درس كون المسلم فيه دينا في ذمة المسلم إليه ووجوده عند حلول أجله، كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، مادة الفقه للسنة الثانية من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 15)
أهداف الدرس:
- تعرُّفُ بقية ما يضبط به السلم.
- إدراك أحكام ما بقي من شروط السلم.
- إدراكُ العلل التي من أجلها منعت بعض مسائل وقضايا السلم.
تمهيد:
لما كانت صفات المسلم فيه تختلف باختلافها القيمة والثمن استقصى الفقهاء الصفات التي يضبط بها المسلم فيه حتى ينتفي الغرر والجهالة، وتتحقق المصالح والمنافع والرغبات، وقد سبقت فيما قبل بعضُ الصفات، وبقيت صفات أخرى.
فما هي تلك الصفات الضابطة للمسلم فيه؟ وما هو الباقي من شروط السلم؟
المتن:
قال الشيخ خليل رحمه الله:" وَفِي الْحَيَوَانِ وَسِنِّهِ، وَالذُّكُورَةِ، وَالسِّمَنِ، وَضِدَّيْهِمَا، وَفِي اللَّحْمِ، وَخَصِيًّا، وَرَاعِيًا، أَوْ مَعْلُوفًا، لَا مِنْ كَجَنْبٍ، ... وَفِي الثَّوْبِ وَالرِّقَّةِ، وَالصَّفَاقَةِ وَضِدَّيْهِمَا، وَفِي الزَّيْتِ الْمُعْصَرَ مِنْهُ، وَبِمَا يُعْصَرُ بِهِ، وَحُمِلَ فِي الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْوَسَطُ. وَكَوْنُهُ دَيْنًا، وَوُجُودُهُ عِنْدَ حُلُولِهِ، وَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَهُ، لَا نَسْلِ حَيَوَانٍ عُيِّنَ وَقَلَّ أَوْ حَائِطٍ، وَشُرِطَ إنْ سُمِّيَ سَلَمًا لَا بَيْعًا إزْهَاؤُهُ، وَسَعَةُ الْحَائِطِ وَكَيْفِيَّةُ قَبْضِهِ لِمَالِكِهِ، وَشُرُوعُهُ وَإِنْ لِنِصْفِ شَهْرٍ، وَأَخْذُهُ بُسْرًا، أَوْ رُطَبًا لَا تَمْرًا. فَإِنْ شَرَطَ تَتَمُّرَ الرُّطَبِ مَضَى بِقَبْضِهِ، وَهَلْ الْمُزْهِي كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ تَأْوِيلَانِ".
الفهــم:
الشـرح:
خَصِيا: خَصاه خِصاء: سَلَّ خصْيتَيْه؛ أي انثييه
إزهاؤه: إظهاره اللون كالاصفرار والاحمرار.
الصفاقة: المراد بها هنا المتانة، وضدها الخفة.
استخلاص المضامين:
- أستخلص من المتن بعض ما يضبط به السلم.
- أستخرج من المتن بقية شروط السلم.
- أستخلص انطلاقا من المتن بعض صور فساد السلم وعلته.
التحليـل:
يشتمل هذا الدرس على محاور ثلاثة:
أولا: مما يضبط به المسلم فيه
ما يضبط به السلم في الحيوان
قال المصنف:" وَفِي الْحَيَوَانِ وَسِنِّهِ، وَالذُّكُورَةِ، وَالسِّمَنِ، وَضِدَّيْهِمَا" مما يضبط به المسلم فيه إذا كان حيوانا- إضافة إلى ما سبق من الأوصاف: كالنوع والجودة أو الرداءة أو التوسط بينهما- بيانُ سنِّه ككونه جَذَعا أو ثَنِيّا أو ابن سنة أو سنتين. وبيان الذكورة أو الأنوثة والسمن أو الهزال...
ما يضبط به السلم في اللّحم
قال المصنف:" وَفِي اللَّحْمِ، وَخَصِيًّا، وَرَاعِيًا، أَوْ مَعْلُوفًا، لَا مِنْ كَجَنْبٍ" مما يضبط به المسلم فيه إذا كان لحما إضافة إلى ما ذكر بيان كون المأخوذ منه خصيا أو فحلا وراعيا أو معلوفا؛ لعلة اختلاف أغراض الناس في ذلك.
ما يضبط به السلم في الثوب
قال المصنف:" وَفِي الثَّوْبِ وَالرِّقَّةِ، وَالصَّفَاقَةِ وَضِدَّيْهِمَا" يزيد في الثوب على ما سبق بيان رقته أو غلظه أو صفاقته - وهي المتانة - أو ضدها.
ما يضبط به السلم في الزيت
قال المصنف:" وَفِي الزَّيْتِ الْمُعْصَرَ مِنْهُ، وَبِمَا يُعْصَرُ بِهِ، وَحُمِلَ فِي الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْوَسَطُ " مما يضبط به السلم في الزيوت النوع المُعصر منه من الزيتون ونحوه، وبما يعصر به من معصرة أو ماء؛ لاختلاف ثمنه بهما. وإن شُرط كون المسلم فيه جيدا أو رديئا وتعدد الجيد أو الرديء في البلد الذي يقبض فيه المسلم فيه حُمِل على الغالب في الوجود؛ أي الأكثر عند أهل المعرفة.
هذه أهم الصفات التي يضبط بها المسلم فيه عادة، ومن شأن بيانها إزالة الجهالة ودفع الغرر الذي قد يلحق البائع أو المشتري إن لم تذكر صفات المسلم فيه، ويشير إلى هذه الصفات قوله صلى الله عليه وسلم:" مَنْ أَسْلَفَ فَلاَ يُسْلِفْ إِلاَّ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ " [ سبق تخريجه]. فعِلمُ المشتري بما يشتري وعلم البائع بما يبيع شرطٌ في صحة البيع.
ثانيا: أحكام الشرط السادس (كون المسلم فيه دَيْنا في ذِمّة المسلم إليه)
الذمة عند الإطلاق يراد بها المحل القابل للاتزام والإلزام في المكلف قال القرافي: الذمة معنى شرعي مقدر في المكلف قابل للاتزام واللزوم، ونظم ذلك ابن عاصم في قوله:
والشرح للذمة وصف قاما ** يقبل الالـتزام والإلــزاما
والمراد بها هنا ما يقابل التعيين، ومنه قاعدة الفقهاء: المعين لا يستقر في الذمة.
قال المصنف:" وكَوْنُهُ دَيْنًا " من شروط صحة السلم أن يكون المسلم فيه دَينا موصوفا متعلقا بذمة المسلم إليه؛ لأنه إن كان معيّنا عند المسلم إليه لزم بيع معيّن يتأخر قبضه، وهو ممنوع؛ لأنه قد يهلك قبل قبضه فيتردد الثمن بين السلفية إن هلك وبين الثمنية إن لم يهلك. وإن كان معينا عند غيره لزم بيع معين ليس عنده، وهو ممنوع أيضا.
ثالثا: أحكام الشرط السابع ( وجود المسلم فيه عند حلول أجله المعين)
القدرة على تحصيل المسلم فيه عند حلول أجل القبض
قال المصنف:" وَوُجُودُهُ عِنْدَ حُلُولِهِ وَإِنِ انْقَطَعَ قَبْلَهُ " من شروط صحة السلم أن يوجد المسلم فيه عند حلول الأجل الذي اشترطه المسلِم والمسلَم إليه عند العقد؛ بمعنى أن يكون المسلم فيه مقدورا على تحصيله وقت حلول الأجل؛ لئلا يكون الثمن بيعا إذا وجد وسلفا إذا لم يوجد.
ولا يشترط وجوده في جميع الأجل، بل الشرط القدرةُ على تحصيله عند حلول الأجل، ولو انقطع في أثناء الأجل.
السلم في نسل الحيوان
قال المصنف:" لَا نَسْلِ حَيَوَانٍ عُيِّنَ وَقَلَّ" لا يجوز السلم في نسل حيوان عُيّن وقَلَّ نسلُه لتردد رأس المال فيه بين السُّلْفية والثمنية؛ لأنه ليس محقق الوجود ولا غالبه، ولما فيه أيضا من بيع الأجِنّة المنهي عنه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم:" نَهَى عَنِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ" . [ أخرجه الطبراني في الكبير برقم: 11581 ]، وأورده مالك عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنْ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ، وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ قال مالك: والمضامين بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال. [ الموطأ، كتاب البيوع، باب: ما لا يجوز من بيع الحيوان ].
السلم في ثمر الحائط
قال المصنف:" أَوْ حَائِطٍ، وَشُرِطَ، إنْ سُمِّيَ سَلَمًا وَلَا بَيْعًا ازْهَاؤُهُ، وَسَعَةُ الْحَائِطِ وَكَيْفِيَّةُ قَبْضِهِ لِمَالِكِهِ، وَشُرُوعُهُ وَإِنْ لِنِصْفِ شَهْرٍ، وَأَخْذُهُ بُسْرًا، أَوْ رُطَبًا لَا تَمْرًا. فَإِنْ شَرَطَ تَتَمُّرَ الرُّطَبِ مَضَى بِقَبْضِهِ، وَهَلْ الْمُزْهِيُّ كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ تَأْوِيلَانِ" لا يجوز السلم في ثمر حائط عُيّن وقَل أي صغر؛ لِما تقرر أن المسلم فيه لا بد أن يكون دينا في الذمة، وثمر الحائط المذكور ليس كذلك، فلا يتعلق به العقد على وجه السلم الحقيقي فلو قال شخص لآخر: خذ هذا الألف درهم سلما على قنطار من بلَحِ هذا الحائط آخذه منك وقت كذا فإنه يمتنع بمعنى أنه لا يكون سلما حقيقة بحيث يجوز أخذه عند الأجل بدون الشروط الآتية بل هذا العقد بيع حقيقة وسلم مجازا فلا بد لجوازه من الشروط الآتية:
- إزهاء الثمر؛ أي اصفراره أو احمراره؛ للنهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فعن نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ ". [ الموطأ، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ].
- سعة الحائط وكبره؛ بحيث يمكن استيفاء القدر المشترى منه لكثرة شجره فلا ينافي كونه صغيرا.
- بيان كيفية القبض حال العقد متواليا أو مفرقا وقدرِ ما يؤخذ منه كل يوم.
- إسلام رأس المال لمالك الحائط؛ إذ لو أُسلم لغيره وهو معيَّن ربما لم يبعه له مالكه فيتعذر التسليم.
- شروع المسلِم في أخذ الثمرة من يوم العقد أو بعد زمن قريب كنصف شهر فقط لا أزيد.
- أخذ المشتري الثمر؛ أي انتهاء أخذه لجميع ما اشتراه بُسْرا أو رُطَبا لا أخذه تمرا لبعد ما بينه وبين المشترى حين الإزهاء، فإن كان حين العقد رطبا لا بسرا وشرط المسلِم في العقد تتمُّر الرطب الموجود مضى العقد ولم يفسخ بقبض الثمر. وهل الثمر المُزهِي - وهو ما لم يَرطب - يمضي بيعه بقبضه وعليه - أي كَوْن المُزهِي يمضي بيعه - الأكثر من شُرّاح المدونة، وعليه حملوها، أو لا يمضي بيع المزهي بقبضه، بل هو كالبيع في فسخه بعد قبضه إلَّا بمفوِّته لبُعْد ما عدا الرطب من التمر.
من هذه المحاور يتبين لنا أن الشارع الحكيم قصد تحقيق توثيق العلاقة الاقتصادية بترسيخ معاني المراقبة والمحاسبة في قلوب الناس والبعد بهم عن كل ما يكدر صفو الأخوة ويفسد العلاقات ويحدث التدابر والمقاطعة، وعن كل الوسائل المؤدية إلى تعطيل الانتفاع المشروع بالمال.
التقويم
- أبيّنُ ما يضبط به المسلم فيه.
- أذكر أحكام الشرط السادس والسابع من شروط السلم.
- أبرزُ علة منع السلم في الشيء المعين مع الاستشهاد.
الاستثمار:
قال ابْنُ عَرَفَةَ:" مِنْ شُرُوطِ السَّلَمِ: عِلْمُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِمِعْيَارِهِ الْعَادِي " .
[ المختصر الفقهي 6 /283].
وقال ابن عبد البر:" لا يجوز أن يُسلم في شيء حتى يكون مأمونا لا ينقطع من أيدي الناس في وقت محله ولا بأس بالسلم فيما ليس عند البائع أصله، وجائز" السلم فيما ينقطع أضعاف مدة أجله إذا كان مأمون الوجود عند حلوله ".
[ الكافي في فقه أهل المدينة المالكي 2 /691 ].
- أقرأ النصين بتمعن وأستخرج ما تضمناه من شروط السلم.
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأبحث عن:
- حكم السلم في ثمر الحائط إذا انقطع؟
- هل القرية الصغيرة المضمونة مِثلُ ثمر الحائط؟
- متى يخيّر المشتري في الثمر الذي له إبان؟
