
درس في تفسير سورة الإسراء، الآيات (41 - 44) من كتاب التفسير من خلال المحرر الوجيز فـي تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، للسنــة الثانية مـن التـعليم الثانـوي العـتيق المرحلة 2 (الدرس 12)
أهداف الدرس
- أن أتمثل أن القرآن الكريم فيه تذكير لأولي الألباب.
- أن أستنتج ما تشير إليه الآيات من الدلائل العقلية على وحدانية الله.
- أن أستحضر أن الكون كله يسبح بحمد الله تعالى.
تمـهـيــــد
بعد أن نبه سبحانه على فظاعة فعل من جعل لله شريكا ونسب إليه الولد، أتبع ذلك ببيان أنه قد ضرب في القرآن الأمثال للناس ليتدبروا ويتأملوا فيها، إلا أن ذلك ما زادهم إلا نفورا عن الحق، محتجا عليهم بأنه لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعمون لنازعته في ملكه كما هي عادة الشركاء، وكيف يكون ذلك وكل ما في السموات والأرض يسبح بحمد الله، بدلالة أحوالها على توحيده، وتقديسه وكمال قدرته، ولكنهم لجهلهم وغفلتهم لا يدركون تلك الدلائل الظاهرة.
فكيف يكون القرآن مذكرا وهاديا للناس؟ وما هي دلائل وحدانية الله في هذه الآيات؟ آخر؟
الآيـــات

الفهم
الـشـرح
- صرفنا: صرفنا وبينا فيه الحكم والمواعظ.
- ليذكروا: ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم.
- نفورا : النفور شدة الإعراض.
استخلاص المضامين
- ما الغاية من تنزيل القرآن الكريم بأحكامه وحكمه وأمثاله؟
- كيف رد الله عمن يجعل له شريكا ويعتبر الملائكة بنات الله؟
التفسير
اشتملت هذه الآيات على ما يأتي:
أولا: تنزيل القرآن الكريم للتذكر والاعتبار
لما ذكر الله عز وجل فظاعة قول المشركين بأن الملائكة بنات الله، أعقب ذلك بأن في القرآن هديا كافيا، ولكنهم لا يزدادون إلا نفورا من تدبره. قال تعالى:
قرأ الجمهور
بتشديد الراء على معنى صرفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن (صرفنا) بتخفيف الراء على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله. وقال بعض من شدد الراء إن قوله:
زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف.
وقوله سبحانه:
وهي قراءة الجمهور، أصله " يتذكروا " فأدغمت التاء في الذال لتقارب مخرجيهما، وقرأ حمزة والكسائي (ليذكروا) بسكون الذال وضم الكاف.
وضمير
عائد إلى معلوم من المقام دل عليه قوله:
[الإسراء: 40]
أي: ليذكر الذين خوطبوا بالتوبيخ في قوله:
[الإسراء: 40]
فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، أو من خطاب المشركين إلى خطاب المؤمنين.
وجملة
في موضع الحال، وهو حال يقصد منه التعجيب من حال ضلالتهم. والنفور عبارة عن شدة الإعراض تشبيها بنفور الدابة، وقد استعير هنا لإعراضهم تنزيلا لهم منزلة الدواب والأنعام.
ثانيا: تنزيه الله عما ينسب إليه المشركون من الشريك والولد
قال تعالى:
عاد القرآن الكريم إلى إبطال تعدد الآلهة زيادة في استئصال عقائد المشركين. والمخاطب بالأمر بالقول هو النبي صلى الله عليه وسلم لدمغهم بالحجة المقنعة بفساد قولهـم. وللاهتمـام بها افتتحت بـ
تخصيصا لهذا بالتبليغ وإن كان جميع القرآن مأمورا بتبليغه. وجملـة
معترضة للتنبيه على أن تعدد الآلهة لا تحقق له، وإنما هو مجرد قول مزعوم عار عن المطابقة لما في نفس الأمر. [التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور: 110/15]
وقد اختلف الناس في معنى قوله:
فقال بعض المفسرين: إن معناه لو كان معه آلهة كما تقولون لطلب هؤلاء الآلهة الزلفى والقربة إلى الله تعالى بطاعته، ولطلبت لأنفسها المراتب العالية، والدرجات الشريفة من الأحوال الرفيعة، فيكون السبيل على هذا التأويل بمعناه في قوله:
فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلا إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله.
وقال آخرون: إن معنى الكلام: لو كان معه آلهة كما تقولون لابتغوا إليه سبيلا لكي ينازعوه في ملكه ويقاسموه إياه، كما هي عادة الشركاء في السعي إلى إفساد ملك شريكهم ومضاهاته في قدرته.
وعلى هذا التأويل تكون الآية بيانا للتمانع، وجارية نظير قوله:

ومع وجاهة الرأيين، إلا أن الرأي الثاني أظهر؛ لأن في الآية فرض المحال، وهو وجود الآلهة مع الله تعالى، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها تتقرب إليه سبحانه، بل الذي يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة. وهذا الرأي هو الذي يتناسب مع قوله تعالى بعد ذلك:

ولما أقام الله عز وجل الدليل القاطع على أن القول بإثبات الآلهة قول باطل، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال تعالى:
في ـقوله:
مصدر لفعل محذوف، ولذلك عطف الفعل عليه في قوله:
والتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به.
وقوله:
التعالي تفاعل إما في الشاهد والأجرام فهو من اثنين؛ لأن الإنسان إذا صعد في منزلة أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو يعالي ويرتقي. وإما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى شيء آخر، فلا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة.
وقوله:
قرأ حمزة والكسائي (تقولون) بتاء خطاب، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو
بالياء.
وقوله تعالى:
علوا اسم مصدر على غير الفعل، فهو كقوله:
[ نوح: 17 ]
وهذا كثير في لسان العرب.
ثم قال تعالى:
أي: ينزهه عن هذه المقالة التي لكم والاشتراك الذي أنتم بسبيله
ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله:
يريد الملائكة والإنس والجن. ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها في قوله:
أي: ينزه الله ويحمده ويمجده.
واختلف أهل العلم في كيفية التسبيح: فقيل: المراد بالتسبيح معناه المجازي، أي: إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر واستدلوا بقوله تعالى:
وقيل:
لفظ عام مراد به الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة. ومن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان (أي المائدة من الخشب) يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة. يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خوانا مدهونا أو نحوه صارت جمادا.
وقيل: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه. ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمرا مفقوها، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. وأجاب ابن عطية عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله:
الكفر والغفلة، أي: إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء.
وقوله تعالى:
فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي: تقولون قولا ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، إنه كان حليما غفورا فلذلك أمهلكم.
ثالثا: مقاصد الآيات
تهدف هذه الآيات إلى تحقيق جملة من المقاصد التربوية منها:
- الأمر بتدبر القرآن الكريم والاعتبار به وبما جاء فيه من أحكام وحكم ومواعظ، لكن المشركين لا يتعظون به ولا يزيدهم القران إلا نفورا؛ لأن قلوبهم انحجبت بالشرك والمعاصي والبعد عن الله.
- الإيمان بوحدانية الله تعالى الثابتة بالأدلة والبراهين العقلية.
- وحدانية الله تقتضي تسبيحه وتنزيهه عن كل ما لا يليق به جل وعلا، هذا التسبيح الذي تمارسه كل المخلوقات بلسانها أو بحالها.:
- هذا التسبيح والتنزيه يقتضي من المكلف عبادة الله والخضوع والانقياد لشرعه باختياره، وهي غاية خلق الإنسان، يقول الشاطبي: " المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا " [الموافقات للإمام الشاطبي: 289/2].
التقـويم
- أوضح غاية تنزيل القرآن من خلال الآية الأولى.
- ما معنى:

- ما هي أقوال المفسرين في المراد بالتسبيح في الآية؟
الاستثمار
قال ابن عطية رحمه الله: " وَنَقتَضِبُ شَيْئاً مِنَ الدَّليلِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَهٌ غَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَ أَبُو المَعَالِي وَغَيْرُهُ: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَاهُ، لفَرَضْنَا أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا تَسْكِينَ جِسْمٍ والآخرُ تَحريكَهُ، وَمُسْتَحِيلٌ أن تَنفُذَ الإِرَادَتَانِ، وَمستَحيلٌ ألاَّ تَنفذَا جَميعاً، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحِّرِّكاً، وَلَا سَاكِناً، فَإِنْ صَحَّتْ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ، فَالَّذِي لَم تَتمَّ إِرَادَتُهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ. فَإِنْ قِيلَ: نَفرِضُهُمَا لاَ يَختَلفَانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُمَا جَائزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلاً، وَالجَائِزُ فِي حُكْمِ الوَاقعِ. وَدَليلٌ آخَرُ: أنَّه لَوْ كَانَ الاثنَانِ، لَم يَمتَنِعْ أنْ يكُونُوا ثَلاَثَةً، وَكَذَلكَ وَيَتَسَلْسَلُ إِلَى مَا لاَ نهَايَةَ لَه. وَدَليلٌ آخَرُ: أنَّ الجُزْءَ الَّذِي لاَ يَتَجَزَّأُ منَ المُخْتَرَعَاتِ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ إِلاَ قُدْرَةٌ وَاحدَةٌ لاَ يَصحُّ فِيهَا اشْتِرَاكٌ، والآخَرُ كَذَلكَ دَأباً، فَكُلُّ جُزْءٍ إنَّمَا يَختَرعُهُ وَاحِدٌ. وَهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرحُهَا بحَسَبِ التَّقَصِّي يَطُولُ". [المحرر الوجيز لابن عطية: 459/3].
أتأمل النص وأجيب عن الآتي:
- ما العلاقة بين مضمون النص والآيات موضوع الدرس؟
- أوضح الأدلة الثلاثة على وحدانية الله الواردة في النص مستعينا بالقواعد المنطقية.
الإعداد القبلي
أتأمل الآيات: 45 - 48 من سورة الإسراء وأجيب عن الآتي:
- أبحث عن مدلولات العبارات الآتية:






- أبحث عن أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى:

أوضح معنى قوله تعالى:
مستعينا بمكتسباتي النحوية والبلاغية.