
سبق أن عرفت أن الصلح على نوعين: صلحٍ على الأموال، وصلحٍ على الدماء؛ فمن الصلح على الأموال ما يقع من أحد الورثة أو من أحد الشركاء، ومنه أن يستهلك شخص لرجل مثلا شيئا من العروض أو الطعام أو الحيوان فيصالحه على شيء مؤخر من جنسه أو غير جنسه.
فما حكم صلح أحد الورثة أو أحد الشركاء ؟ وما حكم الصلح على الشيء المستهلك بالشيء المؤخر ؟
درس في مادة الفقه، حول أحكام صلح أحد وارثين أو شريكين ، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس الخامس عشر، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق.
أهداف الدرس
- 1. تعرُّف حكم مصالحة أحد وارثين.
- 2. إدراك أحكام الصلح من أحد الشريكين.
- 3. تمثُّلُ هذه الأحكام في المعاملات.
الـمتن
قال الشيـخ خلـيل رحمه الله: «وَإِنْ صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَيْنِ وَإِنْ عَنْ إنْكَارٍ فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ: كَحَقٍّ لَهُمَا فِي كِتَابٍ أَوْ مُطْلَقٍ إلَّا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ إلَّا أَنْ يَشْخَصَ، وَيُعْذِرَ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوِ الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضى، أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْنِ وَفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا وَكُتِبَ فِي كِتَابٍ: قَوْلَانِ وَلَا رُجُوعَ إنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وَإِنْ هَلَكَ، وَإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِينِهِ فَلِلْآخَرِ إسْلَامُهَا، أَوْ أَخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، وَيَرْجِعُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ خَمْسَةً، وَإِنْ صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلَكٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِدَرَاهِمَ: كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، أَوْ ذَهَبَ كَذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ...، وَإِنْ صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوضِحَتَيْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ وَبِدِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَهَلْ كَذَلِكَ إنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلَانِ.
الفـهـم
الشرح
يَشْخَصَ: يقال: شخص يشخص من باب علم أو ضرب: إذا خرج بشخصه مسافرا.
يُعْذِر: مضارع أَعذر الرُّباعي، أَي يَقْطع العُذْر.
الْوَكَالَةِ: إقامة شخص غيره مقام نفسه مطلقا، أو مقيدا.
شِقْصٍ: - بكسر الشين المعجمة وسكون القاف فصاد مهملة- أي جزء من عقار مشترك.
المُوضِحَة: - بضم الميم وكسر الضاد المعجمة وفتح الحاء المهملة والفوقية- جرح أظهَر العَظم.
استخلاص مضامين المتن
- 1. أستخرج من المتن متى يدخل الوارث في المصالحة مع صاحبه ومتى لا يدخل ؟
- 2. أستخرج من المتن ما يترتب على المصالحة بالشقص في الموضحة
التحليل
يشتمل هذا الدرس على المحاور الآتية:
أولا: حكم مصالحة أحد وارثيْن
قال المصنف رحمه الله: «وَإِنْ صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَيْنِ وَإِنْ عَنْ إنْكَارٍ فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ: كَحَقٍّ لَهُمَا فِي كِتَابٍ، أَوْ مُطْلَقٍ إلَّا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ إلَّا أَنْ يَشْخَصَ، وَيُعْذِرَ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ أَوِ الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضِي، أَوْ يَكُونُ بِكِتَابَيْنِ وَفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا، وَكُتِبَ فِي كِتَابٍ: قَوْلَانِ» إذا صالح أحد ولدين- مثلًا- وارثيْن شخصًا خليطًا لأبيهما ادعى عليه هذا الوارث مالًا لأبيه من تجارة أو وديعة فأقر بذلك أو أنكره فللوارث الآخَر حالات هي:
- أحدها: أن يدخل معه فيما صالح به عن نصيبه سواء أكان ذهبا أو فضة أو عرضا.
- ثانيها: أن لا يدخل معه ويطالب بحصته كلها في حالة الإقرار وله ترك كله، وله المصالحة بدون ما صالح صاحبه أو أكثر، وأما في حالة الإنكار فإن كانت له بينة أقامها وأخذ حظه أو تركه أو صالح بما يراه صوابًا، وإن لم تكن له بينة فليس له على غريمه إلا اليمين ويرجع المصالح على الغريم بما أخذ منه إن دخل معه غير المصالح، فهما كأحد الشريكين في أن أحدهما مخيّر في الدخول فيما صالح به شريكُه عن نصيبه مِن إرْث أو غيره مكتوب في كتاب أو مطلق عن الكتابة ما لم يكن طعاما فقد استثناه في المدونة وترددوا في وجه استثنائه فقيل مستثنى من آخر المسألة فلا يجوز له السفر لقبض نصيبه منه؛ لأن ذلك قسمة للطعام وهي بيع فيلزم بيعه قبل قبضه وهو لا يجوز.
- ثالثها: يمتنع الدخول مع صاحبه فيما صالح: وذلك على النحو الآتي:
- أن يكون المدين ببلد غير بلد أرباب الدين فيسافر له بذاته ويخرج لاقتضاء نصيبه ويعذر إلى شريكه الذي لم يخرج عند الحاكم أو بحضور بينة في الخروج معه لاقتضاء نصيبه أو الوكالة له أو لغيره في اقتضاء نصيبه فيمتنع من ذلك، والمدار على الإعذار، وإن لم يكن سفرًا، ولا دخول لصاحبه معه فيما اقتضى؛ لأن امتناعه من الشخوص معه ومن التوكيل دليل على عدم دخوله معه وأنه رضي باتباع ذمة الغريم الغائب.
- أن يكون الحق المشترك بينهما مكتوبا باعاه صفقة واحدة أولاً بكتابين؛ أي كتب كل منهما نصيبه بكتاب منفرد ثم اقتضى أحدهما حقه أو بعضه فليس للآخر الدخول معه فيما اقتضى؛ لأن كَتْبهما المشترك بكتابين كالمقاسمة.
- أن يكون الحق ليس مشتركا بينهما بل كل منهما له شيء خاص به لكن باعاه معًا بثمن واحد لا بثمنين وكَتْبِ ثمنه في كتاب واحد ففي دخول أحدهما فيما اقتضاه الآخر قولان بناء على أَنَّ جمعهما في كتاب واحد هل يصرهما كمُشْتَرَك أو لا.
وما هنا من التفصيل في اختلاف الجنس والصفة والقدر ضعيف قال الدسوقي: والمعتمد أَن المدار في موضوع الخلاف على بيعهما بثمن واحد في عقد واحد سواء اتفقا في الجنس والصفة أو اختلفا فيهما أو في القدر والحال أن الثمن كتب في كتاب واحد.
ثانيا: رجوع أحد الشريكيْن في الصلح على الآخر
لأحد الشريكين مع الآخَر حالان:
- أن يختار ما على الغريم فلا رجوع؛ لقول المصنف: «وَلَا رُجُوعَ إنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وَإِنْ هَلَكَ» أي ولا رجوع لأحد الشريكين على الآخر فيما قبضه من الغريم إن اختار تسليم ذلك له واتباعه ما على الغريم، وإن هلك الغريم نفسه أو ما بيده؛ لأن اختياره اتباع الغريم كالمقاسمة ولا رجوع له بعدها، فإن قيل: هذا تكرار مع قوله: «وإن لم يكن غير المقتضى» إذ يفيد أحدهما ما يفيده الآخر أجيب بأن ما مرّ لم يكن غير المقتضى حين الخروج، والهلاك هنا حصل بعد اختيار اتباع الغريم، وبأن ما مر فيما إذا قبض أحدهما بإذن الآخر له في الخروج وأعذر له في الخروج أو الوكالة فيمتنع، وهنا قبض بغير إذنه ثم أمضى قبضه واختار اتباع الغريم.
- أن يخير بين الدخول معه فيما صالح به والترك؛ لقول المصنف: «وَإِنْ صَالَحَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِينِهِ، فَلِلْآخَرِ إسْلَامُهَا، أَوْ أَخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، وَيَرْجِعُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ خَمْسَةً» أي إِنْ كان لِشريكيْن مائة على مَدين وصَالَح أَحَدُهما على عشرة بدل خمسينه وقبضها فللآخَر الذي لم يصالح إسلام-ترك- العشرة للمصالِح ويتبع الغريم بخمسينه أو أخذ خمسة من شريكه المصالح ويرجع الذي لم يصالح على الغريم بخمسة وأربعين تمام خمسينه ويأخذ الآخر المصالح من الغريم خمسة، وأما التفريق بين حال الصلح على الإنكار والصلح على الإقرار فقد نوقش بما يعلم من حاشية البناني وشرح عليش.
ثالثا: حكم المصالحة على شيء مستهلَك وموضِحتيْن
1. المصالحة على مستهلَك بمؤخَّر
قال المصنف رحمه الله: «وَإِنْ صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلَكٍ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِدَرَاهِمَ؛ كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ أَوْ ذَهَبَ كَذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ».
مَن استهلَك لِرجُل شيئا مِن العروض أو الطعام أو الحيوان فصالحه على شيء مُؤَخَّر من جنسه أو غيره لم يجز صلحه به؛ لأنه فسخ دين في دين؛ إذ باستهلاكه لزم المستهلِك القيمة حالّةً فأخذ عنها مؤخرًا وقد علمت أن فسخ الدين في الدين إنما يمتنع في غير جنسه أو في جنسه بأكثر فلو سَلِم الصلح عن ذلك جاز.
وهنا مسألتان: أشار إليهما المصنف بقوله: «إلَّا بِدَرَاهِمَ؛ كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، أَوْ ذَهَبٍ كَذَلِكَ» أي إلا أن يصالحه بدراهم مؤخرة وهي كقيمة المستهلك فأقل منها فيجوز؛ إذ حاصله أنه أنظره بالقيمة وهو حسن اقتضاء، أو صالحه على ذهب كذلك أي قدْرِ قيمته فأقلَّ مؤَخّرٍ فيجوز، والعلة ما سبق، فإن كانت أكثر من قيمته منع لأنه سلف جر نفعًا.
وأشار لشرط الجواز في المسألتين بقوله: «وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ» أي أن المستهلك لا قيمته مِما يجوز بيعه بالمال المصالَحِ به من الدراهم أو الذهب احترازًا عما لو كان المستهلك ذهبًا فصالح عنه بفضة أو عكسه فيمنع للصرف المؤخر، واحترازا أيضا عما لو كان المستهلك طعامًا مكيلا فلزمه مثله فيمنع أن يأخذ عنه شيئًا مؤخرًا لأنه فسخ دين في دين.
2. المصالحة على موضِحتي عمد وخطأ
قال المصنف رحمه الله: «وَإِنْ صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوضِحَتَيْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ وَبِدِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَهَلْ كَذَلِكَ إنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلَانِ» إن صالح جانٍ عن إقرار مَجنيًّا عليه بشِقص عن موضحتي عمد وخطأ وأراد شريكُه الأخذَ بالشفعة، وقيمة الشقص عشرون - مثلا- فالشفعة بنصف قيمة الشقص وهي عشرة، وبدية الموضحة الخطأ؛ أي يدفع الشفيع للمجني عليه نصف قيمة الشقص وهو عشرة في المثال المذكور في مقابلة العمد؛ لأنه ليس فيه مال مقدر، ويدفع له أيضًا دية الموضحة الخطأ وهو نصف عشر الدية الكاملة وهو خمسون دينارًا.
ثم قال المصنف رحمه الله: «وَهَلْ كَذَلِكَ إنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلَانِ» أي هل كذلك يقسم ما قابل المعلومَ والمجهول نصفين إن اختلف الجرح كنفس ويد وهو قول عبد الحكم، أو أنه عند اختلاف الجرح يجعل الشقص على قدر ديتهما فيأخذ الشفيع الشقص بخمسمائة دينار وبثلثي قيمة الشقص إن كان القطع هو الخطأ والقتل عمدًا؛ لأن دية اليد الخطأ خمسمائة، ودية النفس لو كانت خطأ ألف وإذا نسبت خمسمائة لمجموع ألف وخمسمائة كانت ثلثا فيغرم الخمسمائة دية الخطأ ويغرم في مقابلة النفس العمد ثلثي قيمة الشقص، وعلى هذا قس في عكس ذلك يأخذ لشفعة بدية النفس وبثلث قيمة الشقص «تأويلان».
من مقاصد الدرس الحث على الصلح بين كل أفراد الأمة تأليفا للقلوب، واستمرارا للتعايش السلمي الآمن الذي لا ينطوي على الأحقاد والإحن والكراهية، وتضييقا لمسالك الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
التقويم
- 1. أبين حكم مصالحة أحد وارثيْن دون الآخر.
- 2. أذكر أحكام المصالحة من أحد الشريكيْن.
- 3. أدرك حكم الصلح على شيء مؤخّر.
- 4. أوضح معنى«موضحتي عمد وخطأ» وحكم المصالحة على ذلك.
الاستثمار
قال ابن القاسم رحمه الله: «من صالَح عن موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص من دار فيه الشُّفعةُ بِدِية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشِّقْص؛ لأَنا قَسَمنا الشِّقص على الموضحتيْن وإحداهما معقولة والأُخرى مجهولة».
[التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق 7 /20]
أتأمل هذا النص جيدا وأستخرج ما تضمنه من أحكام وأقارن بينه وبين متن الشيخ خليل.
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأبحث عن الآتي:
- 1. ما حكم مصالحة أحد الوارثين ؟ وما شروط ذلك ؟
- 2. ما حكم مصالحة أحد الشريكين ؟
- 3. ما حكم من استهلك شيئا لغيره فصالحه على شيء مؤخَّر ؟