جبل الإنسان على حب المال فقد قال الله تعالى:

، وذلك قد يدفعه إلى التهرب من حقوق الغير عليه؛ فقد يكون المديان معلوم الملاء ويتظاهر بالعسر، وقد تشهد بعسره بينة، وتشهد أخرى بيسره، وقد يطالب بعض الغرماء بحبس المفلس.
فما العمل عند تظاهر معلوم الملاء بالعسر ؟ وما العمل إذا شهدت بينة بعسر معلوم الملاء ؟ وما العمل عند تعارض بينتين بعسر المفلس ويسره ؟
درس في مادة الفقه، حول وسائل إثبات حال المفلس، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس الخامس، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق.
أهداف الدرس
- 1. تعرف حكم حبس من علم بالملاء ومن شهدت بينة بعسره.
- 2. تعرُّفُ حكم تعارض بينتين في حال المفلس.
- 3. إدراك مقاصد الشرع من هذه الأحكام.
الـمتن
قال الشيخ خليل رحمه الله: «وَفِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ، وَإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ لَمْ يُؤَخِّرْ... وَإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، وَلَا بَاطِنٌ حَلَفَ كَذَلِكَ، وَزَادَ: وَإِنْ وَجَدَ لِيَقْضِيَنَّ، وَأُنْظِرَ. وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ. وَإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَرُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلَاءِ إنْ بَيَّنَتْ. وَأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إنْ طَالَ سِجْنُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَالشَّخْصِ...»
الفـهـم
الشرح
النَّاضِّ:- بالنون والضاد المعجمة المثقلة- النقود الجاهزة ويطلق عليه في التعبير المعاصر المال السائل.
شُهِدَ بِعُسْرِهِ: شهدت بينة بعسر المفلس.
أُنظِر: أُخر دينه.
استخلاص مضامين المتن
- أستخرج من المتن حكم حبس مفلس معلوم الملاء ومن شهدت بينة بعسره.
- أستخرج من المتن حكم تعارض بينتين بعسر المفلس ويسره.
التحليل
أولا: وسائل إثباتُ حالة المفلس وأثر ذلك.
1. حكم من عُلم بالملاء
قال المصنف رحمه الله: «وَفِي حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ، وَإِنْ عُلِمَ بِالنَّاضِّ لَمْ يُؤخَّرْ في إلزام المدين مجهولِ الحال أو ظاهر الملاء- مفلسا أو غير مفلس- بالحلف على عدم الناض (المال السائل) تردد، فإذا كان المدين الممتنع من وفاء ما عليه معلومَ الملاء وأن عنده ناضا من ذهب أو فضة أو غيرهما فإنه لا يؤخر وإن سأل ذلك وأتى بحميل، ولا يحلف على عسره بل يعزر باجتهاد القاضي ليعترف بما عنده؛ إذا تعين التعزير وتأكد للقاضي أنه يخفي ملاءته.
2. حكم من شهدت بينة بعسره.
قال المصنف رحمه الله: «وَإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ حَلَفَ كَذَلِكَ، وَزَادَ: وَإِنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ وَأُنْظِرَ، وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ، وَإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ» إذا شهدت بينة بعسر مجهول الحال وظاهر الملاء مدعي العسر قائلة في شهادتها: إنه لا يُعرف له مال ظاهر ولا باطن فإنه يحلف مع شهادته على مضمون الشهادة؛ بأن يقول في يمينه: والله لا أعلم لي مالا ظاهرا ولا باطنا لاحتمال أن له مالا في الواقع لا يعلمه ويزيد في يمينه: وإن وجدت مالا لأقضين الغرماء حقهم، وذلك قول المصنف: «وَزَادَ: وَإِنْ وَجَدَ لِيَقْضِيَنَّ». وزيادته: وإن وجدت لأقضين ليس شرطا في صحة اليمين، وإنما يزيدها لأجل دفع اليمين عنه في المستقبل إذا ادُّعِي عليه حدوث مال فزيادتها مجرد استحباب؛ لأن الشارع متشوف لترك الخصومات قاله الدسوقي.
وإذا حلف مجهول الحال أو ظاهر الملاء مدعي العسر فإنه لا يحبس بل ينظر باجتهاد القاضي لقوله تعالى:

وذلك قول المصنف: «وَأُنْظِرَ».
قال المصنف رحمه الله: «وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ، وَإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ» من حق المدين سواء كان مجهول الحال أو ظاهر الملاء أو معلوم الملاء أن يُحلِّف ربَّ الدين إن ادعى المدين عليه علم العدم قبل المعاملة ولم يصدقه؛ لأن حبسه حينئذ ظلم، فإن صدقه على أنه عديم فلا يمين ولا حبس، ووجب إنظاره، فإن نكل الطالب حلف المدين أن رب الدين كان يعلم عدمه ولا يحبس، فإن نكل حُبس، وإن سأل رب الدين تفتيش دار المدين أو حانوته ونحوهما ولو كان غير مفلس لعله يجد شيئا من متاعه يباع له ففي إجابته لذلك وعدم إجابته تردد قال ابن ناجي: والعمل عندنا على عدمه، وأما لو طلب رب الدين تفتيش جيب المدين أو كيسه أو نحوهما فإنه يجاب قطعا؛ لأن ذلك أمر خفيف. وتقتييش المنازل وغيرها يخضع لإجراءات مسطرية يحددها القضاء.
3. أثر تعارض البينتين
قال المصنف رحمه الله: «وَرُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلَاءِ إنْ بَيَّنَتْ» إذا شهدت على المدين بينة بالملاء وشهدت له أخرى بالعدم فإن بينة الملاء تقدم إن فصلت سبب الملاء؛ بأن قالت -مثلا-: له مال باطن أخفاه سواء بينت بينة العدم سبب العدم بأن قالت ماله أحرق أو غرق أم لا، وإن لم تبين بينة الملاء ما هو مليء به رجحت بينة العدم بينت وجه العدم أم لا هذا هو الراجح، ولكن الذي به العمل تقديم بينة الملاء وإن لم تبين سببه، والقاعدة: تقديم ما به العمل على المشهور فالأولى للمصنف حذف قوله: «إنْ بَيَّنَتْ»، فإن قيل: شهادة بينة الملاء مستصحبة؛ لأن الغالب الملاء، وبينة العدم ناقلة وهي مقدمة على المستصحبة أجيب بأن الناقلة هنا شهدت بالنفي فقدمت عليها المستصحبة؛ لأنها مثبتة فتقديم الناقلة على المستصحبة مقيد بما إذا لم تشهد الناقلة بالنفي والمستصحبة بالإثبات.
ثانيا: مدة سَجن المفلس
قال المصنف رحمه الله: «وَأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إنْ طَالَ سَجْنُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَالشَّخْصِ» سبق أن المدين المجهول الحال يسجن إلى ثبوت عسره، فإن طال سجنه ولم يثب عدمه فإنه يخرج من السجن عند حلفه على العدم؛ لأن طول سجنه ينزل منزلة البينة الشاهدة بعدمه تنزيلا للمعدوم منزلة الموجود، وهي من القواعد الفقهية المعتبرة عند السادة المالكية، والطول معتبر بقدر الدين قلة وكثرته، وحال الشخص قوة وضعفا؛ إذ للوضع الاجتماعي والصحي اعتبار في تحديد قدر العقوبة من قِبل القضاء. واحترز المصنف بالمجهول من ظاهر الملاء فإنه لا يخرج إلا بشهادة بينة بعدمه.
ويراعى في سجن المدين كرامته وعرضه؛ إذ كونه مدينا لا يعني انتهاك عرضه وإهانة كرامته، فالإنسان مخلوق مكرم في كل الأحوال، وقد قال تعالى:

وحفظ العرض من حفظ النفس، وحفظها من كليات الشريعة ومقاصدها، ولذلك يسجن المدين في مكان تحفظ فيه كرامته وعرضه.
التقويم
- ما العمل إذا كان ظاهر حال المدين الغِنَى وشهدت بينة بعسره ؟
- تأمل الصورتين الآتيتين وبين العمل فيهما مع التعليل والاستشهاد:
- أ. شهدت بينة بيسر مدين وأخرى بعسره.
- ب. طالب دائن بتفتيش منزل المدين.
الاستثمار
أتأمل النص وأقوم بالآتي:
- أستخرج من النص حكم حبس المفلس ومدة ذلك.
- أعد ورقة أعرف فيها بالمازري وكتابه: شرح التلقين
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأبحث عن:
- 1. حالات المفلس وأثرها.
- 2. حكم حبس مفلس شهدت بينة بعسره.
- 3. ما العمل عند تعارض بينتين بعسر المفلس ويسره ؟