
فالله تعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، كما قال سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج). وبإرادته تلك تنزل القرآن منجما على مدى ثلاث وعشرين سنة، حيث كانت تتنزل الأحكام والتشريعات بحسب الحالات والنوازل، وبعد تهيئة النفوس وإعدادها للتلقي بحسب الوسع والطاقة البشرية في التحمل، فعن عائشة رضي الله عنها: (إنما نزل أول ما نزل منه (من القرآن) سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا).
ومنهج القرآن الكريم المتدرج في تحريم هذه الآفات وغيرها معروف، بل إن التدرج والمرحلية، بالإضافة إلى كونها سنة في التكليف، هي سنة في الخلق كذلك، في خلق السماوات والأرض وفي خلق الإنسان، وفي سائر ما أبدع الله تعالى، وفي ذلك تعليم للناس بلزوم هذه السنة في كل شيء وفي تدين الإنسان خصوصا، بحيث لا يقبل عليه جملة فيذره جملة، وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسرولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
لذا على المؤطر لزوم هذا المنهج المتدرج في التكوين باحترام مراحله المسطرة في أفق معين، وعدم استباق الموضوعات التي لم تطرح بعد، فليس من الحكمة في شيء أن يعرض عليهم كل أصول المذهب المالكي، أو عقيدة أبي الحسن الأشعري في حلقة واحدة، وبرنامج التكوين قد قسمها إلى حلقات ومستويات، فالأجدى والأنفع من ذلك أن يتوسع في الأصل أو الفرع أو المذكرة المقررة موضوعا للدرس، حتى يمكنهم منها، ويؤهلهم لما سيأتي تشويقا وتحبيبا وإعدادا نفسيا وعقليا.