كرم الله تعالى الإنسان ومتعه بمجموعة من الحقوق، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمبادئ لحفظ حقوق الإنسان دائنا ومدينا؛ حفظا لكلي من كليات الشريعة، وهو حفظ المال، فأجازت للغريم أخذ ماله الذي بيد المفلس في حالات عديدة.
فمتى يكون الغريم أحق بما بيد المفلس ؟ ومتى لا يكون الغريم أحق بما بيد المفلس ؟
درس في مادة الفقه، حول خيارات الغريم لاسترجاع حقه من المدين، كتاب الفـقه من مختـصـر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، الدرس السادس، لفائدة تلاميذ وتلميذات السنة الثالثة ثانوي من التعبيم العتيق.
أهداف الدرس
- تعرف خيارات الغريم لاسترجاع حقه من المدين.
- التتمييز بين ما يكون الغريم أحق به وبين ما لا يكون أحق به.
- إدراك أخطار المداينة لتفاديها إلا عند الضرورة.
الـمتن
قال الشيخ خليل رحمه الله: «وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ، وَلَوْ مَسْكُوكًا...، وَلَزِمَهُ إنْ لَمْ يَجِدْهُ إنْ لَمْ يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ بِمَالِهِمْ، وَأَمْكَنَ لَا بُضْعٌ وَعِصْمَةٌ وَقِصَاصٌ وَلَمْ يَنْتَقِلْ، لَا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ، أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ، أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ، أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ؛ كَأَجِيرِ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ، وَذِي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ، وَرَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ وَهَلْ الْقَرْضُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ، أَوْ كَالْبَيْعِ ؟ خِلَافٌ».
الفـهـم
الشرح
الْغَرِيم: الدائن فهو فعيل بمعنى فاعل، ويرد بمعنى المدين فيكون فعيل بمعنى مفعول.
مسكوكا: المسكوك المضروب من الذهب والفضة وغيرهما نقودا.
عِصْمَةٌ: رابطة النكاح.
استخلاص مضامين المتن
- أستخرج من المتن متى يكون الغريم أحق بما في يد المفلس.
- أستخلص من المتن متى لا يكون الغريم أحق بما في يد المفلس.
التحليل
أولا: متى يكون الغريم أحق بما بيد المفلس ؟
قال المصنف رحمه الله: «وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ، وَلَوْ مَسْكُوكًا...، وَلَزِمَهُ إنْ لَمْ يَجِدْهُ إنْ لَمْ يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ بِمَالِهِمْ، وَأَمْكَنَ» من أحكام الحجر رجوع رب الدين ومن تنزل منزلته من وارث وموهوب له الثمنُ في عين شيئه وأخْذِه عينَ ماله الذي حازه المفلس ولم يدفع له ثمنه؛ حيث ثبت للغريم ببينة أو بإقرار المفلس، وذلك في حال الفلس الواقع بعد البيع وقبل قبض الثمن، فإن وقع الفلس قبل البيع وبعد قبضه السلعة ليقلبها أو ليتروى في أخذها ثم عقد البيع بعد الفلس فلا يكون الغريم أحق به، ولا يكون الغريم أحق بعين شيئه المحوز عنه في الموت لخراب ذمة الميت، بل يصير أسوة الغرماء بثمن شيئه، بخلاف الفلس فإن ذمة المفلس موجودة في الجملة، ودين الغرماء متعلق بها.
وبالغ المصنف في أخذ الغريم عين ماله المحوز عنه في الفلس بقوله: «وَلَوْ مَسْكُوكًا» أي دراهمَ أو نحوها عرفتها البينة بعينها، أو كانت مطبوعا عليها أخذها المفلَّس رأس مالِ سلم فلربه أخذه قياسا له على السلعة.
وأشار المصنف بالمبالغة في: «لَوْ» لرد قول أشهب: ليس للغريم أخذ المسكوك؛ لأن الأحاديث إنما فيها من وجد سلعته أو متاعه، والمسكوك لا يطلق ذلك عليه عرفا، ومثل المسكوك كون رأس المال شيئا شاردا فلربه الرضا به إن وجده؛ بناء على أن الأخذ من المفلس نقض للبيع، وعلى أنه ابتداء بيع لا يجوز، وإذا رضي الغريم بعين شيئه الشارد لزمه إن لم يجده ولا يرجع للحصاص، والدليل على أن لرب الدين الحق في الرجوع في عين شيئه في حال فلس المدين لا في حال موته ما رواه مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» [الموطأ كتاب البيوع باب ما حاء في إفلاس الغريم] وما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئِ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» [سنن أبي داود باب فى الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده] ويشترط لرجوع الغريم في عين ماله شروط ثلاثة هي:
- أ. إن لم يفده غرماؤه بثمنه الذي على المفلس، فإن فدوه بمال المفلس أو بمالهم فلا حق له في أخذ شيئه، وكذا لو ضمنوا له الثمن وهم ثقات أو أعطوه حميلا ثقة فلا حق له في أخذه.
- ب. أن يكون شيء الغريم مما يمكن أخذه؛ بأن يكون من المقومات والمنقولات فإن لم يكن من قبيل ذلك كالزوجة التي مكنت نفسها من زوجها قبل الصداق فتحاص به، وكعصمة الزوج وكالقصاص ونحو ذلك؛ إذ لا يمكن الرجوع فيما ذكر.
- ج. أن لا ينتقل عين مال الغريم عن الحال الذي كان عليه حين البيع. وإلى هذه الشروط الثلاثة أشار المضنف بقوله: «إنْ لَمْ يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ بِمَالِهِمْ، وَأَمْكَنَ لَا بُضْعٌ وَعِصْمَةٌ وَقِصَاصٌ وَلَمْ يَنْتَقِلْ».
ثانيا : متى لا يكون الغريم أحق بما بيد المفلس ؟
لا يكون الغريم أحق بعين شيئه بل يكون واحدا من الغرماء يحاصصهم إذا انتفت الشروط الثلاثة؛ لأن الشرط يلزم من عدمه العدم، وذلك في الحالات التالية:
- أ. أن يكون حق الغريم مما لا يمكن الرجوع فيه فلا رجوع في الآتي:
- بُضع الزوجة كما سبق؛ لأنه غير مقوم ولا مثلي، والقاعدة: أن ما لا قيمة له لا يمكن الرجوع فيه بالمثل أو القيمة، ولها الفسخ قبل الدخول. وذلك قول المصنف: «لَا بُضْعٌ».
- العصمة؛ كأن تخالع الزوحة زوجها على مال تدفعه له فخالعها ففلست فيحاصص غرماءها بما خالعها عليه، ولا يرجع في العصمة التي خرجت منه؛ إذ الخلع لا قيمة له ولا يمكن تشييئه، وذلك قول المصنف: «وَعِصْمَةٌ»
- القصاص؛ كأن يصالَح الجاني على جنايته بمال ثم يفلس فلا حق للمصالِح أو ورثته في الرجوع في الصلح؛ لتعذر الرجوع شرعا في القصاص بعد العفو، وسيأتي مزيد بيان لهذا في أحكام الصلح. وفي عدم الرجوع في القصاص قال المصنف: «وَقِصَاصٌ».
- ب. أن ينتقل حق الغريم عن الحال الذي كان عليه وقت العقد: كما إذا طُحنت الحنطة أو خلطت بغيرها ؛ كأن خلط عين مال الغريم بغير مثل له ولم يتيسر تمييزه كخلط زيته بزيت من غير نوعه أو بالقطع؛ كأن يفصل مال الغريم قطعا بخلاف صبغ الثوب أو نسج الغزل فلا يفوت حق الغريم في أخذ عين شيئه. وفي بعض مفوتات حق الغريم في عين شيئه قال المصنف رحمه الله: «وَلَمْ يَنْتَقِلْ، لَا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ، أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ، أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ، أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ».
- ج. الأجير على الرعي والحراسة ونحوهما لا يكون أحق بما بيده مما هو مستأجَر عليه إذا فلس المستأجِر؛ فالأجير على الرعي لا يكون أحق بما يرعاه في أجرة رعيه إذا فلس رب الماشية أو مات قبل دفع الأجرة، بل يحاصص الغرماء، وكذلك الأجير على علفٍ، أو حراسة سلعة بحانوت ربها أو بيته أو نحوهما لا يكون كل واحد منهم أحق بما بيده مما استؤجر عليه في فلس أو موت بل يحاصص الغرماء. وذلك قول المصنف: «كَأَجِيرِ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ».
- د. رب الدار والحانوت ونحوهما إذا تجمد له كراء على مكتري ما ذُكر حتى فلس أو مات المكتري فلا يكون المكري أحق بما يوجد بالشيء المكترى من أمتعة المكتري، بل يكون أسوة الغرماء. وذلك قول المصنف: «وَذِي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ».
- هـ. من رد السلعة على بائعها بسبب عيب وجده بها ففُلس البائع وهي بيده وعليه ثمنها فلا يكون المشتري أحق بها بل أسوة الغرماء؛ بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وأما على أنه ابتداء بيع فهو أحق بها من الغرماء قاله الدردير، وسواء أخذ المشتري السلعة المعيبة بثمن أو أخذها عن دين له على بائعها فوجد بها عيبا فردها على البائع، ثم فلس فلا يكون رادها أحق بها بل أسوة الغرماء. وذلك قول المصنف: «وَرَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ». ويلحق بهذه الصور ما في معناها مما لا يكون رب الدين أحق فيه بشيئه، فما ذكره المصنف رحمه الله للتمثيل لا للحصر.
واختلف الفقهاء في الشيء المأخوذ على وجه القرض فيفلس المقترض؛ فقيل: لا يكون مُقرضه أحق به وإن لم يقبضه مقترضه، ويأخذه الغرماء من المُقرض، ويكون المُقرض إسوة الغرماء ؛ للزوم عقد القرض بالقول ففيه قبض حكمي، وقيل: إن القرض كالبيع يفرق فيه بين أن يفلس أو يموت المقترض قبل قبضه فيكون ربه أحق به، أو بعده؛ فله أخذه في الفلس، ويحاصص به في الموت. وإلى هذا الخلاف أشار المصنف بقوله: «وَهَلْ الْقَرْضُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ، أَوْ كَالْبَيْعِ ؟ خِلَافٌ».
من فوائد الدرس: مراعاة الشريعة الإسلامية لكرامة الإنسان عقلا وبدنا وروحا، كما أن من مقاصد الشريعة موازنتها بين المصالح بتقديم الضروري منها على الحاجي والكمالي، وبينها وبين المفاسد بارتكاب أخف الضررين في حال وجودهما وتعذر الخروج عنهما؛ إذ لا توجد مصلحة محضة ولا مفسدة محضة بل المقصود للشرع ما غلب منهما.
التقويم
- 1. أوضح حكم فلس المقرض.
- 2. أنقل الجدول على السبورة وأملأه بما يناسب مع التعليل والتقعيد:

الاستثمار
جاء في المدونة: «قال مالك كل من استؤجر في زرع أو نخل أو أصل يسقيه فسقاه ثم فلس صاحبه فساقيه أولى به من الغرماء حتى يستوفى حقه، وإن مات رب الأصل أو الزرع فالمساقى أسوة الغرماء.
وفيها أيضا: قال مالك: ومن استؤجر في إبل يرعاها أو يرحلها أو دواب فهو أسوة الغرماء في الموت والتفليس جميعا، وكل ذي صنعة مثل الخياط والصباغ والصائغ وما أشبههم فهم أحق بما في أيديهم من الغرماء في الموت والتفليس جميعا، وكل من تُكُوري على حمل متاع فحمله إلى بلد من البلدان فالمكري أحق بما في يديه من الغرماء في الموت والتفليس جميعا». [المدونة 3 /239]
أتأمل النص جيدا وأقوم بالآتي:
- أشرح ما تحته خط في النص.
- أستخرج منه ما يكون الغريم أحق بما في يده ومتى لا يكون أحق بذلك.
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأبحث عن الآتي:
- ما العمل عند تفليس المكري أو المكتري ؟
- ما هي التصرفات التي تباح لرب الدين في سلعته لدى المفلس ؟