
أحكام المُحَلَّى والمبادلة والمراطلة، درس من متن مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، لتلاميذ السنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق، الدرس التاسع:
أهداف الدرس
- أن أتعرف أحكام بيع المحلى بالذهب وغيره.
- أن أدرك أحكام المبادلة والمراطلة.
- أن أميز بين المبادلة والمراطلة.
- أن أدرك يُسر الإسلام وسماحته من خلال بعض البيوع.
تمهيد
حرص الإسلام على سلامة المعاملات التجارية بين الناس؛ لكونها سبب التئام المجتمع واتحاده، فحرم كل ما يؤدي إلى الفرقة والتباغض في المعاملات، كما حرص على سيرورة الحياة وعدم توقفها، فأباح بعض المعاملات التي يبدو في ظاهرها المنع، كبيع المحلى بالذهب، أو بيع المغشوش.
فما حكم بيع المحلى بالذهب؟ وما هي شروطه؟ وما هي أحكام المبادلة والمراطلة؟ وما حكم بيع المغشوش؟
المتن
قال الشيخ خليل رحمه الله:
وَجَازَ مُحَلًّى وَإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ إنْ سُبِكَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إنْ أُبِيحَتْ وَسُمِّرَتْ وَعُجِّلَ مُطْلَقًا وَبِصِنْفِهِ إنْ كَانَت الثُّلُثَ وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ؟ خِلَافٌ، وَإِنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ. وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزَنَ مِنْهَا بِسُدُسٍ سُدُسٌ، وَالْأَجْوَدُ أَنْقَصَ، أَوْ أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا جَازَ . وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ كَفَتَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا عَلَى الْأَرْجَحِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُ أَجْوَدَ، لَا أَدْنَى وَأَجْوَدُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَأْوِيلِ السِّكَّةِ وَالصِّيَاغَةِ كَالْجَوْدَةِ، وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ وَبِخَالِصٍ. وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لَا يَغُشُّ بِهِ، وَكُرِهَ لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ، وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغُشُّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لَا يَغُشُّ؟ أَقْوَالٌ
الـفهم
الشرح
حَلًّى : مُزيّن بالذهب أو غيره.
سبك : صهر بالنار قصد استخراج خالصه وإذهاب العوالق عنه.
سَمَّر : سمر الشيء؛ شده بالمسمار.
مبادلة : بيع العين بمثله عدّاً.
مراطلة : بيع نقد بمثله وزنا.
صنجة : بالصاد وبالسين؛ مثقال معلوم القدر يوزن به.
أجود : أفضل وأحسن.
أدنى : أقل قيمة.
استخلاص مضامين المتن
- استخلص(ي) من المتن حكم المحلى بالذهب وغيره.
- أوضح(ي) انطلاقا من المتن حكم المبادلة وشروطها.
- استخرج(ي) من المتن حكم المراطلة وطريقتها.
- بين (ي) من خلال المتن شرط بيع المغشوش وأقسامه.
التحـلـيل
يشتمل هذا الدرس على ثلاثة محاور:
أولا: بيع المحلى
الشيء المحلى؛ أي المزين بالذهب وغيره فيه التفصيل الآتي:
بيع المحلى بالذهب أو الفضة
بيع الشيء المحلى بأحد المعدنين: الذهبِ أو الفضةِ فيه التفصيل الآتي:
- إن كان لا يخرج منه شيء إذا سبك، فإنه يجوز بيعه بالعرض وبالنقد، سواء أكان من صنف ما فيه أم من غيره، وسواء أكان الثمن في الأحوال الثلاثة حالا أم مؤجلا.
- إن كان يخرج منه شيء إذا سبك؛ فله حالتان:
- إن بيع المحلى بعرض جاز بلا شرط حالا أو مؤجلا.
- إن بيع بنقد اشتُرط في صحة بيعه شروط أربعة وهي:
- أن تكون تحليته جائزة مباحة؛ كتحلية السيف والمصحف.
- أن تكون الحلية مسمرة على الشيء المحلى بمسامير، يؤدي نزعها لفساد كمصحف سمرت عليه.
- أن يباع معجلا من الجانبين.
- أن تكون الحلية ثلث ما هي فيه فأقل، واختلف في قدر الثلث فقيل يعتبر يعتبر بالوزن وقيل يعتبر بالقيمة، فإن لم تتوفر الشروط، جرى على البيع والصرف. وفي ذلك يقول المصنف: "وَجَازَ مُحَلًّى وَإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ إنْ سُبِكَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إنْ أُبِيحَتْ وَسُمِّرَتْ وَعُجِّلَ مُطْلَقًا وَبِصِنْفِهِ إنْ كَانَت الثُّلُثَ وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ؟ خِلَافٌ"
بيع المحلى بالذهب والفضة معا
إذا حُلي شيء بذهب وفضة معا لم يجز بيعه بأحدهما، وأولى عدم جواز بيعه بهما معا، كانا متساويين أو لا، إلا إن تبعا الجوهر، الذي هما فيه؛ والمراد بالجوهر: ما قابل النقدين، فالسيف مثلا إذا حُلي بنقدين ذهبٍ وفضةٍ وفيه لؤلؤ؛ فاللؤلؤ فيه من جملة العَرْض، فيجوز بيعه بأحدهما، وأما بيعه بهما فلا يجوز على ما تقتضيه قواعد المذهب. وفي ذلك يقول المصنف: "وَإِنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ".
ثانيا: المبادلة والمراطلة
من أنواع البيوع المتعارف عليها بين الناس؛ المبادلة والمراطلة، وتفصلهما كالآتي:
المبادلة وشروطها
المبادلة هي: بيع نقد بمثله عدّاً لا وزنا، وهي جائزة بشروط:
- أن تقع بلفظ المبادلة، أي أن يُراد بها بيع نقد بمثله عدّاً لا وزناً.
- أن يكون التعامل بها عددا لا وزنا.
- أن تكون قليلة دون سبعة دراهم، أو دنانير.
- أن تكون واحدا بواحد لا واحدا باثنين.
- أن تكون على وجه المعروف والإحسان، لا على وجه المبايعة.
- أن تكون مسكوكة، وأن تتحد السكة.
- أن تكون الزيادة في كل دينار أو درهم سدسا فأقل على مقابله في الجانب الآخر، فلو كانت الدنانير أو الدراهم من أحد الجانبين مساوية للجانب الآخر، جازت في القليل والكثير من غير شرط من شروط المبادلة، وهو كذلك.
- تمحض المعروف وحصوله من جهة واحدة، ومنع دورانه من جهتين؛ لذلك لا يجوز إبدال النقد الأجود سكة والأنقص وزنا، بآخر أردأ سكة كاملا وزنا، لأن الفضل في هذه الحالة حاصل من المتعاقدين. وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: "وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزَنَ مِنْهَا بِسُدُسٍ سُدُسٌ". وإن كان النقدان متساويين في الجودة والوزن، أو أحدهما أوزنَ من الآخر، أو أحدهما أجودَ في السكة من الآخر أو أحدهما أنقص من الآخر سكة ووزنا جاز؛ لأن الفضل حاصل من أحد المتعاقدين . وفي ذلك يقول المصنف: "وَالْأَجْوَدُ أَنْقَصَ أَوْ أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا جَازَ".
المراطلة: كيفيتها وحكمها
أ- تعريفها
المراطلة هي بيع النقد بمثله وزنا؛ أي بيع ذهب بذهب، أو فضة بفضة، وتكون في المسكوك وغيره وزنا.
ب- كيفيتها
كيفية بيع المراطلة على نوعين:
- أن تكون بصنجة توضع في إحدى الكفتين، والذهب أو الفضة في الأخرى، فإذا اعتدلتا أزال صاحب الميزان الذهب أو الفضة، ووضع ذهب الآخر أو فضته.
- أن تكون بكفتي الميزان؛ بأن يوضع نقد أحدهما في كفة ونقد الآخر في الأخرى، والظاهر هنا عدم اغتفار الزيادة في المراطلة.
ج – حكمها
حكم المراطلة الجواز، وتجوز ولو لم يوزن النقدان قبل وضعهما في الكفتين على الأرجح؛ لأن كل واحد إنما يأخذ مثل نقده، خلافا للقابسي القائل: لا يجوز بيع المراطلة إلا بعد معرفة وزن النقدين لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافا. وفي ذلك يقول المصنف: "وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ كَفَتَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا عَلَى الْأَرْجَحِ".
وتجوز المراطلة وإن كان أحد النقدين كلُّه أجودَ من جميع مقابِله: كدنانير مغربية تراطل بدنانير مصرية، أو بعضه أجودَ، والبعض الآخر مساو لجميع الآخر في جودته: كنقود مغربية ومصرية تراطل بنقود كلها مصرية.
ولا تجوز المراطلة إن كان أحدهما بعضُه أقلُّ في الجودة من الآخر، وبعضُه جيدٌ:كدراهم إِسكندرية ومغربية تراطل بمصرية، والحالة أن الإسكندرية أدنى من المصرية، والمغربية أجود من السكندرية، فيمنع لدوران الفضل من الجانبين؛ لأن صاحب المصرية يتسامح في جودتها بالنسبة لرداءة الإسكندرية، نظرا لجودة المغربية، وصاحب الدراهم المغربية يتسامح في جودة بعضها لجودة المصرية، بالنسبة للإسكندرية، فلا يجوز لدوران الفضل من جانبين. وفي ذلك يقول المصنف: "وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُ أَجْوَدَ، لَا أَدْنَى وَأَجْوَدُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَأْوِيلِ السِّكَّةِ وَالصِّيَاغَةِ كَالْجَوْدَةِ".
ثالثا: بيع المغشوش
النقد المغشوش؛ أي المخلوط: كذهب فيه فضة، نوعان:
- مغشوش لا يجري استعماله بين الناس، لا يجوز بيعه.
- مغشوش يستعمله الناس فيما بينهم، ويحصل به الرواج، يجوز بيعه اتفاقا. وشرط جواز بيع المغشوش: أن يباع لمن يكسره أو لا يغش به أحدا، بل يتصرف به بوجه جائز كأن يذيبه، أو يزين به شيئا، أو غير ذلك.
ويكره بيع المغشوش لمن لا يُؤمَن أن يغش به المسلمين كالصيارفة، فإن باعه لمن يعلم أنه يغش به، وجب عليه أن يسترده ويفسخ بيعه إن كان لازال موجودا، فإن لم يقدر على رده؛ بأن اختفى أو تعذر المشترى؛ ففيه ثلاثة أقوال:
- يملك الثمن الذي باعه به، ويندب له التصدق به.
- يتصدق به وجوبا لاندبا.
- يتصدق بالقدر الزائد، على تقدير أنه باعه لمن لايغش به؛ لأنه إذا بيع ممن يغش يباع بأزيد. وأفضل هذه الأقوال ثالثها. وفي بيع المغشوش يقول المصنف: "وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ وَبِخَالِصٍ. وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لَا يَغُشُّ بِهِ، وَكُرِهَ لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ، وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغُشُّ إلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لَا يَغُشُّ؟ أَقْوَالٌ".
التقـويم
- بين(ي) حكم بيع المحلى وشروطه.
- أبرز(ي) حكم المبادلة والمراطلة وشروطهما.
- أوضح(ي) حكم بيع المغشوش.
الاستـثمار
قال ابن رشد الحفيد:
أجمع العلماء على أن المراطلة جائزة في الذهب بالذهب، وفي الفضة بالفضة، وإن اختلف العدد لاتفاق الوزن، وذلك إذا كانت صفة الذهبين واحدة. واختلفوا في المراطلة في موضعين، أحدهما: أن تختلف صفة الذهبين. والثاني: أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر. فيريه الآخر أن يزيد بذلك عرضا أو دراهم إن كانت المراطلة بذهب، أو ذهبا إن كانت المراطلة بدراهم. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الفيد 2 / 206)
تأمل(ي) النص واستخرج(ي) منه الأحكام المتعلقة ببيع المراطلة.
الإعداد القبلي
اقرأ(ئي) متن الدرس القادم وبين(ي) ما يلي :
- مفهوم قضاء الدين وحكمه.
- قضاء الدين بمثله، وبأفضل منه، وبأقل منه.
- حكم قضاء دين المبيع بالعرض أو الطعام.
- أحكام الغش.