
درس في الفقه حول أحكام قضاء الدين من متن مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، لتلاميذ السنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق:
أهداف الدرس
- أن أتعرف أحكام قضاء الدين
- أن أتمثل حسن القضاء في معاملاتي
تمـهـيـد
الإسلام أمر بحسن الاقتضاء، لما يجلبه من الفضل وحسن الثناء، ونهى عن الغش والخداع، لما يزرعه من عظيم البغضاء والشحناء.
فما هي أحكام قضاء الدين ؟ وما المطلوب حالة الوقوع في الغش؟
المتن
قال الشيخ خليل رحمه الله:
وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا، لَا أَزْيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَان، أَوْ دَارَ فَضْلٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ. وَجَازَ بِأَكْثَرَ، وَدَارَ الْفَضْلُ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وَجَوْدَةٍ، وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ أَوْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ. وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى كَذَلِكَ، إلَّا الْعَالِمَ لِيَبِيعَهُ كَبَلِّ الْخُمُرِ بِالنِّشَاءِ وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ بِرَدِيءٍ، وَنَفْخِ اللَّحْمِ.
الـفهم
الشرح
القرض: ما تعطيه غيرك من المال بشرط أن يعيد لك مثله بعد أجل معلوم.
النشاء: ما يستخرج من الحنطة إذا نقعت، وصفيت، وجففت (نخالة).
الغش: ضد النصيحة، يقال: غشه يغشه غشا بالكسر في المضارع، واستغشه: ضد استنصحه.
استخلاص مضامين المتن
- استخلص(ي) من المتن حكم قضاء الدين بمثله، وبأفضل منه.
- بين(ي) انطلاقا من المتن حكم قضاء ثمن المبيع وأنواعه.
- أبرز(ي) من خلال المتن حكم قضاء دين المبيع بالعرض أو الطعام.
- استخرج(ي) من المتن أحكام الغش.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على ثلاثة محاور:
أولا: حسن القضاء في القرض
القضاء: أداء المدين ما في ذمته للدائن، ولقضاء الدين حالات وهي:
قضاء الدين بالمساوي والأفضل
يجوز لمن عليه دين من قرض أن يقضيه بأحد أمرين:
- بالمساوي لما في ذمته قدرا وصفة، حل الأجل أم لا، كان الدَّين عينا أو طعاما أو عرضا.
- بالأفضل صفة؛ كدينار أو درهم، أو قنطار حَب، أو شاة، أو ثوب جيد، عن مثله رديء؛ لأنه حسن قضاء، ولا يتهم بما يزيده، ولا يعد ربا، وسواء أحل الأجل أم لا، وفي الحديث: " أنه عليه لصلاة والسلام، رَدَّ في سَلَفِ بَكْرٍ، رباعيا، وقال: إن خيار الناس أحسنُهم قضاءً " (صحيح مسلم، باب من استسلف شيئا فقضى خيرا منه). ودفعُ أفضلَ صفةً جائز في الطعام وغيره وهو المذهب.
والقضاء بالأفضل جائز بشرطين:
- أحدهما: أن لا يشترط ذلك عند القرض، وإلا منع وفسد، كاشتراط زيادة العدد، والعادةُ كالشرط.
- ثانيهما: أن يتحد نوعهما، أو يختلف ولكن حل الأجل، فإن لم يحل منع كقضاء قنطار قمح عن شعير؛ لأن فيه حط الضمان وأزيدَك، كما يمنع عكسه قبل حلول الأجل أيضا لما فيه من ضع وتعجل. وفي ذلك يقول المصنف: "وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً".
قضاء الدين بأقل منه
يجوز للشخص قضاء ما عليه من دين بما يكون على أحد وصفين:
- أقل صفة وقدرا مما عليه؛ كنصف قنطار من القمح، أو دينار، أو ثوب رديء، عن كامل جيد،
- أقل صفة فقط أو قدرا فقط، وهذا من باب أولى، إذا حل الأجل؛ وإنما اشترط الحلول؛ لأن ذلك قبل الأجل ممتنع إذ يدخله قاعدة: ضع وتعجل.
ولا يجوز القضاء بشيء أزيد عددا عن دين أقل عددا، حيث كان التعامل به، كعشرة عن ثمانية، ولا يجوز القضاء بشيء أزيد وزنا عن دين أقل وزنا، لئلا يدخل في السلف بزيادة، إلا أن تكون الزيادة يسيرة جدا، فجائز: كمسألة رجحان ميزان على ميزان، - إن كان التعامل بالعدد - فيها ثلاثة أقوال عند ابن القاسم:
- يجوز أن يقضيه ذلك العدد؛ كان مثل وزنه أو أقل أو أكثر.
- لا يجوز أن يقضيه أزيد عددا كان مساويا له في الوزن أو أقل أو أكثر.
- لا يجوز أن يقضيه إن دار فضل من الجانبين كعشرة دراهم وازنة رديئة، عن تسعة دراهم ناقصة جيدة من نوعها.
وإن قضاه أقل من العدد، فإن كان وزنه مساويا للعدد أو أقل، جاز، وإلا منع. وأما إن كان التعامل بالوزن، فيجوز أن يقضيه ذلك الوزن زاد على العدد أو نقص أو ساوى . وأما إذا كان التعامل بهما أُلغي الوزن وروعي التعامل بالعدد، وهو صريح المدونة. وفي ذلك يقول المصنف: "وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا لَا أَزْيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا ، إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَان أَوْ دَارَ فَضْلٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ".
قضاء ثمن المبيع
يجري في قضاء ثمن المبيع - حيث كان نقدا - ما جرى في قضاء القرض من التفصيل؛ فيجوز قضاؤه بما يأتي:
- بثمن يساوي ثمن السلعة.
- بأفضل منه في الصفة؛ قبل الأجل وبعده.
- بأقل منه في الصفة والقدر إن حل الأجل لا قبله. وكذلك إن دار فضل بين المتبايعين إلا أنه في هذه الحالة يجوز القضاء عن ثمن المبيع من العين بأكثر عددا أو وزنا؛ كإعطاء عشرة ثمَن سلعة، عن تسعة، بخلافه في القرض؛ لأن علة المنع في القرض وهو السلف بمنفعة، معدومة في ثمن المبيع، وسواء أحل الأجل أم لا على المعتمد. وفي ذلك يقول المصنف:" وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ. وَجَازَ بِأَكْثَرَ".
ومفهوم قوله من العين أنه لو كان قضاء هذا الدين بالعرض أو بالطعام، ففيه ما يلي:
- إن حل الأجل جاز مطلقا بما يساويه، أو يزيد عليه في القدر والصفة، كما يجوز بالأقل.
- إن لم يحل الأجل جاز إن كان بمثله في الصفة والقدر، ولا يجوز بأزيد منه؛ لما فيه من حط الضمان وأزيدك، كما لا يجوز بأقل لما فيه من ضع وتعجل.
والأفضلية في باب الاقتضاء تعتبر بجودة السكة والصياغة، فلا يجوز قضاء عشرة جيدة عن مثلها رديئة مسكوكة أو مصوغة ولا العكس، وأما في باب المراطلة، فلا تعتبر الأفضلية على مذهب الأكثر، إلا بالجودة خاصة، لا بالسكة والصياغة، كما تقدم. وفي ذلك يقول المصنف:" وَدَارَ الْفَضْلُ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وَجَوْدَةٍ ".
ثانيا: أثر بطلان التعامل بالنقود
إذا ترتب لشخص على آخر فلوس أو نقد من قرض أو غيره، ثم بطل التعامل بها بالكلية في بلد تعامل المتعاقدين، وإن وجدت في غيرها؛ فهو بين حالتين:
- إن كانت باقية فالواجب على من ترتبت عليه المثل في ذمته قبل بطلان التعامل بها.
- إن عدمت فالواجب على من ترتبت عليه قيمتها مما تجدد وظهر من الفلوس الأخرى.
وتعتبر قيمتها وقت أبعد الأجلين عند تخالف الوقتين من العدم والاستحقاق؛ فلو كان انقطاع التعامل بها أو تغيرها أول الشهر الفلاني، وإنما حل الأجل آخره فالقيمة آخره، وبالعكس بأن حل الأجل أوله وعدمت آخره، فالقيمة يوم انعدمت
وكلام المؤلف مقيد بما إذا لم يحصل من المَدِين مطل، وإلا وجب عليه دفع المال لا القيمة؛ لأنه ظالم. وفي ذلك يقول المصنف: "وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ أَوْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ".
ثالثا: بعض متعلقات الغش
حكم الغش
يُدرج الفقهاء بعض متعلقات الغش في باب البيوع؛ لوقوعه غالبا في المعاملات، وهو حرام بالإجماع، لقوله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا " (صحيح مسلم، باب قول النبي من غشنا فليس منا). ومعنى ليس منا: أي ليس على سنتنا ولا على هدينا.
الواجب على الغاش
إذا أعد الشخص شيئا مغشوشا، فهو على قسمين:
-
أ - ما أعَدَّه ليغش به الناس، وفيه ثلاث صور
- يحرم عليه بيعه.
- إن باعه والمشتري لم يعد موجودا، تصدق بثمنه.
- إن باعه والمشتري لايزال موجودا، يفسخ البيع، وإن رد للبائع، تصدق به على شخص يعلم أنه لا يغش به، وهذا كله تأديب للغاش لئلا يعود.
ب - ما أعَدَّه لا ليغش به، وفيه صورتان
- إن أعد الشيء لا ليبيعه، أو يبيعه مبينا غشه ممن يُؤمَن أن لا يغش به، فلا يتصدق به عليه .
- فإن لم يبين للمشتري فله التمسك به والرجوع . وفي ذلك يقول المصنف: "وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ".
وقوله وتصدق بما غش؛ أي ولا يكسر الخبز، ولا يراق اللبن، ويرد الخبز لصاحبه إن كسر إن كان بنقص وزن.
والتصدق بالمغشوش مطلوب، سواء كان قليلا أو كثيرا، وقال ابن القاسم: لا يتصدق بالكثير، بل يؤدب صاحبه ويترك له حيث يُؤمَن أن يغش به، وإلا بيع عليه ممن يُؤمَن أنه لا يغش به.
حكم المشتري للمغشوش
إذا اشترى شخص شيئا، فوجده مغشوشا، فهو إما:
- أن يكون المشتري غير عالم بالغش، فلا ينزع منه، ولا يتصدق به بل ينتفع به من أكل، أو شرب، أو لبس، أو يبيعه ممن لا يغش.
- ن يكون المشتري عالما بالغش، واشتراه ليبيعه لمن يغش به، وفيه ثلاث صور:
- إن لم يبعه، ولم يبق عنده فإنه يتصدق به عليه.
- إن لم يبعه وبقي عنده، فسخ البيع ورد لصاحبه.
- إن باعه المشتري تصدق بثمنه.
وأما إذا اشتراه غير عالم بغشه، أو عالم بغشه ولكنه لم يشتره ليغش به، بل لينتفع به، فإنه لا يتصدق به عليه. وفي ذلك يقول المصنف: "إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى كَذَلِكَ، إلَّا الْعَالِمَ لِيَبِيعَهُ".
أمثلة للغش في البيع
وسائل الغش كثيرة، ذكر المصنف منها:
- بَلَّ الخُمُر بضم الخاء المعجمة، جمع خمار بكسرها، بالنشاء لظهور صفاقتها، قال ابن القاسم لا خير في خُمُر تعمل من الخز وترش بخبز مبلول لتشتد وتصفق وهو غش.
- مَزْجَ لبن بماء وسمن بغيره.
- سَبْكَ ذهب جيد برديء لإيهام جودة الجميع، ومنه خلط لحم الذكر بلحم الأنثى، ولحم الضأن بلحم المعز.
- نَفْخَ اللحم بعد سلخه؛ لأنه يغير طعم اللحم، ويظهر أنه سمين. بخلاف زيادة القليل من الماء في اللبن لإخراج زبده، ونفخ جلد اللحم قبل سلخه، لاحتياجه لذلك ففيه صلاح ومنفعة. وفي ذلك يقول المصنف:" كَبَلِّ الْخُمُرِ بِالنِّشَاءِ وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ بِرَدِيءٍ، وَنَفْخِ اللَّحْمِ ".
التقـويـم
- أبرز(ي) حكم قضاء الدين بمثله، وبأفضل منه، وبأقل منه.
- أوضح(ي) حكم قضاء ثمن المبيع وأنواعه.
- اذكر(ي) حكم قضاء دين المبيع بالعرض أو الطعام.
- بين(ي) أحكام الغش.
الاستـثمار
يقول الدكتور رفيق يونس المصري:
إذا كان لأحد الدائنين دين على آخر، نتيجة قرض أو بيع، أو غيره، فأسقط بعضه أو كله، على سبيل التبرع عند الاستحقاق أو قبله، بدون شرط ولا اتفاق، فهذا جائز لا شيء فيه من ربا أو غيره، بل قد يكون مستحبًّا، ولاسيما إذا كانت حالة المدين تستدعي الإرفاق. قال تعالى: .

البقرة: 279
فهذا يشبه ما لو زاد المدين، من تلقاء نفسه، في المبلغ المسدد عند وفاء الدين، فإذا كان هذا يعد من باب حسن القضاء، فإن ذلك يعد من باب حسن الاقتضاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى سمحا إذا قضى " (صحيح ابن حبن كتاب البيوع).
(مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، العدد رقم:7ص:636).
تأمل(ي) النص وميز(ي) بين الصورة التي يتجلى فيها حسن القضاء، والتي يظهر فيها حسن الاقتضاء.
الإعداد القبلي
اقرأ(ئي) متن الدرس القادم وأجب(أجيبي) عن الآتي:
- عرف(ي) ربا الفضل وربا النسيئة.
- اذكر(ي) حكم الربا وعلته في الطعام.
- عدد(ي) نوع الأطعمة المتحدة في الجنس وحكمها.
- أوضح(ي) نوع الأطعمة غير المتحدة في الجنس وحكمها.