ما يجوز فيه السلم وما لا يجوز فيه: كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي

 ma yajouzou fihi assalm wa ma la yajouzou fihi

درس ما يجوز فيه السلم وما لا يجوز فيه، كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، مادة الفقه للسنة الثانية من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 17)

أهداف الدرس:

  1. تعرُّفُ ما يجوز فيه السلم وما لا يجوز فيه.
  2. إدراكُ حكم الشراء من دائم العمل ومن غير دائم العمل.
  3. تعرُّفُ أحكام الاستصناع
  4. التمييز بين الصور التي يفسد فيها السلمُ والتي لا يفسد فيها.

تمهيد:

لما انتهى الحديث عن شروط السلم وضوابط صحته، كان الأنسب أن يتبع ذلك بالحديث عن أمثلة من السلع التي يجوز فيها السلم إذا استكملت الشروط السابقة فيها، والسلع التي لا يجوز فيها السلم إذا اختل من الشروط فيها شيء، وأن يتبع أيضا ببيان بعض ما يُفسد السلم، وما لا يفسده حتى يرتفع اللبس، ويزول الإشكال، وتستبين الحقائق، وتتبيّن الأحكام.
فما السلع التي يجوز فيها السلم والتي لا يجوز فيها؟ وما أحكام الاستصناع؟

المتن:

قال الشيخ خليل رحمه الله:" وَيَجُوزُ فِيمَا طُبِخَ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْجِصِّ وَالزِّرْنِيخِ، وَأَحْمَالِ الْحَطَبِ، وَالْأَدَمِ، وَصُوفٍ بِالْوَزْنِ لَا بِالْجِزَزِ، وَالسُّيُوفِ، وَتَوْرٍ لِيُكَمَّلَ. وَالشِّرَاءُ مِنْ دَائِمِ الْعَمَلِ: كَالْخَبَّازِ، وَهُوَ بَيْعٌ وَإِنْ لَمْ يَدُمْ فَهُوَ سَلَمٌ: كَاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ أَوْ سَرْجٍ. وَفَسَدَ بِتَعْيِينِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ أَوْ الْعَامِلِ، وَإِنْ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ وَاسْتَأْجَرَهُ جَازَ، إنْ شَرَعَ عَيَّنَ عَامِلَهُ أَمْ لَا".

الفهــم:

الشـرح:

اللؤلؤ: اسْم جمْع واحِده لُؤلؤة وجمعه لآلِئ.
العنبر: ثمر شجر ينبت في قاع البحر.
الجص: بكسر الجيم وبالصاد المهملة: حجر يُحرق ويُطحن.
الزرنيخ: بكسر الزاي مَعْدِنٌ من المعادن.
الأَدم: بفتح الهمز والدال: الجِلد المدبوغ والمراد به هنا ما يَشمل غيرَه.
الجِزز: جزّ الشّعَر جَزّاً قطعه، والجِزّة، بالكسرِ: ما جُزَّ منه، أو هي صوف نعجة جُزّ، جمعها: جِزَز وجزائز.
تور: إناء مفتوح يُشبه الطَّست مِنْ نحو نُحاس.

استخلاص المضامين:

  1. أَستخرجُ من المتن ما يجوز فيه السلم وما لا يجوز فيه.
  2. أستخرج من المتن أحكام الاستصناع.
  3. أوضحُ انطلاقا من المتن متى يفسد السلم ومتى لا يفسد.

التحليـل:

اشتمل هذا الدرس على المحاور الآتية:

أولا: السلع التي يجوز فيها السلم

قال المصنف:" وَيَجُوزُ فِيمَا طُبِخَ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْجِصِّ وَالزِّرْنِيخِ، وَأَحْمَالِ الْحَطَبِ، وَالْأَدَمِ، وَصُوفٍ بِالْوَزْنِ، لَا بِالْجِزَزِ، وَالسُّيُوفِ" مما يجوز فيه السلم من السلع الآتي:

المطبوخ من الأطعمة

قال المصنف:" وَيَجُوزُ فِيمَا طُبِخَ" يجوز السلَمُ فيما طبخ من الأطعمة، سواء أكان لحما، أو غيره إن بُيِّنت صفته وحُصِرت، وسواء أكان مطبوخا بالفِعل حالَ العقد كالمُرَبَّات التي لا تفسد بالتأخير، أو كان سيطبخ في المستقبل، كقول المسلم للمسلم إليه: خذ هذه الدراهم سلما على خَروف مُحمَّر آخذه منك في شهر كذا، ومن هذا التعامل مع ممون الحفلات، فمعاملته من السلم يجب أن تستوفي شروطه.

اللآلئ والجواهر

قال المصنف:" وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالْجَوَاهِرِ " يجوز السلم أيضا في الآلئ والجواهر؛ للقُدرة على حصر صفتها بذكر جنسها وعددها، ووزن كُل حَبَّة، وبيان صفتها، ويجوز في العنبر، كأن يقول: أُسلِمك هذه الدراهم في عَنبر تخرجه من البحر شهرَ كذا، إلا أن يندُر وجودها لكونها كبيرة كبرا خارجا عن المعتاد فلا يصح السلم فيها، ويلحق بها غيرها مما في معناها.

المعادن

قال المصنف:" وَالزُّجَاجِ، وَالْجِصِّ، وَالزِّرْنِيخِ " يجوز السلم في الزجاج، والجص، والزرنيخ، وهذه كلها معادن نافعة يحتاج إليها الناس للزينة ونحوها، وربما لا يجدونها عند أربابها في الحال فيتحاج الأمر إلى أن ينتظروها فيما سيتقبل من الزمان.

الحطب

قال المصنف:" وَأَحْمَالِ الْحَطَبِ" يجوز السلم في أَحْمال الحطَب، ويقاس بما يمكن القياس به كالحبال وغيرها من وسائل القياس: كملء هذا الحبل وتجعل وسيلة القياس عند أمين، وأولى إذا وزن كأن تقول: خذ هذا الألف درهم سلما على أربعة أحمال من الحطب، كل حمل قنطاران أو كل حمل ملء هذا الحبل، ويوصف الحطب وصفا شافيا ككونه حطب صفصاف، أو لَرْزٍ، أو قسطل ونحو ذلك. قال ابن القاسم: يسلم في الحطب وزنًا وأحمالا، وقال الباجي: وعندي أنه يعمل في كل بلد بعُرفهم فيه.

السلم في الجلود والأصواف

قال المصنف:" وَالْأَدَمِ، وَصُوفٍ بِالْوَزْنِ، لَا بِالْجِزَزِ" يجوز السلم في جلود البقر، والغنم، والإبل، ونحوها إذا شرط شيئا معلوما، وفي صُوف مضبوط بالوزن؛ كقنطار، لا بالجزز - جمع جزة بكسر الجيم في الجمع والمفرد - أي العددِ، كقولك: خذ هذه المائة درهم سلما في أربع جِزز من الصوف فيمنع؛ لعدم انضباطها؛ لاختلافها بالكِبر، والصِّغر، والغزارة، والخفّة، ويجوز شراؤه على غير وجه السلم وهو على ظهر الغنم بالجزز تحريًا واجتهادا، وبالوزن مع رؤية الغنم، كما في المدونة، بشرط الشروع في الجزّ، وأن لا يتأخر الجزّ أكثر من نصف شهر، وأما شراؤه مجزوزا فيجوز جززا، وبالوزن من غير شرط.

العروض

 قال المصنف:" وَالسُّيُوفِ " ويجوز السلم أيضا في نَصل سُيوف، وسكاكين، وفي العُروض كلها إذا وصفت وضُمنت في الذمة، وأجِّلت بأجل معلوم، وعجل رأس مالها حقيقة أو حُكما.

السلم فيما هو في طور الصنعة

قال المصنف:" وَتَوْرٍ لِيُكَمَّلَ " مما يحتمل السلم مجازا أن تشتري تَوْرا أو بابا أو نافذة أو نحوها مما هو في طور الصنعة ليُكمَّل على صفة خاصة، وصورة ذلك: أن يجد شخص نَحّاسا يصنع طشتا أو حُلة أو أو إبريقا أو غير ذلك فيقول للصانع: كمّله لي على صفة كذا بمائة درهم، فيجوز إن شرَع في تكميله بالفعل، أو بعد أيام قلائل كخمسة عشر يوما فأقل، وإلا منع؛ لما فيه من بيع معيّن يتأخر قبضه.
وإطلاق السلم على هذا الشراء مجاز، وإنما هو بيع معين، ويضمنه مشتريه بالعقد، إذا لم يكن فيه حقُّ توفية، وإنما يضمنه بائعه ضمانَ الصُّنّاع أي فإن كان التلف منه أو ادّعى هلاكه ولم تقم بينة بذلك والحال أنه ممّا يغاب عليه ضمنه، وإلاّ فلا ضمان عليه.

ثانيا: أحكام الاستصناع

تعريفه

  • لغة: السين والتاء للطلب؛ فالاستصناع طلب الصنعة، كما أن الاستغفار طلب المغفرة، والاستمهال طلب المهلة، فكل من طلب من آخر أن يصنع له شيئا فذلك استصناع لغوي.
  • اصطلاحا: طلب صنع شيء ما؛ بأن يقول إنسان لصانِعٍ: اصنع لي كذا- بابا مثلا- ويذكر جنسه وصفاته، مقابلَ كذا وكذا من المال أُعطيك إياه الآن، أو بعد التسليم، أو عند أجلٍ معين، فيقبل الصانع ذلك، والمَوادُّ مِن عنده.

أركانه

  • المستصنِع: طالب الصنعة: وقد يسمى: الآمِر؛ لأنه أَمَر بالصنع.
  • المستصَنع إليه أو الصانع، سواء أكان ممن يتولى الصناعة بنفسه، أو يتولاها عماله في مصنعه.
  • الشيء المصنوع : المستصنع فيه، وتكون مواده من عند الصانع.

شروطه

للاسْتِصْنَاع شُرُوط هي:

  • أَنْ يكون المُسْتَصْنَعُ فيه معلوما، وذلك ببيان الجنس والنوع وَالْقَدْرِ.
  • أَن يكون المستصنع فيه مما يَجْرِي فِيهِ التعامل بين الناس؛ لأِنَّ مَا لاَ تَعَامُل فِيهِ يُرْجَعُ فيه لِلْقِيَاسِ فَيُحْمَل على السَّلَمِ وَيأخذ أَحكامه.
  • أن تكون مواد الصنع من الصانع لا من المستصنِع، فإذا كانت من المستصنع فإن العقد يكون إجارة لا استصناعا.
  • أن يكون ثمن الصنعة معلوما ومحددا.
  • اختلف في اشتراط عدم ضَرْبِ الأْجَل؛ فمن الفقهاء مَنْ يَرَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِالاِسْتِصْنَاعِ خُلُوُّهُ مِنَ الأْجَل، فَإِذَا ذُكِرَ الأجَل فِي الاِسْتِصْنَاعِ صَارَ سَلَمًا، وَتُعْتَبَرُ فِيهِ شروط السَّلَمِ.

مشروعيته

الأصل في الاستصناع الحظر؛ لأن المعقود عليه غير موجود فهو مخالف للقواعد العامة التى تقضى بوجود المعقود عليه وقت العقد، لكن لما جرى العرف بذلك كان جريان العرف سببا من الأسباب المبيحة لذلك المحظور، وهو عند جمهور الفقهاء قسم من أقسام السلم، ويشترط فيه ما يشترط في السلم، ودليل مشروعيته الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى:

alkahf al aya 90 1

سـورة الكهف 90

قال ابن عباس: خَرْجاً أي أجرا عظيما، وجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى ذكر أنهم طلبوا من ذي القرنين أن يصنع لهم السد مقابل مال يخرجونه له من أموالهم، وهذا هو الاستصناع بعينه، ومن السنة ما رواه البخاري عن نافع أَن عبد اللهِ حدثه أَن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ:" اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَقِيَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لاَ أَلْبَسُهُ فَنَبَذَهُ، فَنَبَذَ النَّاسُ قَالَ جُوَيْرِيَةُ: وَلاَ أَحْسِبُهُ إِلَّا قَالَ: فِي يَدِهِ اليُمْنَى". [ صحيح البخاري كتاب اللباس باب: مَنْ جَعَلَ فَصَّ الخَاتَمِ فِي بَطْنِ كَفِّهِ ] وحديث صُنْعِ المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه:" أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فُلاَنَةَ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَاداً أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا" [ صحيح البخاري كتاب الجمعة باب: الخُطبة عَلَى المِنْبَر]

حِكمة مَشروعيته

شرع الاِسْتِصْنَاعُ لِسَدِّ حاجات الناس وَمُتَطَلَّبَاتِهِمْ؛ نظرا لتطوُّر الصِّناعات تطورا كبيرا، فالصانع يحصل له الاِرْتِفَاقُ ببيع ما يَبْتَكِرُ من صناعة وَفْقَ الشروط التي اشترطها الْمُسْتَصْنِعُ، وَالْمُسْتَصْنِعُ يحصل له الاِرْتِفَاقُ بسد حَاجِيَّاتِهِ وَفْقَ ما يراه مناسبا لنفسه وبدنه وماله، أَمَّا الموجود في السّوق من الْمَصْنُوعَاتِ السَّابِقَةِ الصُّنْعِ فقد لا تَسُدُّ حاجات الإنسان، فلا بد من الذهاب إِلى مَنْ لَدَيْهِ الْخِبْرَةُ وَالاِبْتِكَارُ.

من صور الاستصناع

قال المصنف:" وَالشِّرَاءُ مِنْ دَائِمِ الْعَمَلِ: كَالْخَبَّازِ، وَهُوَ بَيْعٌ وَإِنْ لَمْ يَدُمْ فَهُوَ سَلَمٌ: كَاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ أَوْ سَرْجٍ " في الشراء من الصانع صورتان:

  • إذا كان الصانع دائم العمل حقيقة - وهو من لا يفتُر عنه غالبا - أو حُكما - ككونه من أهل حرفة ذلك الشيء لتيسّره عنده - يجوز لك أن تشتري منه جُملة مضبوطة من البضائع تأخذها مفرقة على أيام؛ كقنطار بكذا كل يوم ثلاثة كيلو غرام مثلاً حتى تنتهي، أو تعقد معه على أن تشتري منه كل يوم عددا معينا:
    والبيع في الصورة الأولى وهي ما إذا كان الشراء لجملة من البضائع مفرقة وموزعة على أيام لازمٌ ليس لأحدهما الفسخ.
    والبيع في الصورة الثانية وهي ما إذا اشترى منه كل يوم عددا معينا غيرُ لازم فلكلٍّ منهما الفسخ. ومثَّل الفقهاء للشخص الدائم العمل بالخبَّاز، والجزار، والطباخ، واللبان، والبقال من كل مَن نصب نفسه على أن يؤخذ منه كل يوم مثلا ما نَصب نفسه له؛ من وزن، أو كيل، أو عدد. والشراء من دائم العمل بيع لا سلم، فلا يشترط فيه تعجيل الثمن، ولا تأجيل المثمَن؛ لقول سالم بن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم: كُنَّا نَبْتَاعُ اللَّحْمَ من الجَزَّارين بالمدينة المنوّرة بأنوار النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بسعر معلوم، كل يوم رطلين، أو ثلاثة بشرط دفع الثمن من العطاء" . قال مالك رضي اللَّه عنه:" لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا؛ إذَا كَانَ وَقْتُ الْعَطَاءِ مَعْرُوفًا، أَيْ وَمَأْمُونًا" [المدونة3/ 315]
    وإنما كان الشراء من دائم العمل بيعا لا سلما؛ لأنهم نزّلوا دوام العمل منزلة تعيين المبيع، والمسلم فيه لا يكون معينا، وهذا من باب تنزيل المعدوم منزلة الموجود.
  • إذا كان الصانع غير دائم العمل، لا حقيقة، ولا حكما؛ بأن كان يعمل مرة، ويترك أخرى، وليس ذاك العمل حرفته، فيجوز لك أيضا أن تشتري منه جملة من البضائع مضبوطة على الحالة التي سبقت قبلُ، وهذا العقد سلَم حقيقي، لا بيع فيشترط فيه شروط السلم؛ التي منها: بقاء المسلم فيه إلى خمسة عشر يوما أو أكثر، وتعجيل رأس المال، فإن تعذر شيء من المسلم فيه تعلق بذمة المسلم إليه. كما أن استصناع السيوف، والسرُج، سَلَمٌ، سواء أكان الصانع المعقود معه دائم العمل، أم لا؛ كأن تقول لإنسان: اصنع لي سرجا صفتُه كذا بدينار، فلا بدّ من تعجيل رأس المال، وضرب أجل لقبض المسلم فيه، وأن لا يعين العامل ولا المعمول منه وإلا فسد السلم.

مفسدات عقد الاستصناع

  قال المصنف:" وَفَسَدَ بِتَعْيِينِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ أَوْ الْعَامِلِ، وَإِنِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ وَاسْتَأْجَرَهُ جَازَ، إنْ شَرَعَ: عَيَّنَ عَامِلَهُ أَمْ لَا " مما يفسد به الاستصناع ما يأتي:

  • أن يُعيَّن المعمولُ منه في شراء المصنوعات سلما؛ كأن يقول: اعمل من هذا الحديد بعينه أو من هذا الخشب بعينه، أو من هذا الغزل بعينه، وعلة الفساد أن السلم لا يكون في شيء بعينه، بل في شيء في الذمة، ففي ذلك انتفاء لشرط من شروط السلم، وجوز أشهب تعيين المصنوع منه والصانع، وقوله هذا أيسر للناس اليوم دفعا للغش والتدليس.
  • أن يُعيَّن الصانعُ، قال في المدونة: فإن شرط عمل رجل بعينه لم يجز، وإن نقده، وعلة الفساد دوران المعقود بين الثمنية والسُّلْفية فهو غرر وهو منهي عنه؛ لأنه لا يدري أيَسلم الصانع إلى ذلك الأجل أم لا.
  • أن يُعيَّن الصانع، والمصنوع منه، وهذه الصورة أولى بالفساد من سابقتها، وعلة الفساد فيها دوران المعقود بين الثمنية والسلفية فهو غرر؛ لأنه لا يدري أيسلم الصانع إلى ذلك الأجل أم لا. والمنع في هذه الصور الثلاث مشروط بما إذا لم يشتر شخص الشيءَ المعمول منه، كالحديد والنحاس والجلد ونحوها، وأما إن اشترى من الصانع الشيء المصنوع منه وعيّنه ودخل المصنوع في ضمانه، واستأجر البائعَ على أن يعمل له منه باباً، أو تورا، أو سرجا مثلا بأجر يدفعه له، فإن ذلك جائز، سواء أشرط تعجيل النقد أم لا؛ لأنه من باب اجتماع البيع والإجارة في الشيء، وهو جائز على المشهور، وسواء أَعيَّن المشتري عاملَه أم لا، بشرط أن يشرع في العمل ولو حكما؛ كتأخيره لثلاثة أيام، أو لنصف شهر.

مما سبق يتجلى أن الإسلام بتشريعاته الحكيمة يهدف إلى التربية على العمل والإنتاج والصناعة وغيرها من وسائل الاستفادة من الطاقة الفكرية والبدنية وغيرهما لتحقيق النفع العام، والاكتفاء الذاتي، فبين الفينة والأخرى يتجدد التنبيه من الشرع على ما تفسد به المعاملات قصد الابتعاد عنها، والوقوف عندها، وهذا من مقتضى الإيمان بالله تعالى الذي يتجسد في الطاعة والامتثال والاستجابة والاتباع ومراقبة الخالق سبحانه وتعالى والوقوف عند حدوده.

التقويم

  1. أحدّدُ بعض الأنواع التي يجوز فيها السلم والتي لا يجوز فيها.
  2. أوضحُ الفرق بين البيع والسلم في بعض الصور.
  3. أوضح أحكام الاستصناع.

الاستثمار:

قال أبو عبد الله المواق:" قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ وَجَمِيعِ الْعِطْرِ إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ وَصُنُوفُ الْفُصُوصِ وَالْحِجَارَةِ إذَا ذَكَرَ صِنْفًا مَعْرُوفًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَكَذَلِكَ آنِيَةُ الزُّجَاجِ بِصِفَتِهَا...لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي اللَّبِنِ وَالْجِصِّ وَالزَّرْنِيخِ وَالنّورَةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مَضْمُونًا مَعْلُومَ الصِّفَةِ...لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْحَطَبِ إذَا اشْتَرَطَ مِنْ ذَلِكَ قَنَاطِيرَ أَوْ قَدْرًا مَعْرُوفًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْجُذُوعِ مِنْ خَشَبِ الْبُيُوتِ وَشِبْهِهِ مِنْ صُنُوفِ الْعِيدَانِ وَفِي جُلُودِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ... إذَا اشْتَرَطَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْئًا مَعْلُومًا" [ التاج والإكليل لمختصر خليل 6 /515 ].

  • أتأمل هذا النص وأستخرج ما تضمنه من شروط السلم.

الإعداد القبلي

أقرأ متن الدرس القادم وأبينُ ما يلي:

  1. الأشياء التي لا يمكن فيها السلم.
  2. العلل التي لأجلها منع السلم في بعض الصور.

Plus de : الفقه

Tout afficher

Explorer d'autres rubriques— الفقه

الفقه الإبتدائي الخامس 35

Parcourir la rubrique الفقه الإبتدائي الخامس

الفقه الثانوي الأول 33

Parcourir la rubrique الفقه الثانوي الأول

الفقه الثانوي الثالث 32

Parcourir la rubrique الفقه الثانوي الثالث

الفقه الابتدائي الرابع 31

Parcourir la rubrique الفقه الابتدائي الرابع