
لقد كان من منهج علماء الغرب الإسلامي التزاما لما عليه المذهب المالكي ، مراعاة نوازل العصر، والارتباط بما تعم به البلوى، وترك التنقير عن المشكلات المستعصيات، وتجنب افتراض النوازل وما لا تعلق له بواقع الناس في دينهم أو دنياهم.
فقد أثر عن الإمام مالك أنه يكره السؤال عما ليس تحته عمل، فإن سئل عن شيء من ذلك قال: (دعوها حتى تقع)، اقتداء بسنن السلف الصالح في هذا الأمر.
فعن معاوية رضي الله عنه (أن النبي صلى الله علي وسلم نهى عن الأغلوطات)، وعن التنطع والتشدد كما في قوله صلى الله عليه وسلم عن الأحنف بن قيس: (هلك المتنطعون)، كرر ثلاثا.
فعلى العالم المؤطر أن يكون من جهة مواكبا لشبهات العصر، عارفا بالمصادر والأصول التي تنشأ عنها، وبالمداخل والفجوات التي تتسرب من خلالها سواء كانت قديمة أو حديثة، كما عليه من جهة أخرى، أن يكون قادرا على صدها وردها عن طريق الحجة والإقناع، ولا يتركها تزحف على العقول فتفسدها، أو القلوب فتخربها، وله أن يستعين في ذلك بإخوانه المؤطرين ممن لهم دراية بهذه الشبه أو تلك، وبالبحث والدرس، وبالمجلس العلمي في جهته.
فالمؤطِّر مستأمن على إفادة جماعة الأئمة الذين يؤطرهم، وعلى سلامة عقيدتهم وسلوكهم، وهم مستأمنون بدورهم على اطمئنان المصلين الذي يرتادون مساجدهم، مسؤولون عن تصحيح عقيدتهم وسلوكهم، وبالتالي فإن إشراك الأئمة في الكشف عما قد يعرض عليهم من أفكار مخالفة وشبهات مشوشة بالتعرف عليها وعلى مناهج دحضها وإبطالها، تحصين لهم ولمن يليهم.
فوسائل الإعلام وشبكات الاتصال الآن حبلى بمظاهر الغلو والتشدد في الدين، ونقض عرى الوحدة والتماسك في المجتمعات، وتغيير عقائد الناس وإفساد أخلاقهم من خلال استلابهم إلى نماذج زائفة وكاذبة توهمهم بمتع دنيوية أو أخروية، كالتنصير والتشييع والتيارات المناوئة للقيم والأخلاق الإسلامية وللثوابت المذهبية والفكرية اللغوية، والاختيارات الوطنية، وكل عناصر الهوية والثقافة في المجتمع.
فهذه النوازل قائمة يجب الوعي بها والانتباه إليها والتنبيه عليها لخطورتها وجسامة الآثار المترتبة عليها.
ويَحسُن بالمؤطِّر إذا ذَكَر شبهة – متى عرضت له – في الدرس أن لا يؤخر الجواب عنها إلى درس آخر، بل يذكرهما جميعا أو يؤخرهما، فالأصل أن ينفصل المستمعون بفوائد لا بشبه قد تشوش عليهم مدة، وهم لا يدرون لها جوابا.