
مادة علوم القرآن، التفسير بالرأي وحكمه؛ من كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني، لفائدة تلاميذ السنة الثانية من التعليم الإعدادي العتيق، الدرس العاشر.
أهداف الدرس
- أن أتعرف مفهوم التفسير بالرأي.
- أن أقارن بين أدلة المانعين وأدلة المجيزين للتفسير بالرأي، وأناقشها.
- أن أقتنع بأهمية التفسير بالرأي المحمود في بيان كثير من الأحكام والحِكَم
تمهيد
أنزل الله القرآن الكريم هداية للعالمين، وأمرنا بتدبره، وتعبدنا بإقامة أحكامه، والتخلق بآدابه وهداياته واستخلاص حِكمه، ودعوة الناس إليه، ولا يتم ذلك إلا بفهمه، وقد أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين تفسير آيات كثيرة منه، وأتى بعدهم علماء أجلاء اجتهدوا في فهم نصوص القرآن الكريم وإدراك مقاصدها ومدلولاتها بناء على قواعد وأصول، فظهر بذلك ما اصطلح عليه التفسير بالرأي.
فهل نقتصر على ما أُثِرَ لتفسير القرآن الكريم؟ أو يجوز تفسير ما لم يرد منه بالرأي؟ وما أدلة كلٍّ من المانعين والمجيزين؟
النصوص
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عز وجل بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ» [سنن أبي داود، كتاب العلم، باب الكلام في كتاب الله بغير علم]. قال ابن عطية معلقا على هذا الحديث: «ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم، كالنحو، والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه» [المحرر الوجيز: 1/41].
الفهم
الشرح
يتسور: يبادر إلى تفسير الآية دون علم ونظر.
استخلاص المضامين
متى يكون التفسير بالرأي مقبولا؟ ومتى يكون مردودا؟
التحليل
أولا: مفهوم التفسير بالرأي
يطلق الرأي على الاعتقاد، وعلى القياس والاجتهاد، والتفسير بالرأي هو تفسير القرآن بالاجتهاد. فإن كان الاجتهاد موفقا مستندا إلى ما يجب الاستناد إليه من أصول مرعية وعلوم معتبرة، بعيدا عن الهوى والتعصب، فالتفسير به محمود مقبول، وإلا فمذموم مردود.
ثانيا: حكم التفسير بالرأي
اختلف العلماء في التفسير بالرأي، بين القائلين بالمنع والقائلين بالجواز، ولكل فريق أدلته.
1 . أدلة المانعين للتفسير بالرأي
يستدل المانعون للتفسير بالرأي بأدلة، منها:
- أ. أن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، والقول على الله بغير علم منهيٌّ عنه، فالتفسير بالرأي منهيٌّ عنه. ذلك أن المفسر بالرأي ليس متيقنا أنه مصيب، وقصارى أمره أنه يظن، والقائل بالظن قائل على الله جل جلاله بغير علم. ودليل النهي عن القول على الله تعالى بغير علم قولُه عز وجل:
لكن أجاب المجيزون عن هذا الدليل بِأن القائل بالظن فيما لا يوجد عليه نص قاطعٌ ولا دليلٌ عقليٌّ، إنما يستند إلى علم الله، أي إلى دليل قطعي منه سبحانه على صحة العمل بهذا الظن، كقوله عز وجل:
وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [سنن ابن ماجه، أبواب الأحكام، باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق]. - ب. ما يرويه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا الحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [سنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه].
وأجيب عن هذا الحديث بأجوبة ثلاثة:- أن الحديث محمول على من قال برأيه في نحو مشكل القرآن ومتشابهه، مما لا يُعلَم إلا من طريق النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
- أنه محمول على من قال في القرآن قولا، وهو يعلم أن الحق خلافه، كمن يتأولون القرآن على أهوائهم ليحتجوا به على صحة آرائهم الفاسدة.
- أنه محمول على قول من يأخذ بظاهر الكلام من غير أن يستند إلى نقل، فالنقل لا بد منه لكل مفسر؛ كيلا يقع في الخطإ، أما التوسع في الفهم واستنباط صحيح الآراء فهو خطوة أخرى بعد النقل.
- ج. ما ورد عن الصحابة والتابعين من أنهم كانوا يتحرجون عن القول في القرآن بآرائهم، ومن ذلك:
- ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِرَأْيٍ» [شعب الإيمان للبيهقي، تعظيم القرآن، فصل في ترك المماراة في القرآن].
- وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: «أَنَا لَا أَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئاً» [فضائل القرآن، للقاسم بن سلام الهروي، كتاب فضل القرآن ومعالمه وأدبه، باب تأول القرآن بالرأي وما في ذلك من الكراهة والتغليظ].
- وروي عن الشعبي أنه قال: «ثَلَاثٌ لَا أَقُولُ فِيهِنَّ حَتَّى أَمُوتَ: الْقُرْآنُ، وَالرُّوحُ، وَالرُّؤَى» [جامع البيان في تأويل القرآن، لابن جرير الطبري: 1/87 ]، أي تأويل الأحلام، إلى غير ذلك من الأخبار التي تدل على امتناعهم من أن يقولوا في القرآن بآرائهم.
وأجيب عن ذلك بأمور، منها:
- أن ذلك وَرَعٌ منهم، والورع تركُ ما لا بأس به حذراً من الوقوع فيما به بأس، وأنهم كانوا يتورعون عن التفسير بالرأي إذا قام غيرهم بواجب تفسير القرآن وبيانه.
- أن ذلك مقيد بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يفتي في مسألة برأيه، قالَ ابنُ سيرينَ: «لَمْ يَكُنْ أَهْيَبَ لِمَا لَا يُعْلَمُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ عُمَرَ، وَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِأَبِي بَكْرٍ فَرِيضَةٌ، فَلَمْ يَجِدْ لَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَصْلاً، وَلَا فِي السُّنَّةِ أَثَراً، فَقَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَاباً فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» [التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر العسقلاني، باب أدب القضاء، كتاب القضاء]
2 .أدلة المجيزين للتفسير بالرأي
استدل المجيزون للتفسير بالرأي بأدلة كثيرة، نذكر منها:
- أ. أن الله جل جلاله يقول: استدل المجيزون للتفسير بالرأي بأدلة كثيرة، نذكر منها:
ويقول:
فالله عز وجل حث على تدبر القرآن، والاعتبار بآياته، والاتعاظ بمواعظه، وهذا يدل على أن لأولي الألباب بما لهم من العقل السليم أن يتدبروا ويتأولوا ما لم يستأثر الله بعلمه، والتدبر فرعُ الفهم والتفقه في كتاب الله، والآية الكريمة تدل على أن في القرآن ما يستخرجه أولو الألباب بالفهم والتأويل. - ب. أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في دعائه لابن عباس رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [المستدرك على الصحيحين، للحاكم، ذِكْر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه]. فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل للفظ التنزيل، لما كان هناك فائدة لتخصيصه، فدل ذلك على أن التأويل خلاف النقل، فلم يبق إلا التفسير بالاجتهاد والرأي.
- ج . لو كان التفسير بالرأي غير جائز، لتعطل كثير من الأحكام، واللازم باطل، ووجه الملازمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر تفسير كل آية، والمجتهد مأجور وإن أخطأ، ما دام أنه قد استفرغ وسعه، ولم يهمل الوسائل الواجبة في الاجتهاد، وكان غرضه الوصول إلى الحق والصواب.
ويمكن أن يُجعلَ الخلاف لفظيا بأن يحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأي على التفسير بالرأي المستوفي لشروطه. ويحمل كلام المانعين له على ما فقدت شروطه، فإنه يكون حينئذ مخالفا للأدلة الشرعية واللغة العربية، وهذا محط النهي ومصب الذم.
التقويم
- ألخص أدلة المجيزين للتفسير بالرأي.
- بماذا ترد على من يقول: «إن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم»؟
- أبين أهمية التفسير بالرأي المحمود.
الاستثمار
قال الله تعالى :![[ق: 4 و5] [ق: 4 و5]](/images/2023/التعليم-العتيق/الكتب-المدرسية/علوم-القرآن-الثانية-إعدادي/ق-4-5-2.png)
أراجع كتاب أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي -رحمه الله-، وألخص تفسيره للآيتين.
أبين اتجاهه في التفسير مع التعليل.
الإعداد القبلي
أطالع الدرس المقبل، وأبحث عن أصول التفسير بالرأي.