
بيوع الآجال: شروطها وصورها وحكمها، درس في فقه البيع، من متن مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، موجه لتلاميذ السنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق، الدرس الثامن عشر (18):
أهداف الدرس
- أن أتعرف شروط بيوع الآجال وصورها وحكمها.
- أن أدرك آثار بيوع الآجال.
- أن أميز بين صور بيوع الآجال
تمهيد
قد يلجأ بعض الناس في البيوع إلى بعض الحيل؛ كبيع السلعة بثمن مؤجل ثم شرائها ممن اشتراها بثمن معجل أقل من الثمن الأول فيجتمع البيع والسلف، ويستفيد البائع الأول رجوع سلعته بثمن أقل، وتحميل ذمة المشتري بدين لا فائدة له فيه، ولذلك منع الإمام مالك رحمه الله كثيرا من البيوع التي ظاهرها الجواز كبيوع الآجال؛ لتهمة التوصل بهذه البيوع إلى الربا، وما يؤدي إلى الممنوع ممنوع.
فما مفهوم بيوع الآجال؟ وما شروطها؟ وما صورها وأحكامها؟.
المتن
قال الشيخ خليل رحمه الله:
فَصْلٌ وَمُنِعَ لِلتُّهْمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ: كَبَيْعٍ، وَسَلَفٍ، وَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ. لَا مَا قَلَّ؛ كَضَمَانٍ بِجُعْلٍ، أَوْ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفك. فَمَنْ بَاعَ لِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرْضٍ فَإِمَّا نَقْدًا، أَوْ لِأَجَلٍ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ. وَكَذَا لَوْ أُجِّلَ بَعْضُهُ مُمْتَنِعٌ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ، أَوْ بَعْضُهُ: كَتَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ؛ إنْ شَرَطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لِأَبْعَدَ إذَا اشْتَرَطَاهَا، وَالرَّدَاءَةُ وَالْجَوْدَةُ: كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا. وَبِسِكَّتَيْنِ إلَى أَجَلٍ: كَشِرَائِهِ لِلْأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ، وَإِنْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ ؛ جَازَتْ ثَلَاثُ النَّقْدِ فَقَطْ. وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَمِثْلِهِ، فَيُمْنَعُ بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ، أَوْ لِأَبْعَدَ إنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ، وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لَا ؟ تَرَدُّدٌ. وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ: كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا.
الـفهم
الشرح
جُعْل: ما جعل للإنسان من عوض على شيء يفعله.
المقاصة: بضم الميم وفتح الصاد المشددة،مصدر قاصّ فلان فلانا؛ أي جعل الدين في مقابلة الدين.
بسكتين: عملتين نقديتين مختلفتين.
محمدية: عملة نقدية منسوبة لمحمد السفاح أول خلفاء الدولة العباسية.
يزيدية: عملة نقدية منسوبة ليزيد بن معاوية.
مقوما: ما له قيمة من المبيعات.
استخلاص مضامين المتن
- استخرج(ي) من المتن صور بيوع الآجال.
- بين(ي) انطلاقا من المتن حكم بيوع الآجال
التحـلـيل
يشتمل هذا الدرس على المحاور الآتية:
أولا: مفهوم بيوع الآجال وشروطها
تعريف بيوع الآجال
لبيوع الآجال مفهومان:
- إضافي: بيع مضاف إلى الأجل في الثمن أو السلعة، وضده بيع النقد، وهو ما دفع ثمنه عند الشراء.
- لقبي: أن يبيع شخص سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها ممن اشتراها منه نقدا بثمن مثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر منه، فهذا ما اصطُلح على تسميته ببيوع الآجال، لوجود الأجل في البيعة الأولى.
شروط بيوع الآجال
لبيوع الآجال شروط خمسة وهي:
- أن تكون البيعة الأولى لأجل فإن كانت نقدا فليس ذلك من بيوع الآجال سواء أكانت الثانية نقدا أو إلى أجل لعدم وجود التهمة في ذلك.
- أن يكون المشتري في البيعة الثانية هو البائع في البيعة الأولى.
- أن يكون البائع ثانيا في البيعة الثانية هو المشتري في البيعة الأولى.
- أن يكون الشيء المشترى ثانيا هو المبيع أولا.
- أن يكون صنف ثمن الشراء الثاني من صنف ثمن البيع الأول.
هذه هي الشروط التي إن توفرت في بيع من البيوع اعتبر من بيوع الآجال، ويختلف حكمها باختلاف صورها، فما غلبت فيه التهمة وظهرت فيه الحيلة، حكم بمنعه سدا للذريعة، وما لم تظهر فيه الحيلة حكم بجوازه، وسيأتي تفصيل ذلك.
ثانيا: صور بيوع الآجال
لبيوع الآجال بالمعنى اللقبي صور كثيرة، باعتبارات متعددة، وتفصيلها كالآتي:
باعتبار جنس الثمن
الثمن في البيع الأول والبيع الثاني في بيوع الآجال فيه التفصيل الآتي:
- بيع السلعة ثم شراؤها بجنس الثمن الذي بيعت به صنفا وصفة من عين وعرض وطعام.
- بيع السلعة بذهب مؤجل وشراؤها بفضة معجلة، وهو ممنوع؛ لأنه صرف لم تقع فيه مناجزة إلا إن عجل الأكثر من قيمة المتأخر كما قال المصنف:" وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْـمُتَأَخِّرِ جِدًّا".
- بيع السلعة بسكة معينة وشراؤها بسكة أخرى ، وهو ممنوع لما فيه من الدين بالدين. وفي ذلك يقول المصنف رحمه الله:" وَبِسِكَّتَيْنِ إلَى أَجَلٍ: كَشِرَائِهِ لِلْأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ".
- بيع السلعة بعرض لأجل وشراؤها بعرض مخالف للعرض الأول في الثمن، وحكمها الجواز إن كان ثمن البيع الثاني معجلا، وامتنع إن كان مؤجلا للدين بالدين. وفي ذلك يقول المصنف:" وَإِنْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ ؛ جَازَتْ ثَلَاثُ النَّقْدِ فَقَطْ ".
باعتبار تعجيل ثمن البيع الثاني كله أو تأجيله كله
في تعجيل ثمن البيع الثاني كله أو تأجيله كله الصور الآتية:
- أن يكون البيع الثاني بمثل الثمن الأول نقدا، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بأقل من ثمن البيع الأول نقدا، وحكمها المنع؛ لتهمة دفع البائع الأول مالا قليلا في سلعة كثيرة، وذلك سلف بمنفعة وهو ممنوع، وذلك كمن باع سلعة بألف درهم يتسلمها بعد شهر، ثم اشتراها ممن اشتراها منه بتسعمائة درهم نقدا.
- أن يكون البيع الثاني بأكثر من ثمن البيع الأول نقدا، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بمثل ثمن البيع الأول للأجل الأول، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بأقل من ثمن البيع الأول للأجل الأول، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بأكثر من ثمن البيع الأول للأجل الأول، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بمثل ثمن البيع الأول لأجل أقل من الأجل الأول، وحكمها الجواز.
أن يكون البيع الثاني بأقل من ثمن البيع الأول لأجل أقل من الأجل الأول وحكمها المنع؛ لتهمة دفع البائع الأول مالا قليلا في سلعة كثيرة، وذلك سلف بمنفعة وهو ممنوع. - أن يكون البيع الثاني بأكثر من ثمن البيع الأول لأجل أقل من الأجل الأول، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بمثل ثمن البيع الأول لأجل أبعد من الأجل الأول، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بأقل من ثمن البيع الأول لأجل أبعد من الأجل الأول، وحكمها الجواز.
- أن يكون البيع الثاني بأكثر من ثمن البيع الأول لأجل أبعد من الأجل الأول وحكمها المنع؛ لتهمة دفع قليل في كثير من قبل المشتري وهو سلف بمنفعة، وهو ممنوع.
فتحصل مما سبق أن عدد الصور باعتبار تعجيل ثمن البيع الثاني أو تأجيله اثنتا عشرة صورة؛ ثلاث منها ممنوعة، وتسع منها جائزة، وضابط الصور الجائزة:
- إن تساوى الأجلان أو الثمنان فالجواز.
- إن اختلف الأجلان أو الثمنان فينظر إلى اليد السابقة في العطاء فإن دفعت كثيرا وعاد إليها قليل فالجواز، وإن دفعت قليلا وعاد إليها كثير فالمنع.
وفي هذه الصور وحكمها يقول المصنف: "فَمَنْ بَاعَ لِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرْضٍ فَإِمَّا نَقْدًا، أَوْ لِأَجَلٍ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلّ".
باعتبار تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه، وفي ذلك الصور الآتية
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل أقل من أجل البيع الأول بمثل ثمن البيع الأول، وحكمها الجواز.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل أقل من أجل البيع الأول بأقل من ثمن البيع الأول، وحكمها المنع؛ لدفع البائع الثاني قليلا في كثير وهو سلف بمنفعة، وهو ممنوع.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل أقل من أجل البيع الأول بأكثر من ثمن البيع الأول، وحكمها المنع؛ لأن البائع الثاني تعجل الأقل على بعض الأكثر مثل أن يشتري سلعة بعشرة ويبيعها باثني عشر: خمسة منها معجلة وسبعة مؤجلة لأجل أقل من أجل البيع الأول.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل مثل أجل البيع الأول بمثل ثمن البيع الأول، وحكمها الجواز ما لم يشترطا نفي المقاصة؛ أي تنازل كل من المتداينين عن دينه لصاحبه.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل مثل أجل البيع الأول بأقل من ثمن البيع الأول، وذلك بأن يبيع بعشرة لأجل، ويشتري بثمانية أربعة منها نقدا وأربعة مؤجلة، وعند الأجل يدفع البائع الأول أربعة ويأخذ ستة وذلك سلف بمنفعة، وحكمه المنع.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل مثل أجل البيع الأول بأكثر من ثمن البيع الأول، وحمكها الجواز.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل أبعد من أجل البيع الأول بمثل ثمن البيع الأول، وحكمها الجواز.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني، وتأجيل بعضه لأجل أبعد من أجل البيع الأول، بأقل من ثمن البيع الأول، وحكمها المنع.
- تعجيل بعض ثمن البيع الثاني وتأجيل بعضه لأجل أبعد من أجل البيع الأول بأكثر من ثمن البيع الأول، وحكمها الجواز إن شرطا المقاصة للسلامة من دفع قليل في كثير، فالجائز من هذه الصور أربع، والممنوع منها خمس.
وضابط المنع في هذه الصور أن يرجع إلى يد البائع الأول أكثر مما خرج منها؛ لما في ذلك من بيع وسلف، وسلف بمنفعة، وضمان بجعل؛ أي بمقابل، ولأجل ذلك قد يعرض للبيع الجائز ما يجعله ممنوعا.
وفي تأجيل بعض ثمن البيع الأول يقول المصنف: "وَكَذَا لَوْ أُجِّلَ بَعْضُهُ مُمْتَنِعٌ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ، أَوْ بَعْضُهُ: كَتَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ؛ إنْ شَرَطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لِأَبْعَدَ إذَا اشْتَرَطَاهَا، وَالرَّدَاءَةُ وَالْجَوْدَةُ: كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ".
التقويم
- عرف(ي) بيوع الآجال بالمعنى الإضافي والمعنى اللقبي.
- حدد(ي) صور بيوع الآجال باعتبار جنس الثمن.
- أبرز(ي) الحكمة من الصور الممنوعة في بيوع الآجال.
الاستـثمار
قال ابن الحاجب:
الآجال لقب لما يفسد بعض صوره منها لتطرق التهمة بأنهما قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا به إلى باطل ممنوع حسماً للذريعة، وأجمعت الأمة على المنع من بيع وسلف، ولا معنى سواه فإن كان مما يكثر القصد إليه كبيع وسلف أو سلف جر منفعة يمنع وفاقاً، وإن كان مما يقل كدفع الأكثر مما فيه الضمان وأخذ أقل منه إلى أجل فقولان، وإن كان بعيداً جداً كأسلفني وأُسلفَك فالمشهور جوازه، ولو اعتبر البعيد لمنع بالمثل، وبأكثر نقداً وبأقل إلى أبعد إذا قامت السلعة بيده فيتمكنا من الانتفاع...". (جامع الأمهات لابن الحاجب ص: 238)
اقرأ(ئي) النص واستخرج(ي) منه:
- الحكمة من منع بعض صور بيوع الآجال.
- حكم بيع وسلف وصورته.
الإعداد القبلي
اقرأ(ئي) متن الدرس القادم واستخرج(ي) منه:
- حكم بيع السلعة إلى أجل ثم شراء بعضها من نفس المشتري.
- حكم بيع السلعة إلى أجل ثم شراء بعضها مع سلعة أخرى من نفس المشتري.