليم، لأن الله سبحانه لا يعبد بالجهل، لذلك أسس الناس كتاتيب القرآن الكريم في كل مسجد، وكان معلم الكتاب القرآني يدعم أو يصحح ما يتلقاه كل واحد من أهل جماعة مسجده في موضوع العبادات الأساسية على سبيل التقليد . لكن هذه الثقافة تتعزز انطلاقا من مدارس تعلم الضروري من علوم الدين، قامت إما بجانب الكتاتيب القرآنية أو بجانب بعض زوايا التصوف.
على أن العلوم الشرعية في مستوى أعلى من مستوى المبادئ الضرورية. كانت تقوم بتعليمها مدارس مشهورة في بعض جوامع المدن، أو في رباطات ومدارس أسستها القبائل في جنوبي المغرب وشماليه ووسطه، كما أنشأ الملوك، من الدول المتعاقبة في تاريخ المغرب. مدارس في عدد من المدن.
كان التعليم في مستواه العالي داخل الجوامع وفي مدارس المدن والرباطات والزوايا يخرج متخصصين في العلوم الشرعية لمختلف المناصب، وكان منهم، بالإضافة إلى المدرسين والخطباء والقضاة والمفتين والمحتسبين والفلكيين، أدباء ومهندسون ونظارون.
ضاقت آفاق هذا التعليم في القرون الأخيرة دون أن تقصر عن تخريج من تقوم بهم خطط الدين الأساسية، وقد تدخل أمراء المؤمنين في إصلاح برامجه. كما وقع في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وكان في طور الإصلاح في نصف القرن السابق لعهد الاستعمار.
لكن إحداث المدرسة العمومية في عهد الاستعمار جعل هذا التعليم المنحدر من التاريخ مهددا بالزوال، لولا أن الإنفاق عليه كان مستمرا، إما من الأحباس بإشراف إمارة المؤمنين أو من أعشار القبائل.
وبعد استعادة المغرب استقلاله السياسي ، استمر الوضع الذي خلقه عهد الاستعمار في ما يتعلق ببرامج المدرسة العمومية المتشوفة إلى التعليم الإجباري في سن الطفولة، بينما ظل قائما عدد من المدارس السابقة التي لا يلجها إلا من حفظ القرآن، في سن المراهقة أو الشباب، وهم إما ممن لم يدخلوا المدرسة العمومية لسبب موضوعي، كالبعد ، وإما بسبب الفشل في المدرسة العمومية، وإما عن اختيار الأهل الذين يفضلون لأبنائهم ذلك التعليم، تأثرا بالبيئة أو بالإرث العائلي أو بغير ذلك من الدوافع .
غير أن أعوام السبعين من القرن العشرين عرفت قيام أشخاص، أفرادا أو جمعيات، بتأسيس مدارس جديدة للتعليم الديني وحفظ القرآن فقط أو حفظ القرآن وتدريس المتون الأساسية أو تدريس مستوى أعلى في العلوم الدينية. وكانت الدوافع متنوعة، إما رغبة في إحياء مدارس من هذا النوع اندثرت في بيئة المؤسسين، وإما بسبب الخوف من انقراض المؤهلين للقيام بالخطط الدينية. ولاسيما في المستوى الأدنى، الإمامة وما يشابهها، وإما كرد فعل أو احتجاج ضمني على نقص برامج المدرسة العمومية، حسب التصور المذكور، عن التأهيل للخطط الشرعية، ولاسيما تلك التي تتطلب الحفظ الكامل للقران وحفظ المتون الدينية واللغوية على الطريقة التقليدية.
غير أن بعض المدارس المستحدثة على النمط القديم، لم يكن على نفس درجة المراعاة للمقومات الدينية التي بثتها المدرسة الدينية العتيقة ; إما لأن مؤسسيها تأثروا بمذاهب لم يعرفها المغرب من قبل، وإما لأن مواردهم التي لم تكن لا من الأوقاف ولا من رفد أعشار القبائل وزكواتها، تأتت لهم باللجوء إلى مصادر أجنبية.
وعلى أساس هذا التطور جاءت عناية أميرالمؤمنين بهذا التعليم للاعتبارات الستة الآتية:
- . الإقرار بدوره التاريخي في بناء هوية المغرب الدينية الموحدة ;
- . صيانته من استعماله لغير الأهداف التي من أجلها يقبل عليه عدد من المغاربة ;
- الحاجة إلى هذا النوع من التعليم في دعم الوظائف الدينية;
- . ضرورة دعم رسمي لهذا التعليم، إلى جانب الأوقاف والتطوع الجماعي، مع ضرورة معرفة مصادر الدعم ;
- . ضرورة إتاحة الفرصة لطلبة هذا التعليم لتلقي علوم ضرورية لفهم الدين تجعلهم مؤهلين للتواصل مع جمهورهم عامة، وجمهورهم المتخرج من التعليم العمومي خاصة ;
- . تأهيلهم للحصول على شهادات معترف بها تفتح آفاقهم واسعة في التوظيف.
من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 2009