
درس في التفسير سورة الإسراء: الآيات (49 - 55) من كتاب التفسير من خلال المحرر الوجيز فـي تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، للسنــة الثانية مـن التـعليم الثانـوي العـتيق المرحلة 2 (الدرس 14).
أهداف الدرس
- أن أتعرف دلائل قدرة الله على البعث وإبطال شبهات المنكرين له.
- أن أستنتج من الآيات بعض آداب الخطاب، وحسن معاملة الناس.
- أن أرسخ إيماني بالبعث والنشور، فأتزود بالأعمال الصالحة للحياة الأخروية.
تمهيد
بعد أن تحدث الحق سبحانه في الإلهيات والنبوات، تحدث في هذه الآيات عن بعض القضايا السمعية، فبين سبحانه بعض شبهات المنكرين للمعاد، وأبطلها بالبراهين العقلية الدامغة الدالة على وقوعه، موجها عباده المؤمنين بأن يحاجوا غيرهم ويجادلوهم باللين، ولا يغلظوا لهم في القول، فإن الكلمة الطيبة تجذب النفوس، وتميل بها إلى الاقتناع.
فكيف أبطل القرآن الكريم شبهات المنكرين للبعث؟ وما هي الآداب الإسلامية في مخاطبة الناس عموما والمخالفين في الدين على وجه الخصوص؟
الآيات
سورة الإسراء الآيات 49-55
الفهم
الـشـرح
ما تكسر وبلي من كل شيء كالفتات.
صفة لما قرب حدوثه من الأشياء.
أوجدكم.
النزغ حركة الشيطان بسرعة ليوجب فسادا.
استخلاص المضامين
- ما موقف المشركين من البعث؟ وما هو الرد القرآني عليهم؟
- بم أمر الله المومنين في تعاملهم مع الناس؟
التفسير
اشتملت هذه الآيات على ما يأتي:
أولا: شبهات المنكرين للبعث وإبطال الله لها بالأدلة الدامغة
قال تعالى:
هذه الآية في إنكار كفار قريش للبعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد للإحياء بعد الموت.
والرفات ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفاتا كحطام وفتات. وقال ابن عباس: رفاتا غبارا. وقال مجاهد: ترابا. و
صفة لما قرب حدوثه من الأشياء، يوصف به المذكر والمؤنث.
وتدل هذه الآية على إنكارهم للبعث والحساب واستبعادهم لوقوعه؛ لأنهم يستبعدون أن تعود الحياة إلى العظام البالية، فيخلق منها خلق جديد.
وقد أمر الله نبيه بالرد على هؤلاء المنكر ين للبعث بقوله:
أي: قل لهم يا محمد: لا تكونوا فقط عظاما ورفاتا، بل كونوا حجارة أو حديدا إن استطعتم أن تكونوا هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي، فلا بد من بعثكم؛ لأن الله قادر على إحيائكم من جديد.
وقوله تعالى:
قيل: المراد بالخلق الذي يكبر في الصدور: السماوات والأرض والجبال. وقيل: المراد به الموت. وقيل: أي شيء يعظم عند الناس مما هو أكبر من الحجارة والحديد. بمعنى أن الله عز وجل سيبعثكم لا محالة مهما افترضتم أنفسكم من الأشياء التي لا تقبل الحياة. وهذا هو الذي رجحه الطبري، وهذا هو الأصح؛ لأنه بدأ بشيء صلب وهو الحجارة، ثم ذكر على سبيل الترقي الأصلب منه وهو الحديد، ثم أحال على ما يفترضون في فكرهم ويخطر ببالهم من الأشياء التي هي أشد من الحديد، فلا وجه لتخصيص شيء دون شيء. أي: افرضوا ذواتكم شيئا من هذه فإنه لا بد لكم من البعث على أي حال كنتم. [البحر المحيط، لأبي حيان: 63/7]
وقوله تعالى:
أي: أنهم يقولون على سبيل الإنكار: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر شديدا؟
احتج عليهم عز وجل بالخلق الأول على إمكانية الخلق الثاني. قال ابن كثير: أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا، ثم صرتم بشرا تنتشرون؛ قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال
[الروم: 27] . [ تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 5 /85 ].
ثم قال تعالى:
أي: فسيحركونها: يرفعونها ويخفضونها على جهة التـكذيب والاستهزاء.
أي: متى البعث؟ وهذا أيضا قالـوه استهـزاء.
قال الطبري وابن سلام:
من الله تفيد الوجوب، بمعنى أن البعث قريب. قال ابن عطية: وهذه إنما هي من النبي عليه السلام، ولكنها بأمر الله، فيقربها ذلك من الوجوب. وكذلك قال عليه السلام "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وفي ضمن اللفظ توعد لهم.
ثم قال تعالى:
قوله:
بدل من الضمير المستتر في
من قوله:
. وفتحته فتحة بناء لأنه أضيف إلى الجملة الفعلية، ويجوز أن يكون ظرفا لـ
أي: يكون يوم يدعوكم، وفتحته فتحة نصب على الظرفية
وقوله:
معناه: يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور لقيام الساعة.
وقوله سبحانه:
أي: بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة، وقوله:
حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: معناه: بأمره. وكذلك قال ابن جريج. وقال قتادة: معناه: بطاعته ومعرفته. وهذا كله تفسير لا يعطيه اللفظ، ولا شك أن جميع ذلك بأمر الله تعالى، وإنما معنى
إما أن جميع العالمين يقومون وهم يحمدون الله لما يظهر لهم من قدرته، وإما أن قوله:
هو كما تقول لرجل خصمته وحاورته في علم: قد أخطأت بحمد الله، فكأن النبي ZGN صلى الله عليه وسلم يقول لهم في هذه الآيات: عسى أن الساعة قريبة، يوم تدعون فتقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله على صدق خبري. وقد نحا هذا المنحى ابن جرير الطبري.
وقوله تعالى:
يحتمل معنيين:
أحدهما: أنه أخبر أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة وتصرف الأجساد، وقع لهم ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلا لمغيب علم مقدار الزمن عنهم؛ إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا؛ إذ هم لا محالة أشد مفارقة لها من النائمين. وعلى هذا التأويل عول الطبري، واحتج بقوله تعالى:

[المؤمنون: 113 - 114].
ثانيهما: أن يكون الظن بمعنى اليقين، فكأنه قال لهم: يوم تدعون فتستجيبون بحمد الله، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلا، من حيث هو منقض منحصر. وهذا كما يقال في الدنيا بأسرها: متاع قليل، فكأنه قلة قدر. على أن الظن بمعنى اليقين ضعيف هنا؛ لأنه في شيء قد وقع، وإنما يجيء الظن بمعنى اليقين فيما لم يخرج بعد إلى الكون والوجود.
وفي الكلام تقوية للبعث، كأنه يقول: أنت أيها المكذب بالحشر، الذي تعتقد أنك لا تبعث أبدا، لا بد أن تدعى للبعث، فتقوم وترى أنك إنما لبثت قليلا منقضيا منصرما. وحكى الطبري عن قتادة أنهم لما رأوا هول يوم القيامة احتقروا الدنيا فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلا.
ثانيا: أمر الله المؤمنين بحسن الآداب، وإلانة القول
بعد حكاية أقوال المشركين وضلالهم العقدي، أمر المؤمنين بأن يقولوا قولا حسنا يعرب عن صفاء عقيدتهم وحسن سريرتهم، قال تعالى:
اختلف النحويون في قوله:
فمذهب سيبويه أنه جواب شرط مقدر تقديره: وقل لعبادي إنك إن تقل لهم يقولوا. وهذا على أصله في أن الأمر لا يجاب، وإنما يجاب معه شرط مقدر. ومذهب الأخفش: أن الأمر يجاب، وأن قوله هاهنا:
إنما هو جواب قل
واختلف الناس في
فقالت فرقة: هي لا إله إلا الله. ويلزم على هذا أن يكون قوله:
يريد به جميع الخلق؛ لأن جميعهم مدعو إلى لا إله إلا الله. ويجيء قوله بعد ذلك
غير مناسب للمعنى إلا على جعل "بينهم" بمعنى خلالهم وأثناءهم، ويجعل النزغ بمعنى الوسوسة والإضلال. وقال الجمهور:
هي المحاورة الحسنى بحسب المعنى، قال الحسن: يقول: يغفر الله لك، يرحمك الله.
وقوله
خاص بالمؤمنين، فكأن الآية بمعنى قوله عليه السلام: "وكونوا عباد الله إخوانا" [ صحيح البخاري، كتاب الآداب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر].
ثم اختلفوا، فقالت فرقة: أمر الله المؤمنين فيما بينهم بحسن الآداب وخفض الجناح وإلانة القول واطراح نزغات الشيطان. وقالت فرقة: إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين بإلانة القول للمشركين بمكة. ونظير هذه الآية قوله:
[النحل: 125] وقوله:
[العنكبوت: 46].
ثم علل الأمر بقول التي هي أحسن بقوله:
والمقصود من هذا التعليل أن لا يستخفوا بفاسد الأقوال فإنها تثير مفاسد من عمل الشيطان، الذي قد يلقي بينهم الفساد، ويغري بعضهم على بعض؛ فتقع بينهم العداوة والبغضاء؛ إذ النزغ: حركة الشيطان بسرعة ليوجب فسادا. فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار" [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم].
ثم بين سبب نزغ الشيطان للإنسان بقوله:
أي: إن بين الشيطان والإنسان عداوة قديمة مستحكمة كمـا قـال تعالـى حكايـة عـن الشيطـان:
[الأعراف: 16] وقـال:
[الحشر: 16]
ثم ختم الله تعالى هذه الآية بما فيه تقرير وتعليل لما سبق بقوله:
هذه الآية تقوي أن التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة، وذلـك أن هـذه المخاطبـة في قولـه:
هـي لكـفـار مكـة بدليل قـولـه:
فكأن الله عز وجل أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا الكفار في الدين، ثم قال للكفار: إنه أعلم بهم، ورجاهم وخوفهم. ومعنى
أي: بالتوبة عليكم من الكفر، قاله ابن جريج وغيره. ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فإنما عليك البلاغ، ولست بوكيل على إيمانهم ولا بد، فتتناسب الآيات بهذا التأويل.
ثـم قـال تبـارك وتعالـى لنبيه صلى الله عليه وسلم:
قوله:
الباء متعلقة بفعل تقديره: علم بمن في السماوات، ذهب إلى هذا أبو علي الفارسي؛ لأنه لو علقها بـ
لاقتضى أنه ليس بأعلم بغير ذلك. قال ابن عطية: وهذا لا يلزم، ويصح تعلقها بـ
ولا يلتفت لدليل الخطاب.
وقوله تعالى:
أي: هو الذي فضل بعض الأنبياء على بعض بحسب علمه فيهم. وهذه إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى استبعاد قريش أن يكون الرسول بشرا. والمعنى: لا تنكروا أمر محمد عليه السلام وإن أوتي قرآنا، فقد فضل النبيون قبله وأوتي داود زبورا، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وتفضيل بعض الرسل هو إما بهذا الإخبار المجمل دون أن يسمى المفضول، وعلى هذا يتجه لنا أن نقول: محمد صلى الله عليه وسلم أفضل البشر. وقد نهى عليه الصلاة السلام عن تعيين أحد منهم في قصة موسى ويونس. وإما أن يكون التفضيل مقسما فيهم: أعطي موسى التكليم، ومحمد صلى الله عليه وسلم الخمس، وعيسى الإحياء، فكلهم مفضول على وجه فاضل على الإطلاق.
وقرأ الجمهور:
بفتح الزاي، وهو فعولٌ بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجئ إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش (زبورا) بضم الزاي، وله وجهان:
- أحدهما: أن يكون جمع زبور بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف.
- وثانيهما: أن يكون جمع زبر مثل قشر وقشور، بمعنى المزبور، كأن ما جاء به داود جزئ أجزاء كل جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال: آتينا داود كتبا. ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر؛ لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيرا، ومن هذا قول النبي ﷺ في آخر كتاب مسلم: "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له" [صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار]، قال قتادة: زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.
ثالثا: مقاصد الآيات
ترشد هذه الآيات إلى تحقيق جملة من المقاصد التربوية، منها:
- التأكيد على وقوع البعث وإحياء الناس بعد الموت بالأدلة والبراهين، وتفنيد شبهات المنكرين للبعث الذين يستبعدون إحياء من أصبح عظاما ورفاتا؛ لأن عقولهم لا تقبل ذلك قياسا على قدرة المخلوقين المحدودة.
- إثبات البعث ليس مقصودا في ذاته، وإنما لما يترتب على الاعتقاد به من تقويم السلوك وإصلاح الجوارح وتقديم فعل الخير والطاعات لذلك اليوم العظيم .
- الأمر بالتأدب في الكلام مع الناس وخفض الجناح وإلانة القول لهم سواء في معاملة بعضهم بعضا أو في مجادلتهم للمشركين.
- من التوجيهات القرآنية في معاملة المخالف في الدين ألا تطعن في دينه أو تسب معبوده أو تقطع له بمصيره في الآخرة، بل تقول:
ولا شك أن هذا الأسلوب في الخطاب أسلوب حكيم يسهم في التقارب والإصغاء، ويعزز الثقة ويساعد على الدعوة إلى الله ونشر دينه.
التقويم
- أستخرج الشبهة التي استند إليها المشركون لإنكار البعث.
- أستخلص من الآيات دلائل وقوع البعث والنشور.
- ما معنى الدعاء والاستجابة في قوله تعالى:

الاستثمار
قال تعالى:
[آل عمران: 159].
وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون:
[طه: 43].
وقال سبحانه:
[الأنعام: 109].
وقال تعالى:

[النحل: 125]
أتأمل الآيات وأجيب عن الآتي:
- ما علاقة الآيات بموضوع الدرس؟
- ما هي آثار التأدب في الخطاب بين المسلمين، وبينهم وبين غيرهم؟
الإعداد القبلي
أتأمل الآيات: 56 - 60 من سورة الإسراء وأجيب عن الآتي:
- أبحث عن مدلولات العبارات الآتية:




- أبحث عن الحكمة من عدم تخصيص الله تعالى قريشا بآية من آياته مثل الأمم السابقة.
- أوضح معنى قوله تعالى:
مستعينا بمكتسباتي المعرفية.