درس أحكام المسبوق من كتاب الفقه من منظومة المرشد المعين لابن عاشر بشرح ميارة الفاسي، درس في الفقه للسنة الخامسة من التعليم الابتدائي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 27)
أهداف الدرس
- أَنْ أَتَعَرَّفَ أَحْكَامَ الْمَأْمُومِ فِي الصَّلَاةِ.
- أَنْ أُدْرِكَ أَحْكَامَ الْمَسْبُوقِ فِي الصَّلَاةِ.
- أَنْ أَتَمَثَّلَ أَحْكَامَ الاِقْتِدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي الصَّلَاةِ .
تمهيد
مِنْ حِكْمَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ إِظْهَارُ تَمَامِ التَّآلُفِ وَالاِتِّحَادِ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِذَلِكَ أَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَى الْمَأْمُومِ تَمَامَ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ، وَشَرَعَ لِلْمَسْبُوقِ أَحْكَاماً تَرْتَبِطُ بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
فَمَا حُكْمُ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ بِالْإِمَامِ؟ وَمَا هِيَ أَحْكَامُ الْمَسْبُوقِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ؟
النظم
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَاشِرٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وَالْمُقْتَدِي اِلْإِمَامَ يَتْبَعُ خَلاَ *** زِيَادَةٍ قَدْ حُقِّقَتْ عَنْهَا اَعْدِلاَ
وَأَحْرَمَ اَلْمَسْبُوقُ فَوْراً وَدَخَلْ *** مَعَ اَلْإِمَامِ كَيْفَمَا كَانَ اَلْعَمَلْ
مُكَبِّراً إنْ سَاجِداً أَوْ رَاكِعَا *** أَلْفَاهُ لَا فِي جَلْسَةٍ وَتَابِعَا
إِنْ سَلَّمَ اَلْإِمَامُ قَامَ قَاضِيَا *** أَقْوَالَهُ وَفِي الْفِعَالِ بَانِيَا
الفهم
الشَّرْحُ:
الْمُقْتَدِي: مِنْ اِقْتَدَى بِفُلَانٍ: اِتَّبَعَهُ وَفَعَلَ فِعْلَهُ.
خَــلاَ: أَدَاةُ اسْتِثْنَاءٍ بِمَعْنَى إِلاَّ.
الْمَسْبُوقُ: مَنْ سُبِقَ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ مِنَ الصَّلَاةِ.
أَلْـفَـاهُ: وَجَدَهُ.
اِسْتِخْلاَصُ مَضَامِينِ النَّظْمِ:
- أَذْكُرُ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُ النَّاظِمِ:
وَالْمُقْتَدِي الْإمَامَ يَتْبَعُ خَلاَ *** زِيَادَةٍ قَدْ حُقِّقَتْ عَنْهَا اعْدِلاَ. - أُوَضِّحُ مَضْمُونَ قَوْلِ النَّاظِمِ: (مُكَبِّراً إِنْ سَاجِداً أَوْ رَاكِعَا أَلْفَاهُ).
- أُبْرِزُ مَضْمُونَ قَوْلِ النَّاظِمِ:
إِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ قَاضِيَا *** أَقْوَالَهُ وَفِي الْفِعَالِ بَانِيَا.
التحليل
يَشْتَمِلُ هَذَا الدَّرْسُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: أَحْكَامُ الْمَأْمُومِ
يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ- وَهُوَ الْمَأْمُومِ- أَنْ يَتْبَعَ إِمَامَهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ؛ لِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَكِبَ فَرَساً فَصُرِعَ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِماً فَصَلُّوا قِيَاماً، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ». [صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به ].
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا زَادَ الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ زِيَادَةً مُحَقَّقَةً، تَحَقَّقَ الْمَأْمُومُ أَنَّهَا لِغَيْرِ مُوجِبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُ إِمَامَهُ فِيهَا.
وَصُورَةُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ لِلرَّكْعَةِ الْخَامِسَةِ فِي الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ، أَوْ يَقُومَ لِلرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فِي الصَّلَاةِ الثُّلَاثِيَّةِ، أَوْ يَقُومَ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فِي الصَّلَاةِ الثُّنَائِيَّةِ. وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
- اَلْأَوَّلُ: مَنْ تَيَقَّنَ انْتِفَاءَ مُوجِبِ الْخَامِسَةِ؛ لِعِلْمِهِ بِتَمَامِ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ إِمَامِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ، وَيُسَبِّحُ لِإِمَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْقَهْ أَوْ شَكَّ، كَلَّمَهُمْ
أَوْ كَلَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَمِلَ بِكَلَامِهِمْ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ مُغْتَفَرٌ مَا لَمْ يَكْثُرْ. - اَلثَّانِي: مَنْ لَمْ يَنْتَفِ عِنْدَهُ مُوجِبُ الْخَامِسَةِ، وَتَيَقَّنَ الْمُوجِبَ، أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ، أَوْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ تَوَهَّمَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْإِمَامِ فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ. وَمَنْ جَلَسَ مِنْهُمْ عَمْداً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِمُخَالَفَتِهِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَسَهْواً لَا تَبْطُلُ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَ الَّتِي بَطَلَتْ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُوجِبِ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ لِلْخَامِسَةِ لِبُطْلَانِ إِحْدَى الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ قَبْلَهَا. وَفِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ قَوْلُ النَّاظِمِ: (وَالْمُقْتَدِي الْإِمَامَ... إلى عَنْهَا اعْدِلاَ).
ثَانِياً: أَحْكَامُ الْمَسْبُوقِ
اَلْمَسْبُوقُ هُوَ: الَّذِي سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
كَيْفِيَّةُ دُخُولِ الْمَسْبُوقِ مَعَ الْإِمَامِ:
إِذَا دَخَلَ اَلْمَسْبُوقُ فَوَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَوْراً، وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ كَيْفَمَا وَجَدَهُ، قَائِماً أَوْ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً أَوْ جَالِساً؛ لِحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «كَانُوا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ وَقَدْ سَبَقَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَيُشِيرُ إِلَيْهِمْ كَمْ صَلَّى بِالْأَصَابِعِ وَاحِدَةً اِثْنَتَيْنِ، فَجَاءَ مُعَاذٌ وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالٍ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَضَيْتُ، فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مُعَاذٌ يَقْضِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ، فَهَكَذَا فَافْعَلُوا».[سنن البيهقي، كتاب الصلاة، باب المسبوق ببعض صلاته يصنع ما يصنع...] وَفِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّاظِمِ:
وَأَحْرَمَ الْمَسْبُوقُ فَوْراً وَدَخَلْ *** مَعَ الْإِمَامِ كَيْفَمَا كَانَ الْعَمَلْ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ وَجَدَهُ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً كَبَّرَ تَكْبِيرَةً أُخْرَى لِلرُّكُوعِ أَوِالسُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَدَهُ فِي الْجُلُوسِ وَأَحْرَمَ فِي الْقِيَامِ، فَلَا يُكَبِّرُ إِلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَقَطْ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ النَّاظِمُ: (مُكَبِّراً إنْ سَاجِداً أَوْ رَاكِعاً *** أَلْفَاهُ لَا فِي جَلْسَةٍ وَتَابِعاً)
قَضَاءُ الْمَسْبُوقِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ
إِذَا سَلَّمَ اَلْإِمَامُ وَأَرَادَ الْمَسْبُوقُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا فَاتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ: يَقْضِي الْأَقْوَالَ كَمَا فَاتَتْهُ، يَعُدُّ مَا أَدْرَكَ آخِرَ صَلَاتِهِ، وَمَا فَاتَهُ أَوَّلَهَا، فَيَقْضِيهِ وَيَبْنِى فِي الْأَفْعَالِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ، يَجْعَلُهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَيَأْتِي بِآخِرِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». [ صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ». [ صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ].
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَقَدْ عَمِلَ الْجُمْهُورُ بِمُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ؛ فَمَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ». [فتح الباري 2/041]
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ: «كَانَ إِذَا فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ، أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ فَقَرَأَ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَقْضِي، وَجَهَرَ». [ الموطأ، النداء للصلاة، باب العمل في القراءة].
وَذَلِكَ قَوْلُ النَّاظِمِ:
إِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ قَاضِيَا *** أَقْوَالَهُ وَفِي الَافْعَالِ بَانِيَا.
التقويم
- أُفَصِّلُ حُكْمَ جُلُوسِ الْمَأْمُومِ بَعْدَ قِيَامِ إِمَامِهِ لِخَامِسَةٍ.
- أُقَوِّمُ صَلَاةَ مَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ لِيُوَضِّحَ لَهُ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ سَهْوٍ.
- أُبْرِزُ الْحِكْمَةَ مِنْ إِتْيَانِ الصَّلَاةِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ.
الاستثمار
قَالَ الْقَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِذَا سُبِقَ الْمَأْمُومُ بِالتَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُكَبِّرُ، بَلْ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ فَيُكَبِّرُ مَعَهُ، وَلَا يُكَبِّرُ حَالَ اشْتِغَالِ الْمُصَلِّينَ بِالدُّعَاءِ، فَإِنْ كَبَّرَ صَحَّتْ وَلَا يَعْتَدُّ بِهَا، وَيَدْعُو الْمَسْبُوقُ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ الْوَاقِعِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إِنْ تُرِكَتِ الْجَنَازَةُ، فَإِنْ رُفِعَتْ وَالَى التَّكْبِيرَ بِدُونِ دُعَاءٍ».
[الخلاصة الفقهية، 151]
أَتَمَعَّنُ النَّصَّ، وَأَسْتَخْلِصُ مِنْهُ أَحْكَامَ الْمَسْبُوقِ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ.
الإعداد القبلي
أَحْفَظُ أَبْيَاتَ الدَّرْسِ الْقَادِمِ، وَأَقُومُ بِمَا يَأْتِي:
- أُحَدِّدُ الْحَالَاتِ الَّتِي يُكَبِّرُ فِيهَا الْمَسْبُوقُ عِنْدَ قِيَامِهِ لِقَضَاءِ مَافَاتَهُ.
- أُبْرِزُ حُكْمَ سَهْوِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ، وَبَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْإِمَامِ.
- أَشْرَحُ ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ بَدْءاً مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ: (وَبَطَلَتْ لِمُقْتَدٍ بِمُبْطِلِ ..).
