
درس في تفسير سورة الإسراء، الآيات (70- 72)، كتاب التفسير من خلال المحرر الوجيز فـي تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، السنة الثانية مـن التـعليم الثانـوي العـتيق المرحلة 2 (الدرس 18).
أهداف الدرس
- 1 . أن أطلع على مظاهر تكريم الله تعالى الإنسان.
- 2 . أن أستنتج أسباب تفاوت الناس يوم القيامة.
- 3 . أن أستحضر نعم الله تعالى على الدوام لأستمر في طاعته.
تمهيد
لما بين الله تعالى في الآيات السابقة النعم التي امتن بها على عباده؛ نوه في هذه الآيات بتكريمه لبني آدم وتشريفهم على سائر المخلوقات، ثم ذكر سبحانه ما في الآخرة من تفاوت كبير بين الناس؛ إذ سينقسمون إلى سعداء يأخذون كتبهم بأيمانهم، وأشقياء يأخذون كتبهم بشمائلهم، عندئذ سيحاسب الله الجميع ويجازي كلا بما عمل.
فما هي مظاهر تشريف الله تعالى وتكريمه للإنسان؟ وعلى أي أساس يتفاوت الناس يوم القيامة؟
الآيات

الفهم
الـشرح
جعلنا لبني آدم كرما وشرفا وفضلا على جميع المخلوقات.
بالذي كانوا يقتدون به ويتبعونه في الخير أو الشر.
مقدار فتيل وهو غلالة رقيقة تشبه الخيط في بطن النواة.
وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب.
استخلاص المضامين
- 1 . من كرم الله تعالى في هذه الآيات؟ وبماذا ؟
- 2 . هل يكون الناس في الآخرة على درجة واحدة ؟
التفسير
اشتملت هذه الآيات على ما يأتي:
أولا: تكريم الله تعالى الإنسان
لما ذكر الله تعالى من تخويف الإنسان ما ذكر في الآيات السابقة، بين نعمته عليهم وتكريمهم على غيرهم فقال سبحانه:
كرمنا تضعيف كرم، فالمعنى: جعلنا لهم كرما وشرفا وفضلا على جميع المخلوقات. وهذا هو كرم نفي النقصان، لا كرم المال، وإنما هو كما تقول: ثوب كريم، أي: محاسنه جمة.
أي: وحملناهم بقدرتنا ورعايتنا على الدواب، وغير ذلك من وسائل الانتقال كالقطارات والسيارات وغيرها، وحملناهم في البحر على السفن التي تنقلهم من مكان إلى آخر، وهذا بيان لنوع من أنواع التكريم.
ثم بين سبحانه النوع الثاني من أنواع تكريم الإنسان، فقال عز وجل:
الرزق: كل ما صح الانتفاع به.
أما النوع الثالث مما كرم الله تعالى به الإنسان، فقد بينه سبحانه بقوله:
أي: على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة " [الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 10 /295].
قال ابن عطية: رحمه الله: وهذه الآية عدد الله تعالى فيها على بني آدم ما خصهم به من بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن ذلك. وحملهم في البر والبحر، مما لا يصلح لحيوان سوى الإنسان الذي يحمل بإرادته وقصده وتدبيره في البر والبحر جميعا. والرزق من الطيبات لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحما نيا، أو طعاما غير مركب.
وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: " التفضيل " هو أن يأكل بيديه وسائر الحيوان بالفم. وقال غيره: وأن ينظر من إشراف أكثر من كل حيوان، ويمشي قائما، ونحو هذا من التفضيل.
وهذا كله غير عام، وذلك لأن للحيوان من هذا النوع ما يفضل به ابن آدم، كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد، وكرم الديك؛ وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك به الحيوان كله، وبه يعرف الله عز وجل، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه.
وقالت فرقة: هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، وقد قال تعالى:
[ النساء: 171 ]، وهذا غير لازم من الآية، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن به الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي. وإنما صح تفضيل الملائكة من مواضع أخر من الشرع.
ثانيا: تفاوت أحوال الناس في الآخرة
بعد بيان الله سبحانه أنواع تكريم الله تعالى للإنسان، ونعمه عليه في الدنيا، وأنه فضله على كثير من خلقه، بين فى هذه الآيات ما في الآخرة من تفاوت شديد بين أهل السعادة وأهل الضلال، فقال تعالى:
يحتمل قوله:
أن يكون منصوبا على الظرف، والعامل فيه: فعل مضمر تقديره "اذكر"، أو فعل يدل عليه قوله تعالى:
تقديره: ولا يظلمون يوم ندعو، ثم فسره يظلمون الأخير. ويصح أن يعمل فيه
وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بين؛ لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر. ويحتمل أن يكون يوم منصوبا على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعا بالابتداء، والخبر في التقسيم الذي أتى بعد في قوله:
إلى قوله: 
و
اسم جمع لا واحد له من لفظه. وقوله:
يحتمل أن تتعلق الباء في
بـ
أي: ندعو باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع إمامهم. فعلى التأويل الأول: يقال: ياأمة محمد، وياأتباع فرعون، ونحو هذا. وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها من هاد أو مضل.
واختلف المفسرون في المقصود بـ
فقال مجاهد وقتادة: نبيهم. وقال ابن زيد: كتابهم الذي نزل عليهم. وقال ابن عباس والحسن: كتابهم الذي فيه أعمالهم. وقالت فرقة: متبعهم من هاد أو مضل. ولفظة "الإمام" تعم هذا كله؛ لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد.
وقوله تعالى:
قوله:
عبارة عن السرور بها، أي: يرددونها ويتأملونها. وقوله:
الفتيل: هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، يضرب به المثل في القلة وتفاهة القدر. وفيه استعارة تمثيلية، أي: لا ينقصون من ثواب أجورهم ولو بمقدار خيط شق النواة، أي: ولا أقل ولا أكثر. فهذا هو مفهوم الخطاب، حكم المسكوت عنـه كحكـم المذكـور. وهو مثـل قولـه تعالـى:
[الإسراء: 23] وكقوله:
[النساء: 40].
ومعنى الآية: اذكر أيها الرسول يوم القيامة حين يدعو الله عز وجل كل جماعة من الناس مع إمامهم الذي كانوا يقتدون به في الدنيا، حينما تتطاير صحائف الأعمال وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار.
وأما من يؤتى كتابه بشماله، فقد عبر الله تعالى عنه بقوله:
قال محمد بن أبي موسى: الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها في قوله:
أي: من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة وشأنها أعمى.
قال ابن عطية ويحتمل
الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه تشبيه بأعمى البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي: أشد عمى. والعمى في هذه الآية: هو عمى القلب في الأول والثاني.
وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن زيد: الإشارة بـ
إلى الدنيا، أي: من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى. إما أن يكون على حذف مضاف، أي: في شأن الآخرة، وإما أن يكون: فهو في يوم القيامة أعمى على معنى أنه حيران لا يتوجه له صواب، ولا يلوح له نجح. قال مجاهد
عن حجته.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن الإشارة بـ
إلى الدنيا، أي: من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى لأنه قد باشر الخيبة ورأى مخايل العذاب. وبهذا التأويل تكون معادلة للتي قبلها من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه. وإذا جعلنا قوله: في الآخرة بمعنى في شأن الآخرة لم تطرد المعادلة بين الآيتين.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وقالون عن نافع وحفص عن عاصم:
في الموضعين بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين ب إمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى ولذلك لم يمله. قال أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، وأعمى ليس كذلك لأن تقديره أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذا ليس بآخر. ويقوي هذا التأويل قوله عطفا عليه:
فإنما عطف أضل الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به. وإنما جعله في الآخرة أضل سبيلا لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو، وهو في الآخرة لا يمكنه ذلك، فهو أضل سبيلا وأشد حيرة وأقرب إلى العذاب.
وقول سيبويه رحمه الله: لا يقال: أعمى من كذا، في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ذلك؛ لأنه يقع فيه التفاضل.
ثالثا: مقاصد الآيات
ترشد هذه الآيات إلى جملة من المقاصد التربوية، منها:
- تكريم الله تعالى الإنسان، وتفضيله على غيره بأن خلقه في أحسن تقويم ومنحه العقل والتفكير، وهيأ له أسباب راحته، وهيأ له ما يركبه في البر والبحر، ورزقه من الطيبات، وفضله على كثير من المخلوقات.
- وجوب الإخلاص لله عز وجل وحده والاعتراف بفضله ونعمه ومقابلتها بالشكر والعرفان، وفي هذا تحقيق لتزكية النفس وتهذيبها من المكدرات.
- محسابة العباد يوم القيامة بالعدل المطلق؛ إذ سيتلقى الناس كتبهم المتضمنة لأعمالهم صغيرها وكبيرها.
التقـويم
- 1 . بم فضل الله تعالى الإنسان على غيره في الآيات؟
- 2 . أستخلص من الآيات ما تضمنته من أساليب بلاغية، وأبين أثر ذلك في المعنى.
- 3 . ما المقصد من تقييد أعمال العباد وتسليمها لأصحابها يوم القيامة؟
الاستثمار
" وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، فَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ أَشْرَفُ النُّفُوسِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَبَدَنُهُ أَشْرَفُ الْأَجْسَامِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ. وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ فِي النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ هِيَ أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ قُوَاهَا الْأَصْلِيَّةُ ثَلَاثٌ: وَهِيَ الِاغْتِذَاءُ وَالنُّمُوُّ وَالتَّوْلِيدُ، وَالنَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ لَهَا قُوَّتَانِ: الْحَسَاسَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ ظَاهِرَةً أَوْ بَاطِنَةً، وَالْحَرَكَةُ بِالِاخْتِيَارِ، فَهَذِهِ الْقُوَى الْخَمْسَةُ: أَعْنِي الِاغْتِذَاءَ وَالنُّمُوَّ وَالتَّوْلِيدَ وَالْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ حَاصِلَةٌ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ. ثُمَّ إِنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُوَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ الْقُوََّةُ الْعَاقِلَةُ الْمُدْرِكَةُ لِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ كَمَا هِيَ، وَهِيَ الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا نُورُ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى، وَيُشْرِقُ فِيهَا ضَوْءُ كِبْرِيَائِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَى أَسْرَارِ عَالَمَيِ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَيُحِيطُ بِأَقْسَامِ مَخْلُوقَاتِ اللهِ مِنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ كَمَا هِيَ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ مِنْ تَلْقِيحِ الْجَوَاهِرِ الْقُدْسِيَّةِ وَالْأَرْوَاحِ الْمُجَرَّدَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ الْقُوَّةُ لَا نِسْبَةَ لَهَا فِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ إِلَى تِلْكَ الْقُوَى النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ أَشَرُفُ النُّفُوسِ الْمَوْجُودَةِ فِي هَذَا الْعَالَمِ ". [مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي: 21 /372]
أتأمل النص وأجيب عن الآتي:
- 1 . أقارن بين النفس الإنسانية، والنفس الحيوانية.
- 2 . أبرهن من خلال النص، على أن النفس الإنسانية أشرف من غيرها.
الإعداد القبلي
أتأمل الآيات: 73 - 77 من سورة الإسراء وأجيب عن الآتي:
- 1 . أبحث عن مدلولات العبارات الآتية:




- 2 . أبحث عن سبب نزول الآيات.
- 3 . على من يعود الضمير في
من قوله سبحانه: 