قد يكون مال المفلس سلعة لغريم من بيع أو كراء فتتعلق بها أحكام تختلف لاعتبارات ذات صلة بالتفليس؛ فقد يباح لرب الدين أن يسترجع سلعته التي قام المدين برهنها، وقد لا يسترجعها ويحاصص الغرماء بما لم يجد ويأخذ ما يجده بعينه من ماله عند المفلس، وغير ذلك من التصرفات التي أحاطها الفقه بأحكام ضابطة لها. وقد ينتفع المفلس ببعض ما بيده من مال الغريم فيطالبه برده، وغير ذلك مما بينه الفقهاء وفصلوه تفصيلا.
فما تصرفات رب الدين في سلعته عند المفلس ؟ ومتي يكون المفلس أحق بما في يده ومتى لا يكون أحق بذلك؟ وما أحكام تفليس المكتري ؟
درس في مادة الفقه، حول أحكام تصرفات الغريم فيما له عند المفلَّس، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس السابع، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق.
أهداف الدرس
- 1. تعرف ما يبيحه الفلس من تصرفات رب الدين في سلعته عند المفلس.
- 2. تعرف أحكام تفليس المكري والمكتري.
- 3. التمييز بين ما يكون المفلس أحق به وبين ما لا يكون أحق به.
الـمتن
قال الشيخ خليل رحمه الله: «وَلَهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ، لَا بِفِدَاءِ الْجَانِي، وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ، وَرَدُّهَا، وَالْمُحَاصَّةِ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ، وَإِلَّا فَبِنِسْبَةِ نَقْصِهِ، وَرَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبِضَ، وَأَخَذَهَا، وَأَخَذَ بَعْضَهُ، وَحَاصَّ بِالْفَائِتِ... وَأَخَذَ الثَّمَرَةَ، وَالْغَلَّةَ، إلَّا صُوفًا تَمَّ، أَوْ ثَمَرَةً مُوَبَّرَةً، وَأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ، وَأَرْضَهُ، وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ، ثُمَّ سَاقِيهِ، ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ».
الفـهـم
الشرح
وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ: أي حاص رب الدين الغرماء بفداء الرهن.
أَرْشهُ: قيمة العيب.
ثَمَرَةً مُوَبَّرَةً : ملقحة.
استخلاص مضامين المتن
- 1. أستخرج من المتن تصرفات رب الدين في سلعته عند المفلس.
- 2. أستخلص من المتن متى يكون المفلس أحق بما بيده ومتى لا يكون أحق بذلك.
- 3. أستخرج من المتن أحكام تفليس المكتري.
التحليل
أولا: تصرفات رب الدين في سلعته عند المفلس
حفظ المال كلي من كليات الشريعة ومقصد من مقاصدها الكبرى؛ فقد أمر الإسلام بتحصيله وحمايته، ولذلك تباح لرب الدين لحماية دينه في ذمة المدين بسبب فلسه التصرفاتُ الآتية:
1. فك الرهن
قال المصنف رحمه الله: «وَلَهُ فَكُّ الرَّهْنِ، وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ، لَا بِفِدَاءِ الْجَانِي» يجوز لمن باع سلعة ولم يقبض ثمنها حتى رهنها مشتريها في دين عليه ثم فلس وحازها المرتهن أن يفك رهنها بدفع ما رُهنت فيه للمرتهن وأخذها، ومحاصصة الغرماء بفدائها، ولو كان الدين مؤجلا؛ لأن الدين المرهون فيه وإن كان مؤجلا فإنه يحل بالفلس، وهذا حيث لم يشترط الراهن عدم حلول ما عليه بفلسه، وأما لو اشترط الراهن عدم حلول ما عليه بالفلس فليس للغريم بائع الرهن فداؤه بدفع ما رهن فيه حالا وأخذه، بل يبقى الرهن على حاله ويحاصص بائعه بثمنه، ويجوز لرب الدين ترك فداء السلعة المرهونة والمحاصة بثمنها.
2. نقض المحاصصة
قال المصنف رحمه الله: «وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ وَرَدُّهَا» يجوز لمن باع سلعة ولم يقبض ثمنها حتى باعها مشتريها ثم فلس فحاص بائعُها الغرماء بثمنها ثم ردها مشتريها على المفلس أن ينقض المحاصة التي حصلت بينه وبين غرماء المفلس إن ردت السلعة على المفلس بعيب قديم ظهر لمشتريها الثاني، أو فساد البيع الثاني؛ لأن رب الدين إنما حاصص بثمنها لعدم وجودها بيد المشتري الأول - المفلس-، ويجوز لرب الدين أن لا ينقض المحاصة ويستمر عليها، وليس له نقضها إن ردت على المفلس بتبرع أو شراء، والفرق أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فكأنها باقية عند المفلس، والرد للفلس والفساد ملحقان به، والملحق بالشيء يعطى حكمه، بخلاف ردها بهبة ونحوها فإنه تجديد ملك. فليس له حينئذ نقض المحاصة.
3. رد السلعة والمحاصة بثمنه
قال المصنف رحمه الله: «وَالْمُحَاصَّةِ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أَوْ مِنْ مُشْرِيهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ، وَإِلَّا فَبِنِسْبَةِ نَقْصِهِ» يجوز لمن أخذ سلعته من المفلس فوجد بها عيبا حدث عنده أن يردها ويحاصص الغرماء بثمنها في الحالات الآتية:
- أ. إذا وجد رب الدين عين سلعته عند المشتري المفلس فلما أخذها وجد بها عيبا سماويا جاز له ردها ومحاصة الغرماء بثمنها، وذلك قول المصنف: «وَالْمُحَاصَّةِ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ».
- ب. إذا وجد رب الدين عين سلعته عند المشتري المفلس فلما أخذها وجد بها عيبا نشأ عند المشتري الذي هو المفلس جاز له ردها ومحاصة الغرماء بثمنها عاد لهيئته أم لا. وذلك قول المصنف: «أَوْ مِنْ مُشْرِيهِ».
- ج. إذا وجد رب الدين عين سلعته عند المشتري المفلس فلما أخذها وجد بها عيبا نشأ من صنع أجنبي لم يأخذ المفلس أرشه أو أخذه منه وعاد المبيع في جناية الأجنبي لهيئته الأولى فله ردها والمحاصة بثمنها، ولا شيء لربها من الأرش الذي أخذه؛ لأن العيب لما عاد لهيئته صار ما أخذه المفلس من الأرش كالغلة، فإن لم يعد لهيئته في جناية الأجنبي فبنسبة نقص المبيع، فإن شاء أخذه بما ينوبه من الثمن؛ بأن يقوم يوم المبيع سالما ومعيبا ويحاصص بما نقصه العيب من الثمن وإن شاء تركه وحاصص بجميع ثمنه. وذلك قول المصنف: «أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ، أَوْ أَخَذَهُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ، وَإِلَّا فَبِنِسْبَةِ نَقْصِهِ».
- د. إذا وجد رب الدين سلعته عند المفلس وكان قد قبض قبل التفليس بعض ثمنها جاز له رد بعض الثمن المقبوض وأخذ سلعته وجاز له تركها والمحاصة بباقي الثمن. وذلك قول المصنف: «وَرَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبِضَ، وَأَخَذَهَا».
- هـ. من باع سلعتين فأكثر وقبض بعض الثمن أولاً وفلس المشتري فوجد رب الدين بعض المبيع بيده والباقي فات بمفوت من المفوتات كخروجه من يد المفلس أو حوالة سوق جاز له أخذ بعض المبيع الموجود ورد ما يخصه مما قبض، والمحاصةُ بالمبيع الفائت بما ينوبه من الثمن، وجاز له ترك ما وجد وحاص بجميع الثمن أو بباقيه إن كان قبض شيئا، ويقوم المبيع يوم أخذه وذلك قول المصنف: «وَأَخَذَ بَعْضَهُ، وَحَاصَّ بِالْفَائِتِ».
ثانيا: ما يكون المفلس أحق به مما في يده
المفلس ضامن لما بيده من أموال الغرماء، والضمان تابع للانتفاع، ولذلك يكون أحق بما في يده في الحالات الآتية:
1. بيع أصول وعليها ثمار
من باع أصولا وعليها ثمار غير مؤبرة فطابت تلك الثمار وجذها المشتري ثم فلس وأخذ البائع أصوله وطالب المشتري برد قيمة الثمرة فإن المشتري يفوز بتلك الثمار حيث جذها قبل الفلس؛ لأن الغنم بالغرم والخراج بالضمان، فإن لم يجذها قبل الفلس فإنها للبائع استثناء من قاعدة الخراج بالضمان، ويرجع عليه المفلس بقيمة سقيه وعلاجه ونحوهما. وذلك قول المصنف: «وَأَخَذَ الثَّمَرَةَ».
2. الغلة الحادثة بعد الشراء
غلة المبيع الحادثةُ بعد الشراء كالثمار غير الموجودة وقت البيع إذا انتفع بها المفلس فإنها له، وكاللبن إذا حلبه قبل التفليس؛ لأن المنافع تتبع النفقة فمن عليه النفقة له المنفعة لقاعدة الغنم بالغرم، وذلك قول المصنف: «وَالْغَلَّةَ».
ولا يكون المفلس أحق بالثمرة المؤبرة والغلة الموجودة وقت بيع الأصول كالصوف التام ونحوه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» [الموطأ كتاب البيوع باب القضاء في رهن الثمر والحيوان] وذلك قول المصنف: «إلَّا صُوفًا تَمَّ، أَوْ ثَمَرَةً مُوَبَّرَةً».
ثالثا: أحكام تفليس المكتري
1. أخذ المكري عين سلعته
قال المصنف رحمه الله: «وَأَخَذَ الْمُكْرِي دَابَّتَهُ وَأَرْضَهُ» من أكرى دابة أو أرضا أو دارا أو غيرها من المثليات والمقومات لشخص وجيبة- أي بأجرة معينة-، ثم فلس المكتري قبل دفع الكراء وقبل استيفاء جميع المنفعة فإن المكري يخير بين أخذ دابته وأرضه وداره وفسخِ الكراء فيما بقي، ومحاصةِ الغرماء بأجرة المدة التي استوفى المفلس فيها المنفعة قبل الفلس، وبين ترك ذلك للغرماء ومحاصتهم بجميع الكراء، هذا في حال فلس المدين، وأما في حال موته فيتعين على رب الدين محاصصة الغرماء وليس له أخذ عين شيئه قاله الدسوقي.
2. تقديم المكري على المرتهن والمساقى
قال المصنف رحمه الله: «وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ ثُمَّ سَاقِيهِ، ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ» من اكترى أرضا من بمائة ألف درهم سنتين فزرعها، ثم ساقى عليها شخصا بعشرة آلاف درهم يسقي له ذلك الزرع ويقوم عليه، ثم تداين عشرة آلاف درهم ورهن ذلك الزرع فيها، ثم فُلس، فقد تعلق بذمته حق المكري والساقي والمرتهن؛ فيقدم رب الأرض في الزرع؛ لأن الزرع تابع للأرض وجزء منها وهي حائزة له فحوزها كحوز ربها، فمن يملك الأصل يملك الفرع بالتبع، والفرع يتبع الأصل، فإذا بقيت بقية من ذلك الزرع بعد أخذ رب الأرض أجرته قُدم الساقي الذي استؤجر على خدمة الأرض وإصلاحها بأجرة معلومة في ذمة المساقي؛ إذ لولاه ما تم الانتفاع بالزرع فيأخذ حقه منها، وهذا أهم من عامل المساقاة فهو مقدم على رب الأرض كما قال الدسوقي، ثم يلي الساقيَ المرتهنُ الذي رهن المكتري الزرع عنده.
التقويم
- أبين ما يباح من تصرفات الغريم في سلعته عند المفلس.
- أتحدث في بضعة أسطر عن أحكام تفليس المكتري.
- أنقل الجدول على السبورة وأملأه بما يناسب:

الاستثمار
قال القرافي رحمه الله: «فرعٌ» في الكتاب: إذا أفلس المكتري أو مات بعد الزرع أو قبل النقد فربها أحق بالزرع في الفلس دون الموت، وفي الدار: أحق بالسكنى إن لم يسكن، وإن فلس الجمّال فالمكتري أحق بالإبل حتى يتم حمله إلا أن يضمن الغرماء الحملة تنزيلاً للمنافع في جميع هذه الصور منزلة السلع في التفليس، وقال غيره: لا يضمنون إذا كان الكراء غير مضمون؛ لأن الحمالة بالمعين لا تجوز، وجوزه ابن القاسم لضرورة الفلس قال صاحب التنبيهات: قيل: الخلاف في المعين، وأما المضمون لا خلاف فيه وقيل : إنما الخلاف في المضمون للاختلاف: هل هو أحق به؟ وأما المضمون فلا يختلف أنه أحق به قال ابن يونس: وقيل: هو أحق بالزرع في الفلس والموت؛ جعلاً لأرضه منزلة يده. [الذخيرة 5 /474]
أتأمل النص وأقوم بالآتي:
- 1. أضع عنوانا للنص.
- 2. أشرح ما تحته خط في النص.
- 3. أعرف بابن يونس.
- 4. أبين معنى قول القرافي رحمه الله: «جعلاً لأرضه منزلة يده».
- 5. أستخرج من النص أحكام تفليس المكتري وأقارن ذلك بما في الدرس.
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأبحث عن الآتي:
- 1. ما العمل إذا فلس رب المصنوع وهو تحت يد صانعه ؟
- 2. ما هي أحكام تفليس المكري ؟