شكلت المدارس العلمية باشتوكة آيت باها ذاكرة حية وشاهدا تاريخيا، وما زالت مجموعة من المحطات والتجارب التي صنعها وعاشها عدد من العلماء والشيوخ الذين سطع نجم بعضهم و تجاوزت شهرته مجال مدرسته الضيق، لتنتقل إلى آفاق جهوية ووطنية. وقد قامت هذه المؤسسات التعليمية الأصلية بوظيفتين مركزيتين الأولى تربوية تعليمية، والثانية اجتماعية وطنية.
وتتجسد الوظيفة الأولى في الدور الذي لعبته المدارس العلمية العتيقة في الحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتأصيل القيم الأخلاقية النبيلة، بالإضافة إلى الحفاظ على الوحدة المذهبية للأمة والمتمثلة في المذهب المالكي، ومساهمتها الأصلية في نشر اللغة العربية من خلال إحياء علومها، والاهتمام بتدريس فنونها، وتعليم آدابها.
أما الوظيفة الثانية فتتجسد في البعد الوطني والاجتماعي لهذه المؤسسة التي نشأت وترعرعت بفضل رعاية الأفراد والجماعات لها في كثير من المناطق، وبمساهمة القبائل والتجمعات السكنية في بنائها والقيام على شؤون شيوخها، والنهوض بحاجيات طلبتها، نظرا لما جبل عليه أهل المنطقة من حب العلم والعلماء.
وقد شكلت هذه المؤسسات عاملا مساهما في التوحيد ورص الصفوف ونصرة القضايا الوطنية المصيرية، وقد عرف عن كثير من شيوخ هذه المدارس مواقف وطنية مشرفة، خصوصا إبان الغزو الاستعماري من خلال رفض الاحتلال والدعوة إلى مقاومته بشتى الوسائل.
هذا بالإضافة إلى اعتبارها عنصرا ساعد بشكل كبير في إشاعة ثقافة التضامن والتسامح والاعتدال، وإشاعة ثقافة الوسطية، داخل مجتمع ينعم الاستقرار.
والواضح أن هذه المؤسسات العلمية أصبحت اليوم في حاجة إلى التطوير والتأهيل حتى تستمر في أداء مهمتها وفق ما تقتضيه ضرورات المرحلة وتبدأ عملية التأهيل من خلال عصرنة مناهج التدريس أو أساليب التكوين بها، حتى تكون مؤهلة للانخراط في التحولات العلمية والمعرفية المتسارعة التي نعيشها اليوم، بالإضافة إلى فتح آفاق الشغل لطلبتها وخريجيها بعد تكوينهم بشكل يستجيب وحاجيات سوق العمل.