
أحكام الرد في البيع، درس في الفقه من متن مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، موجه لتلاميذ المستوى الأول الثانوي العتيق، الدرس السابع والعشرون (27):
أهداف الدرس
- أن أتعرف أحكام الرد في البيع.
- أن أتمثل طرق الرد بالعيب أو الاستحقاق.
تمـهيـد
اهتم الإسلام بالبيع، فأباحه لقضاء حوائج الناس، واهتم كذلك بالحفاظ على العلاقات الاجتماعية بين الناس، فأجاز رد بعض السلعة لفساد البيع حسما لمادة النزاع.
فما حكم رد بعض المبيع؟ وما القدر الذي يجوز رده؟ وما الفرق بين ما يرد بعينه أو بالقيمة؟
المـتن
قال الشيخ خليل رحمه الله:
وَرُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ. وَرُجِعَ بِالْقِيمَةِ، إنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ، أَوْ أَحَدَ مُزْدَوِجَيْنِ، أَوْ أُمًّا وَوَلَدَهَا. وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ، وَرَدُّ الدِّرْهَمَيْنِ، وَرَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ، وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وَحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ وَقُبِلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ وَإِنْ مُشْتَرِكَيْنِ، وَيَمِينُهُ بِعْتُهُ وَفِي التَّوْفِيَةِ وَأَقْبَضْته وَمَا هُوَ بِهِ بَتًّا فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ.
الـفهم
الشرح
التوفية: يقال: وفَّى الرجلَ حقه أعطاه إياه تاما.
بَتّاً: قطعا، يقال: بت الأمر بتا: قطعه.
استخلاص مضامين المتن
- استخلص(ي) من المتن أحكام رد المبيع.
- استخرج(ي) من خلال المتن أحكام رد المبيع المشترك.
- فصّل(ي) انطلاقا من المتن القول في تنازع البائع والمشتري.
- اذكر(ي) من خلال المتن كيفية أداء اليمين من البائع أو المشتري.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على ثلاثة محاور:
أولا: رد بعض السلعة للعيب
قد يشتري الإنسان سلعة، ويجد بعضها فاسدا، فتارة يكون له حق الرد، وتارة، لا يكون له ذلك، فإن كان له حق الرد، فإما أن يأخذ الثمن الذي دفعه إن كان موجودا، فإن لم يجد ما دفعه أخذ ما يعادله في القيمة، وتفصيل ذلك كالآتي:
رد بعض المبيع المعيب وأخذ ثمنه
إذا اطلع المشتري على عيب في جزء من السلعة، وعادل ذلك الجزءُ المعيبُ نصف الثمن فأقلَّ، فإنه يرده ويأخذ ما يخصه من الثمن، ويلزمه التمسك بالباقي، كما إذا اشترى عشرة أثواب بمائة درهم، وقيمة كل ثوب عشرة دراهم، والمعيب واحد، أو اثنان، أو أكثر إلى خمسة، فيجب التماسك بالخمسة السليمة بنصف الثمن، ويرد المعيب بحصته فإن كان ثوبا واحدا رجع بعُشر الثمن؛ وهو عشرة دراهم، وإن كان ثوبين رجع بخمس الثمن؛ وهو عشرون، وإن كان المعيب ثلاثة أثواب رجع بثلاثين، وإن كان خمسة أثواب رجع بنصف الثمن؛ وهو خمسون فإن عادل المعيب أكثر السلعة؛ بأن كان ينوبه أكثر من النصف فإنه يتعين رد الجميع. وفي ذلك يقول المصنف : "وَرُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ".
رد بعض المعيب وأخذ قيمته
إن كان ثمن المبيع سلعة، يرجع المشتري بالقيمة، فإذا وقع ثمن العشرة الأثواب المتقدمة في مثالنا بسلعة كدار تساوي يوم البيع مائة، فيرجع المشتري بقيمة عُشُرها عشرة، أو خُمُسها عشرون، أو ثلاثة أعْشارها ثلاثون، ويسير على هذا الحساب، ولا يرجع بما يقابل ذلك من الدار؛ بأن يصير شريكا؛ لضرر الشركة، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: يرجع شريكا في الدار بما يقابل المعيب، فيملك في المثال المتقدم بقدر عشرها أو خمسها.
بعض المعيب الذي لا يرد
إن كان الجزء المعيب من السلعة، يساوي من الثمن أكثر من النصف، ولو بيسير، فليس للمشتري رده وأخذُ ما يخصه من الثمن، بل إما أن يتمسك بالجميع، أو يرد الجميع، وكذا إن كان المعيب أحد مزدوجين لا يُستغنى بأحدهما عن الآخر: كأحد خفين، أو سوارين؛ لجريان العادة بأنه لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، فليس له رد المعيب بحصته من الثمن، والتمسك بالسليم ولو تراضيا على ذلك؛ لما في ذلك من الفساد الذي منع الشرع منه. أو يكون المعيب أما أو ولدها؛ كمن اشترى بقرة مع ولدها، فإذا وجد العيب بأحدهما وجب ردهما معا، أو التمسك بهما معا؛ لأن الشارع منع من التفرقة بينهما. وفي ذلك يقول المصنف: "وَرجعَ بِالْقِيمَةِ، إنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ، أَوْ أَحَدَ مُزْدَوِجَيْنِ، أَوْ أُمًّا وَوَلَدَهَا".
وإن كان المبيع متعدداً؛ كثياب مثلا واستحق أكثرها من يد المشتري، أو وجد العيب في أكثرها، فإنه لا يجوز له أن يتمسك بالباقي القليل السالم من الاستحقاق والعيب، بحصته من الثمن؛ لأن العقدة انحلت من أصلها حين استحق أكثره، أو تعيب أكثره، فتمسّك المشتري بباقيه: كإنشاء عقدة بثمن مجهول؛ بيانه أنه لا يعلم قيمة الجزء الباقي، إلا بعد تقويم السلعة كلها أوّلًا، ثم تقويم كل جزء من الأجزاء، فلو جاز له التمسك بالقليل السالم لأدّى إلى ما ذكر:كمن اشترى درهمين وسلعةً تساوي عشرة دراهم، بثوب، فلما قبض المشتري الدرهمين والسلعة، استحق السلعةَ شخصٌ من يده وأخذها، فإن عقد البيع ينفسخ لاستحقاق أكثر السلعة، وهي خمسة أسداس الصفقة، وحينئذ فيجب على المشتري أن يرد للبائع الدرهمين ويرجع في ثوبه الذي خرج من يده إن كان باقيا، فإن فات، فإنه يرجع بقيمة الثوب كاملا، ولا يجوز للمشتري التماسك بالدرهمين مقابل ما يقابلهما من سدس الثوب، ويطلب خمسة أسداس الثوب. وفي ذلك يقول المصنف: "وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ، وَرَدُّ الدِّرْهَمَيْنِ"
ثانيا: رد المعيب من طرف الشريكين
ما تقدم من الأحكام في رد البعض الفاسد من السلعة في حالة ما إذا كان المشتري أو البائع شخصا واحدا، أما إن كان المشتري الذي وجد بعض السلعة فاسدا، أو البائع، أكثر من شخص، وقد يتفقان على وجود العيب وقدمه، وقد يتنازعان، وحكم ذلك كما يلي:
تعدد المشتري
إذا اشترى شخصان سلعة واحدة، في صفقة واحدة، ثم اطلعا على عيب بالسلعة فأراد أحدهما أن يرد نصيبه على البائع وامتنع الآخر من الرد، فالمشهور أن له أن يرد، وله أن يتماسك، ولو أبى البائع، وإلى هذا رجع مالك بناء على تعدد العقد بتعدد متعلقه، وكلام المؤلف إذا لم يكونا شريكين في التجارة، وأما الشريكان، إذا اشتريا شيئا معيبا في صفقة واحدة، وأراد أحدهما الرد، فلصاحبه أن يمنعه من ذلك ويقبل الجميع؛ لأن كل واحد منهما وكيل عن الآخر.
تعدد البائع
إذا اطلع المشتري على عيب بالسلعة وكان البائع متعددا فإنه يجوز له أن يرد على أحد البائعين نصيبه من المبيع دون الرد على الباقي من البائعِين. وفي ذلك يقول المصنف:" وَرَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ".
تنازع البائع والمشتري في العيب
التنازع بين البائع والمشتري، في العيب على قسمين:
أ - التنازع في وجود العيب وعدمه
إذا تنازع البائع والمشتري في وجود العيب وعدمه في السلعة؛ فقال المشتري: به عيب، وقال البائع: لا عيب به؛ فالقول في ذلك قول البائع في نفي العيب الخفي، ولا يمين عليه؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو السلامة في الأشياء، وأيضا صدور عقود المسلمين على وجه الصحة.
ب - التنازع في قدم العيب وحدوثه
إذا وافق البائع المشتري في وجود العيب، لكن البائع يدعي حُدوثه عند المشتري، والمشتري يدعي قِدَمه ليرد المبيع على بائعه، فإن القول في ذلك قول البائع إن شهدت له العادة بأن العيب حدث عند المشتري، وهي على أحوال:
- الحالة الأولى: إن شهدت له العادة باليقين، فالقول للبائع، ولا يمين عليه.
- الحالة الثانية: إن شهدت له العادة بالظن، فالقول للبائع لكن عليه أن يؤدي اليمين.
- الحالة الثالثة: إن شهدت له العادة بالشك، فالقول للبائع بيمين؛ لأنه يدعي انبرام العقد، والمشتري يدعي حَلَّه، والأصل انبرامه.
وإذا شهدت العادة للمشتري بقِدم العيب، وأنه موجود منذ أن كانت السلعة عند البائع، فهي على حالتين:
- الحالة الأولى: أن تقطع العادة بقدم العيب فالقول للمشتري بلا يمين.
- الحالة الثانية: أن ترجح العادة قدم العيب فالقول للمشتري مع اليمين.
وإذا تنازع المتبايعان في عيب في المبيع، فإنه يقبل في معرفته غيرُ العدول وإن تيسر العدول؛ لأنه خبر لا شهادة، بشرط السلامة من جرحة الكذب، والواحد كاف، إذا أرسلهم القاضي ليقفوا على العيب. وفي ذلك يقول المصنف:" وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وَحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ وَقُبِلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ وَإِنْ مُشْتَرِكَيْنِ"
ثالثا: كيفية أداء اليمين
إذا توجهت اليمين على البائع في العيب؛ بأن ترجح قوله أو شُكَّ فيه، ففي ذلك حالتان:
- إذا كان المبيع يدخل في ضمان المشتري بالعقد، فإن البائع يقول: بالله الذي لا إله إلا هو لقد بعته السلعة وما هو بها؛ أي ليس بها عيب.
- إذا كان في المبيع حق توفية بأن كان لا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض؛ من مكيل وموزون ومعدود وغائب وثمار على رؤوس الشجر، فإنه يقول: بالله الذي لا إله إلا هو لقد بعته وأقبضته السلعة وما هو بها.
ويحلف على القطع إن كان العيب ظاهرا: كخرق الثوب، فإن كان العيب خفيا فإنه يحلف على نفي العلم بأن يقول: وما أعلمه به؛ أي ولا أعلم بوجود العيب في الشيء الذي بعته. وفي ذلك يقول المصنف: "وَيَمِينُهُ بِعْتُهُ وَفِي التَّوْفِيَةِ وَأَقْبَضْته وَمَا هُوَ بِهِ بَتًّا فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ".
التقـويم
- بين(ي) حكم رد المبيع وأنواعه.
- أوضح(ي) حكم رد المبيع مع تعدد المشتري أو البائع.
- فصّل(ي) القول في أحكام تنازع البائع والمشتري في العيب.
- أبرز(ي) كيفية أداء اليمين من البائع أو المشتري.
الاستـثمار
قال أبو عبد الله المازري رحمه الله:
واعلم أنّه لو تنازع المتبايعان في الأمَد الّذي هلك فيه المبيع في أيّام الخيار، فيقول البائع: هلكت السلعة بعد إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ. ويقول المشتري: بل هلكت قبل إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ، فإنّ القول قول البائع لكون المشتري يدّعي حَلّ العقد الّذي كان بينهما. وتأوّل هذا ابن أبي زيد على أنّ أيّام الخيار انقضت، واختلفا بعد انقضائها، وأمّا إن لم يتّفقا على انقضائها، فإنّ القول قول المشتري لكون البيع لم ينعقد. (شرح التلقين 2 / 584)
اقرأ(ئي) النص واستخلص(ي) منه ما يلي:
- بين(ي) العِلة في كون القول للبائع عند التنازع في وقت هلاك السلعة؟
- ما الشرط في كون القول للبائع؟
- متى يكون القول للمشتري، وما علة ذلك؟
الإعداد القبلي
اقرأ(ئي) متن الدرس القادم وبين(ي) ما يلي:
- حكم غلة المبيع بعد رده.
- حكم ضمان السلعة المردودة على البائع.
- حكم ضمان العقار وصفته.