
درس في مادة علوم القرآن لطلبة السنة الأولى من التعليم الإعدادي العتيق ،وفيه تعريف بأسباب النزول وصيغه.
أهداف الدرس
- أن أتعرف صيغ التعبير عن سبب النزول.
• أن أقف على أمثلة لتعدد السبب والنازل واحد، وعكسه.
• أن أتمرن على كيفية التعامل مع تعدد أسباب النزول.
تمهيد
تقدم في الدرس السابق أن سبب النزول هو ما نزلت الآية بسببه زمن وقوعه، كإجابة عن سؤال، أو بيان لحكم من الأحكام. ويتصل بموضوع سبب النزول أمور أخرى كالتعبير عنه، وتعدد السبب والنازل، وغير ذلك.
فما العبارات التي يعبر بها عن سبب النزول؟ وما أمثلة تعدد السبب والنازل؟
النصوص
- عن جندب قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله: «وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى»
[صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، رقم الحديث: 4698]
- عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها وكانت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن جروا دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي فقال: «يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني»، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فأنزل الله: «وَالضُّحَى» إلى قوله: «فَتَرْضَى».
[أخرجه الطبراني في الكبير حديث: 636 والواحدي في أسباب النزول ص: 490]
الفهم
- الشرح
اشتكى: مرض.
ما قلى: ما أبغضك.
الجرو: الصغير من ولد الكلب.
ترعد: تضطرب.
التحليل
يشتمل هذا الدرس على ما يأتي:
أولا: التعبير عن سبب النزول
تعددت عبارات التعبير عن سبب النزول، فتارة يصرح فيها بلفظ السبب فيقال: (سبب نزول الآية كذا) وهذه العبارة نصٌّ في السببية لا تحتمل غيرها. وتارة لا يصرح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضا. ومرة يُسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فيوحى إليه ويجيب بما نزل عليه ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول، ولا تعبير بتلك الفاء، ولكن السببية تفهم قطعا من المقام، وحكم هذه أيضا حكم ما هو نصٌّ في السببية. ومرة أخرى لا يصرح بلفظ السبب ولا يؤتى بتلك الفاء، ولا بذلك الجواب المبني على السؤال، بل يقال: نزلت هذه الآية في كذا (مثلا)، وهذه العبارة ليست نصا في السببية، بل تحتملها وتحتمل أمرا آخر، وهو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن وحدها هي التي تعيِّن أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه.
ثانيا : تعدد الأسباب والنازل واحد
إذا جاءت روايتان في نازل واحد من القرآن، وذكرت كل من الروايتين سببا صريحا غير ما تذكره الأخرى نُظِر فيهما، فإما أن تكون إحداهما صحيحة، والأخرى غير صحيحة، وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولكن لإحداهما مرجِّح دون الأخرى، وإما أن تكون كلتاهما صحيحة، ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، ولكن يمكن الأخذ بهما معا، وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح، ولا يمكن الأخذ بهما معا. فتلك صور أربع، لكل منها حكم خاص.
- الصورة الأولى: هي ما صحت فيه إحدى الروايتين دون الأخرى، فحكمُها الاعتمادُ على الصحيحة في بيان السبب، وردُّ الأخرى غير الصحيحة، ومثال ذلك ما في نَصَّي الانطلاق، فنحن بين هاتين الروايتين نقدم الرواية الأولى في بيان السبب لصحتها، دون الثانية؛ لأن في إسنادها من لا يُعرف، قال ابن حجر: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما في الصحيح» [فتح الباري ج8 ص: 710]
- الصورة الثانية: هي صحة الروايتين كلتيهما ولإحداهما مرجح، فحكمها أن نأخذ في بيان السبب بالراجحة دون المرجوحة، والمرجح أن تكون إحداهما أصح من الأخرى، أو أن يكون راوي إحداهما مشاهدا للقصة دون راوي الأخرى. مثال ذلك: ما أخرجه البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ؛ إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ: مَا رَأْيُكُمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَسْتَقْبِلكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقَامِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَال:
[سورة الاسراء الآية: 85] ] صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب ويسألونك عن الروح، رقم الحديث 4444]
وما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل،فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: 
[ سورة الاسراء الآية: 85] ] سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم الحديث: 3140].
فالخبر الثاني يدل على أنها نزلت بمكة، وأن سبب نزولها سؤال قريش إياه، أما الأول فصريح في أنها نزلت بالمدينة بسبب سؤال اليهود إياه، وهو أرجح من وجهين:
أحدهما: أنه رواية البخاري، أما الثاني فإنه رواية الترمذي، ومن المقرر أن ما رواه البخاري أصح مما رواه غيره.
ثانيهما: أن راوي الخبر الأول - وهو ابن مسعود - كان مشاهدا القصة من أولها إلى آخرها كما تدل على ذلك الرواية الأولى، بخلاف الخبر الثاني فإنه رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - ، ولا تدل الرواية على أنه كان حاضر القصة، ولا ريب أن للمشاهدة قوة في التحمل وفي الأداء، ومن هنا أعملنا الرواية الأولى، وأهملنا الثانية.
- الصورة الثالثة: هي ما استوت فيه الروايتان في الصحة ولا مرجح لإحداهما، لكن يمكن الجمع بينهما بأن كلا من السببين حصل ونزلت الآية عقب حصولهما معا لتقارب زمنيهما، فحكم هذه الصورة أن نحمل الأمر على تعدد السبب؛ لأنه الظاهر ولا مانع يمنعه.
- الصورة الرابعة: هي استواء الروايتين في الصحة، دون مرجح لإحداهما، ودون إمكان الأخذ بهما معا لبعد الزمان بين الأسباب. فحكمها أن نحمل الأمر على تكرار نزول الآية بعدد أسباب النزول التي تحدثت عنها هاتان الروايتان، أو تلك الروايات؛ لأنه إعمال لكل رواية، ولا مانع منه.
ثالثا: تعدد النازل والسبب واحد
قد يكون أمر واحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لا ينافي الحكمة في إقناع الناس، وهداية الخلق، وبيان الحق عند الحاجة، بل إنه قد يكون أبلغ في الإقناع وأظهر في البيان.
ومثال السبب الواحد ينزل فيه أكثر من آيتين: ما روي عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: 
. ]سورة آل عمران الآية: 195] [سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة النساء رقم الحديث: 3023]
وعن أمّ سلمة أيضا قالت: قلت يا رسول الله: يذكر الرجال ولا تذكر النساء، فأنزلت:
]سورة الأحزاب الآية : 35] وأُنزلت:
[سورة آل عمران الآية : 195] [سنن النسائي: كتاب التفسير، قوله تعالى:
، حديث رقم 11340]
التقويم
1. أحدد العبارات التي يعبر بها الرواة عن سبب النزول.
2. أذكر صور تعدد الأسباب والنازل واحد.
3. أمثِّل بمثال لتعدد النازل والسبب واحد.
الاستثمار
قال الزركشي رحمه الله: «وقد يُنزَّل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل في الفاتحة: نزلت مرتين، مرة بمكة وأخرى بالمدينة... وكذلك ما ورد في
]سورة الإخلاص الآية: 1] أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة... والحكمة في هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فتؤدى تلك الآية بعينها إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ تذكيرا لهم بها وبأنها تتضمن هذه.
[البرهان في علوم القرآن ج1ص: 38 - 39]
- أتأمَّلُ النص أعلاه، وأستخرج منه الحكمة من تعدد نزول بعض الآيات.
الإعداد القبلي
أستعين بمصادر ومراجع علوم القرآن وأبحث عن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف.