مادة علوم القرآن، درس حول حُكم ترجمة القرآن الكريم؛ من كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني، لفائدة تلاميذ السنة الثانية من التعليم الإعدادي العتيق، الدرس الثاني والعشرون.
أهداف الدرس
- أن أتعرف حكم ترجمة القرآن الكريم.
- أن أميز بين الإطلاقات المختلفة لترجمة القرآن الكريم من حيث الحكم.
- أن أهتدي بمنهج العلماء في بيان حكم ترجمة القرآن الكريم.
تمهيد
سبق في الدرس الماضي أن لترجمة القرآن الكريم أربعة معان رئيسة، ثلاثة منها ترجع إلى اللغة وحدها، والرابع تشترك فيه اللغة والعرف العام الذائع بين الأمم. وهذا المعنى الرابع هو الجدير بالعناية والاهتمام؛ لأنه المتبادر إلى الأفهام، والمقصود في لسان التخاطب العام.
فما حكم ترجمة القرآن الكريم؟ وعلى أي أساس يختلف هذا الحكم؟
النصوص
قال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: «للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان نظران: أحدهما: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة، دالة على معان مطلقة، وهي الدلالة الأصلية. والثاني: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة دالة على معان خادمة، وهي الدلالة التابعة (...) وإذا ثبت هذا فلا يمكن أن يُترجم كلام من الكلام العربي بكلام العجم على حال، فضلاً عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربي، إلا مع فرض استواء اللسانين في جميع الوجوه، فإذا ثبت ذلك في اللسان الـمنقول إليه مع لسان العرب، أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر، وإثبات مثل هذا بوجهٍ بيِّنٍ عسير جدا.
وقد نفى ابن قتيبة رحمه الله إمكان الترجمة في القرآن الكريم على الوجه الذي يختص به لسان العرب بخصائص ينفرد بها عن بقية اللغات، من الإيضاح، والإخفاء، والإيجاز،والإطناب، وغير ذلك؛ فأما على الوجه الذي تشترك فيه جميع الألسنة، وإليه تنتهي مقاصد المتكلمين، مثل القيام والقعود...، فهو ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزا باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على هذا المعنى" [الموافقات للشاطبي: 2/105-106(بتصرف)].
الفهم
الشرح
- معان مطلقة: المعاني العامة التي تشترك فيها جميع اللغات، كالقيام والقعود.
عسير: صعب.
استخلاص المضامين
- إلى كم تنقسم ألفاظ اللغة العربية من حيث إمكان ترجمتها ؟
- ما القسم الذي يمكن ترجمته ؟
التحليـل
ترجمة القرآن الكريم لها أربعة معان، وفي العناصر الآتية بيان لها ولأحكامها:
1 . ترجمة القرآن بمعنى تبليغ ألفاظه
تطلق ترجمة القرآن إطلاقا مستندا إلى اللغة، ويراد بها تبليغ ألفاظه، وحكمها حينئذ: أنها جائزة شرعا. والمراد بالجواز هنا ما يقابل الحظر، فيشمل الوجوب والندب، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن الكريم، ويبلغه إلى الناس جميعا، ويدعو إلى الله به في أحواله كلها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل]. ويقول صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه].
والأمة من ورائه نهجت نهجه، فبلغت ألفاظ القرآن، وتلقاها بعضهم عن بعض، حتى وصل إلينا متواترا...وقد توعد الله عز وجل، كاتمي القرآن الكريم بقوله تعالى:
2 . ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغته العربية
هذا هو الإطلاق الثاني المستند إلى اللغة، ويراد به تفسير القرآن الكريم بلغته العربية لا بلغة أخرى، وحكمه الجواز، لقول الله عز وجل مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:
ولقد قام الرسول صلوات الله وسلامه عليه ببيانه العربي خير قيام، حتى اعتبرت السنة النبوية جلها شارحة له، ونقل منها في التفسير بالمأثور شيء كثير، ولقد اقتدى العلماء برسول الله صلى الله عليه وسلم ففسروا القرآن الكريم باللسان العربي وبينوه للناس، منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى اليوم.
3 . ترجمة القرآن بمعنى تفسيره بلغة أجنبية
هذا هو الإطلاق الثالث المستند إلى اللغة أيضا، ويراد به تفسير القرآن بلغة غير لغته، أي: بلغة غير عربية. وتفسير القرآن الكريم بلسان غير عربي لمن لا يحسن العربية، كتفسيره باللغة العربية لمن يحسنها، فكلاهما عرضٌ لما يفهمه المفسر من كتاب الله عز وجل بلغة يفهمها مخاطبه، لا عرض لترجمة القرآن نفسه، وكلاهما حكاية لما يستطاع من المعاني والمقاصد، لا حكاية لجميع المقاصد، فتفسير القرآن الكريم يكفي في تحققه أن يكون بيانا لمراد الله عز وجل بقدر الطاقة البشرية، ولو جاء على احتمال واحد.
فهذا البيان يستوي فيه ما كان بلغة العرب وما ليس بلغة العرب؛ لأن كلا منهما مقدور للبشر، وكلا منهما يحتاجونه، بيد أنه لا بد في هذا النوع من الترجمة من أمرين:
- أن يستوفي هذا النوع شروط التفسير باعتبار أنه تفسير.
- أن يستوفي شروط الترجمة باعتبار أنه نقل لما يمكن من معاني اللفظ العربي بلغة غير عربية.
4 . ترجمة القرآن الكريم بمعنى نقله إلى لغة أخرى
هذا هو الإطلاق الرابع الذي تشترك فيه اللغة، وعرف التخاطب الأممي العام. وهو «نقل القرآن من لغته العربية إلى لغة أخرى» أي: التعبير عن معاني ألفاظ القرآن الكريم العربية ومقاصدها بألفاظ غير عربية، مع الوفاء بجميع هذه المعاني والمقاصد.
فإن لوحظ في هذا النوع من الترجمة ترتيب ألفاظ القرآن الكريم، فتلك ترجمة حرفية أو لفظية، أو مساوية، وإن لم يلاحظ فيها هذا الترتيب، فتلك ترجمة تفسيرية أو معنوية، وقد سبق بيان المراد بالنوعين في الدرس الماضي.
أما حكم ترجمة القرآن بهذا المعنى فالاستحالة العادية أي: عدم إمكان وقوعها عادة. ويمكن الاستدلال على استحالتها العادية بطريقين:
- الطريق الأول: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال، وكل ما يستلزم المحال محال، والدليل على أنها تستلزم المحال: أنه لا بد في تحققها من الوفاء بجميع معاني القرآن الأولية والثانوية، وبجميع مقاصده الرئيسية، وكلا هذين مستحيل.
- الطريق الثاني: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثلٌ للقرآن، وكل مثْلٍ للقرآن مستحيل؛ أما أنها مِثْلٌ له فلأنها جمعت معانيه كلها ومقاصده كلها لم تترك شيئا، والجامع لمعاني القرآن ومقاصده مِثْلٌ له. وأما أنّ كل مثل للقرآن مستحيل فلأن القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا عن ذلك، وهم أئمة البلاغة والبيان، وأحرص على الغلبة والفوز في هذا الميدان، وإذا كان هؤلاء قد عجزوا وانقطعوا فغيرهم ممن هم دونهم بلاغة وبيانا أشد عجزا وانقطاعا، قال الله عز وجل:
وإذا كان الإنس والجن قد حقت عليهم كلمة العجز عن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه بلغته العربية، فأحرى أن يكون عجزهم أظهر لو حاولوا هذه المعارضة بلغة غير عربية؛ لأن اتحاد اللغة في المساجلة بين كلامين من شأنه أن يقرب التشابه والتماثل إذا كانا ممكنين، نظرا إلى أن الخصائص البلاغية واحدة فيما به التحدي وما به المعارضة، أما إذا اختلفت لغة التحدي ولغة المعارضة فهيهات أن يتحقق التشابه والتماثل بدقة؛ لأن الخصائص البلاغية في أحد اللسانين غير الخصائص البلاغية في اللسان الآخر، ويوجد منها في أحدهما ما لا يوجد في الآخر، فيتعين التفاضل ويتعذر التماثل قطعا.
وفي هذا يقول الله عز وجل:
فنفى المثلية عن القرآن الكريم كما نفى المثلية عن نفسه في قوله:
وبالغ في النفي وفي التحدي، فجمع الإنس والجن على هذا العجز، ثم أكد هذا النفي وهذا التحدي مرة أخرى بتقرير عجز الثقلين عن المثلية، على فرض معاونة بعضهم لبعض فيها، واجتماع قواهم البيانية والعلمية عليها.
التقويـم
- لماذا أجاز العلماء ترجمة القرآن الكريم بالمعاني الثلاث الأُوَل ؟
- ما حكم ترجمة القرآن الكريم بالمعنى الرابع ؟
- ما العلل التي ساقها العلماء لبيان حكم الترجمة بالمعنى الرابع ؟
الاستثمار
قال ابن قتيبة -رحمه الله-: "وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه. ففيها الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع،
والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص (...) ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نُقل الإنجيل عن السّريانية إلى الحبشيّة والرّومية، وتُرجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله عز وجل بالعربية؛ لأن العجم لم تتّسع في المجاز اتّساع العرب. ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل (...) قوله عز وجل:
إن أردت أن تنقله بلفظه، لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت: أنمناهم سنين عددا، لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ" [تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، ص: 20-21 (بتصرف)].
أقرأ النص جيدا وأجيب عما يأتي:
- أبين رأي ابن قتيبة -رحمه الله- في ترجمة القرآن الكريم.
- ما نوع الترجمة الذي يقصده بهذا الحكم ؟
- أبحث في كتابه «تأويل مشكل القرآن» عن الحجج التي أيد بها رأيه.
الإعداد القبلي
أطلع على الدرس القادم وأبحث عن الحكم الشرعي للترجمة بمعنى نقله إلى لغة أخرى.