
وجوب طاعة ولي الأمر وترك المراء في الدين، درس في مادة التوحيد من مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني بشرح كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن، للسنة الأولى من التعليم الإعدادي العتيـق، الدرس السادس والعشرون (26).
الأهداف
- أن أتعرف حكم طاعة الإمام.
- أن أدرك مخاطر المراء في الدين.
- أن أستحضر وجوب الابتعاد عن البدع.
- أن أتمثل مقاصد طاعة ولي الأمر وترك المراء.
التمهيد
لا تستقيم حياة المسلمين إلا بوجود قائد يرعى شؤونهم، وولي أمر يحفظ جماعتهم ويحمي دينهم ودنياهم ويسهر على أمنهم وسلامهم في دينهم ودنياهم.
فما المقصود بولي الأمر؟ وما حكم طاعته في الإسلام؟ وما هي شروطها ؟ وما دليل وجوب طاعة الأمير في القرآن ؟
المتن
قَال المصنف رَحِمَهُ الله: «وَالطَّاعَةُ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ مِنْ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، واقْتِفَاءُ آثارِهِمْ والاِسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وتَرْكُ المِرَاءِ والجِدَالِ فِي الدِّينِ وتَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ، وصَّلَى اللهُ عَلَى سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيهِ وعَلَى آلهِ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيما كَثِيرا».
الفهم
الشرح
- أئمة المسلمين: جمع إمام، وأئمة المسلمين هم القائمين بأمورهم.
- ولاة : جمع والٍ وهو من يتولى شؤون غيره.
- اقتفاء : اتباع.
- المراء : الجدال والخصام.
- أحدث : اخترع.
استخلاص مضامين المتن
- أستخرج من المتن حكم طاعة أئمة المسلمين.
- أستخلص من المتن حكم المراء في الدين.
اشتمل الدرس على المحاور الآتية:
أولا: حكم طاعة ولاة أمور المسلمين
قال المصنف رحمه الله: «وَالطَّاعَةُ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ مِنْ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ» طاعة أئمة المسلمين وولاة أمورهم واجبة اعتقادا وفعلا؛ بامتثال أوامرهم، والانتهاء عن زواجرهم، وفسر المصنف الأئمة بقوله: «مِنْ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ» أي حكامهم وعلمائهم فجمع بين القولين في تأويل أولي الأمر في قوله تعالى:
[سورة النساء الآية 59]
ومعنى كلامه رحمه الله أن من واجب أمور الديانات طاعةَ ولاة الأمر فيما ليس بمعصية ولا يؤدي إلى معصية؛ فبِولاة الأمر تُقام الأحكام وتصلُح الأحوال وتُحفظ
الأعراض والأموال، فطاعتهم طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطَاعَنِى فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ عَصَى اللهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِى فَقَدْ أَطَاعَنِى وَمَنْ عَصَى أَمِيرِى فَقَدْ عَصَانِى»، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «عَلَى الْمَرْء الْمُسلم السّمعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ أَو كره إِن لم يُؤمر بِمَعْصِيَة، فَإِن أُمِرَ بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة» [صحيح مسلم باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية].
ثانيا: اتباع السلف الصالح والاستغفار لهم
1 . اتباع السلف الصالح
قال المصنف رحمه الله: «وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، واقْتِفَاءُ آثارِهِمْ» إتباع طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وموافقتُهم في علمهم وعملهم من الواجبات الشرعية، سواء تلقوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان ذلك استنباطا واجتهادا منهم، فيجب إتباعهم فيما تأولوه واستنبطوه عن اجتهاد منهم، ولذلك كان مالك رضي الله عنه يعمل بما اجتمع أهل المدينة على العمل به، وبما استقر عليه قول أكثرهم مما وقع فيه الاختلاف. قال المصنف رحمه الله في آخر كتاب الرسالة: «وَفِي اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ النَّجَاةُ وَهُمْ الْقُدْوَةُ فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ».
2 . الاستغفار للسلف الصالح
قال المصنف رحمه الله: «والاِسْتِغْفَارُ لَهُمْ» من الواجبات الدينية طلب المغفرة للسلف الصالح لِما لهم من الحق على من بعدهم فيما قاموا به من أمر الشريعة؛ إذ أصَّلوا أصولها، وحصَّلوا فروعها، وجمعوا نصوصها، ونصحوا الأمة بما فعلوا، فما من أحد من الأمة إلا ولهم عليه منة في دينه ودنياه بحسب ما وصل إليه منهم، فوجبت مكافأتهم على ما قدموا بالاستغفار لهم؛ لقوله تعالى:
[سورة الحشر الآية 10]
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «... وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ بِهِ فَأَثْنُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» [سنن البيهقي كتاب الزكاة باب: عطية من سأل بالله عز وجل] وهذا لا يختص بالصحابة، بل يعم كل من سبقنا بالإيمان وأتى إلينا معروفا.
ثالثا: ترك المراء والجدال والبدع
1 . ترك المراء والجدال في الدين
قال المصنف رحمه الله: «وتَرْكُ المِرَاءِ والجِدَالِ فِي الدِّينِ» المراد بالمِراء والجدال جَحْدُ الحق بعد ظهوره، ودفعُه بالباطل والجدالِ؛ فترك المراء والجدال في الدين واجب شرعي؛ لأنه يؤدي إلى إيقاع الشبهة في القلب وإظهار الشرف على الناس والمباهاة والكبر والعُجب والحسد والحقد والمنافسة وتزكية النفس وغير ذلك من المفاسد، قال مالك رضي الله عنه: إن هذا الجدال ليس من الدين في شيء. فإن كان المقصود من الجدال ردَّ باطل أو إظهارَ حق دون عناد وجحود وقَصْدِ ظهور على الخصم فذلك جائز مندوب إليه.
2 . ترك ما أحدثه أهل البدع
قال المصنف: «وتَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ» ترك ما أحدثه المُحدِثون واجب بالكتاب والسنة فيجب الاعتصام بالكتاب والسنة والاقتداء بالسلف الصالح، فعن أم المومنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [صحيح البخاري كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود]
ومعنى ما ليس منه ما لم يكن موافقا لمقاصده وقواعده، أما ما كان موافقا فهو منه، إذ لا يصدق الإحداث إلا على ما هو جديد، ولا يوصف بكونه من أمر الدين أوْلاَ إلا حسب القواعد والمقاصد، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا القياس في باقي الأحكام، فلو كان المعنى من أتى بما لم يرد منصوصا في الشرع... لم يصح وصفه بالإحداث.
وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فيحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله، ويقول: «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» [صحيح مسلم كاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة].
ثم ختم المصنف رحمه الله هذا الباب بمثل ما ختم به الكتاب فقال: «وصَّلَى اللهُ عَلَى سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيهِ وعَلَى آلهِ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيما كَثِيرا».
من فوائد الدرس
تربية المسلم على التمسك بما كان عليه السلف الصالح من هدي الإسلام في صورته المشرقة بالرحمة والمحبة والإخاء، والابتعادِ عن المراء والجدال في الدين لما ينشأ عن ذلك من آثار سلبية على وحدة المسلمين وتوادهم وتحابهم وتآخيهم وبذل طاقات فكرية فيما لا يعود على المسلم بالنفع في دنياه وآخرته.
التقويم
ماذا يجب على المسلمين نحو أولياء أمورهم؟ مع الاستدلال من الكتاب والسنة والعقل.
من هم السلف الصالح ؟ ولماذا نستغفر لهم؟ مع الاستدلال.
قال الإمام ابن غازي رحمه الله ما نصه:
| كن تابعا ووافـقن من اتـبع | وقسمن لخمسة هـذي الـبـدع | |
| واجبة كمثل كـتب العــلم | ونقـط مصحـف لأجـل الفهم | |
| ومستحبة كـمثل الكــانس | والجسر والمحراب والمـدارس | |
| ثم مباحة كـمثـل المنـخل | وذات كره كـخـوان المـأكل | |
| ثم حرام كاغتـسال بالفتات | وكـاسيات عاريـات مـائلات |
أتأمل الأبيات وأستخرج مضمونها.