درس ما لا يجوز فيه السلم (تابع)، كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، مادة الفقه للسنة الثانية من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 18)
أهداف الدرس:
- تعرُّفُ ما لا يجوز فيه السلم.
- إدراكُ الحكمة التي لأجلها لم يجز السلم في بعض السلع.
- التمييزُ بين السلع التي تتجانس والتي لا تتجانس.
تمهيد:
سبق أن تعرفت على بعض المبيعات التي يجوز فيها السلم ويتحقق إذا توفرت فيها الشروط، والآن يحسن بك أن تتعرف على بعض السلع التي لا يجوز فيها السلم ولا يتحقق، وأن تعلم أيضا ما تكون صنعته هينة، وما تكون صنعته غير هينة، والمصنوع الذي يعود لأصله والذي لا يعود إلى أصله، وذلك تتميما وتكملة للفائدة حتى تكون على بصيرة من سابق الأشياء ولاحقها.
فما السلع التي لا يجوز فيها السلم؟ ومتى تؤثر الصنعة ومتى لا تؤثر؟ وهل النظر إلى المنفعة في المصنوع الذي يعود لأصله يُفيد أولا يفيد؟
المتن:
قال الشيخ خليل رحمه الله: " لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ: كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ، وَالْأَرْضِ، وَالدَّارِ، وَالْجُزَافِ، وَمَا لَا يُوجَدُ وَحَدِيدٍ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ السُّيُوفُ فِي سُيُوفٍ وَبِالْعَكْسِ؛ وَلَا كَتَّانٍ غَلِيظٍ فِي رَقِيقِهِ، وَإِنْ لَمْ يُغْزَلَا؛ وَثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ وَمَصْنُوعٍ قُدِّمَ لَا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ: كَالْغَزْلِ، بِخِلَافِ النَّسْجِ إلَّا ثِيَابَ الْخَزِّ. وَإِنْ قُدِّمَ أَصْلُهُ اُعْتُبِرَ الْأَجَلُ، وَإِنْ عَادَ، اُعْتُبِرَ فِيهِمَا، وَالْمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ لِلْمَنْفَعَةِ ".
الفهــم:
الشـرح:
المعدن: مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه مثل: معدن الذهب والفضة.
الجُِزاف: فارسي معرب المجهول القدر مكيلا كان أو موزونا.
الخز: ثياب تنسَج من صوف ونحوه.
استخلاص المضامين:
- أستخلص من المتن السلع التي لا يجوز فيها السلم.
- أستخرج من المتن العلة التي لأجلها منع السلم في بعض الأنواع.
- متى تؤثر الصنعة في بعض السلع ومتى لا تؤثر؟
التحليـل:
يشتمل هذا الدرس على محورين:
أولا: السلم فيما لا يوصف ولا يوجد عند الأجل
السلم فيما لا يوصف
قال المصنف:" لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ: كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ، وَالْأَرْضِ، وَالدَّارِ، وَالْجُزَافِ " قول المصنف:" لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ" معطوف على قوله:" فيما طُبِخِ" أي لا يجوز السلم في السلع التي لا يمكن وصفها عادة وصفا كاشفا عن حقيقتها رافعا للجهالة فيها، ولذلك لا يجوز السلم في الآتي:
- تراب معدن ذهب وفضة وحِناء ونِيلة مخلوطين برمْل ونحو ذلك.
- العقار، وذلك كالأرض، والدّور، فلا يجوز أن تقول لآخر: أسلمك ثلاثة آلاف درهم في أربعة أفدنة من الطين، أو في دار، وذلك لأن شرط صحة السلم أن تبيّن صفاته التي تختلف بها الأغراض ومن جملتها البقعة التي تكون الدار والأفدِنة فيها، ومتى عيّنت البقعة كان ما فيها من الدار، والفدادين معينا، والسلم في المعين لا يصح.
- الجزاف؛ لأن من شروط صحة بيعه رؤيتَه، وهو معها معيَّن فيصير معيَّنا يتأخر قبضه والسلم بيع موصوف في الذمة.
السلم فيما لا يوجد عند الأجل
قال المصنف:" وَمَا لَا يُوجَدُ " لا يجوز السلم في الأشياء التي لا توجد أصلا كالكبريت الأحمر، أو لا توجد إلا نادراً، ككبار اللؤلؤ الخارج عن العادة، وذلك لعدم القدرة على تحصيله.وذلك شرط من شروط البيع عامة.
ثانيا: سلم الشيء في جنسه خِلقة أو صِناعة.
سلم الشيء في جنسه خلقة
سبق أنه يمتنع بيع الشيء بجنسه سلما إذا اتحدت المنفعة، ويجوز إذا اختلفت لتنزيل اختلاف المنفعة منزلة اختلاف الجنس، ومن أمثلة بيع الشيء بجنسه مع اتحاد المنفعة:
- السلم في الحديد بجنسه
قال المصنف:" وَحَدِيدٍ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ السُّيُوفُ فِي سُيُوفٍ وَبِالْعَكْسِ" لا يجوز أن يسلم حديد في سيوف إن كانت السُّيوف تخرج منه، بل وإن لم تخرج منه السُّيوف أو بالعكس؛ أي سلم سيوف في حديد وإن لم تخرج منه سيوف، والمنع مذهب ابن القاسم، وهو المشهور. وقال سحنون: يجوز سلم الحديد الذي لا يخرج منه سيوف في سيوف. ووجه قول ابن القاسم: أن السيوف مع الحديد كشيء واحد فسلم أحدهما في الآخر يؤدي إلى سلم الشيء في جنسه، وإنما كانت السيوف مع الحديد كشيء واحد؛ لأن الصفة المفارقة أي التي يمكن إزالتها لغو بخلاف الملازمة. - السلم في الكتان بجنسه
قال المصنف:" وَلَا كَتَّانٍ غَلِيظٍ فِي رَقِيقِهِ، وَإِنْ لَمْ يُغْزَلَا " يُمنع سلَم كَتانٍ - شَعْر غير مغزول - غليظ في رقيق الكَتان إنْ لم يُغْزل الكَتّان الغليظ والكتّان الرّقيق. ومفهوم الشَّرط - وهو قول المصنف:" وَإِنْ لَمْ يُغْزَلَا " - جوازُه إنْ غُزلا لاختلاف مَنفعتهما، واختلاف المنفعة يصير أفراد الجنس كالجنسين؛ كغليظ ثياب الكَتّان في رقيقها. - السلم في الثوب بجنسه
قال المصنف: " وَثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ" لا يَجوز السَّلم في ثوب قد نُسِج بعضُه لِيُكَمَّل للمُسلِم على صفةٍ خاصَّة معيَّنة، وهذا إذا لَمْ يَكثر عند البائع المسلم إليه الغَزْلُ، أمّا إذا كثر عنده الغزل؛ بحيث ينسج منه ثوب آخر لو خرج الأول على غير الصفة المشترطة جاز؛ لأنه يصير مضمونا في الذمة وذاك عين السلم.
من أحكام الاستصناع: تتمة
- سلم مصنوع في غيره
قال المصنف:" وَمَصْنُوعٍ قُدِّمَ لَا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ: كَالْغَزْلِ" لا يجوز أن يجعل المصنوع الهيِّنُ الصَّنعة رأسَ مال السلم في غير المصنوع من جنسه، كما لو أسلَم غَزْلا في كَتّان؛ لِأَنّ صَنعته لسهولتها كأنّها كالعدم لم تُخرِجه عن الكَتّان الّذي هو أَصله، فكأنّه أسلَم كَتّانا في مثله وذلك لا يجوز. - سلم مصنوع في مثله
قال المصنف:" بِخِلَافِ النَّسْجِ إلَّا ثِيَابَ الْخَزِّ" يجوز سلم الثوب المنسوج من الكتان في غَزْل من الكتان، أو في كَتّان بالأولى والأحرى، وكذلك الثوب المنسوج من صوف يَجوز سلمُه في غزْل صوف، أو شعْره، ومثل ذلك الثوبُ المنسوج من قُطن في غَزْلِ قُطن، أو شعْره؛ لأنّ الصَّنعة في النّسْج مُعتبَرة تنقله عن أصله، وبذلك يصير بمثابة جنس آخر، وهو مفهوم قول المصنف:" هَيِّن الصَّنْعَةِ" ؛ أي فإن كان غير هيّن الصَّنعة جاز كما في المنسوج، إلا ثياب الخز فلا تسلم في خزٍّ؛ لأنها تنفش وتصير خَزا، فالنسج فيها لا ينقلها عن أصلها. - جعل أصل المصنوع رأس مال السلم
قال المصنف:" وَإِنْ قُدِّمَ أَصْلُهُ اُعْتُبِرَ الْأَجَلُ وَإِنْ عَادَ، اُعْتُبِرَ فِيهِمَا" إذا جُعِل أصْلُ المصنوعِ الغيرِ هيِّنِ الصَّنْعة رَأْسَ مال للمصنوع سلما: كسلم كتَّان في ثوب، أَو نُحاسٍ في تَوْر، أو صوف في جلباب أو خشب لباب أو نحو ذلك مما ليس هين الصنعة فإنّه يُعتَبرُ الأجلُ المضروبُ بينهما للمسلَم فيه، ثم لا يخلو حاله من وجوه:
- إذا كان الأجل يسع أَنْ يُجعَل الأصل المقدَّم مصنوعًا مُنِعَ للمزابنة؛ لأنّه إجارة بما يَفضل من الأصل، وقد يفضل منه شيء وقد لا يفضل فيذَهَب عمل الصانع مجَّانًا؛ ففي ذلك إجارة بمجهول وهي غير جائزة.
- إذا كان الأجل لا يسع أَنْ يُجعَل الأصل المقدَّم مصنوعًا جاز لانتفاء المانع.
- إذا أمكن عود المصنوع غير الهين الصنعة لأصله كأواني النحاس اعتبر الأجل في سلم المصنوع في أصله وسلم أصله فيه.
- سلم المصنوع في مثله من جنس واحد
قال المصنف:" وَالْمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ لِلْمَنْفَعَةِ" إذا أُسلِم أحد المصنوعين في الآخر وهما من جنس واحد - سواء أمكن عودُه لأصله أم لا - فإنه ينظر للمنفعة المقصودة منهما؛ فإن تقاربت كسلَم قِدْر نُحاس في مثله، أو سلَم ثوب رقيق في مثله مُنِع السلَمُ؛ لأنه مِن سلَم الشيء في مثله مع اتحاد المنفعة، وإن تباعدت المنفعة كإبريق في طشت، أو ثوب رقيق في ثوب غليظ جاز السلم.
يتجلى من محاور هذا الدرس أن التربية على العلم والبصيرة في أمور المعاملات وغيرها مقصودة للشرع الحكيم؛ لتتحقق أغراض الناس ومنافعهم، وليفسح المجال لتحصيل الرغبات المشروعة. كما أن اعتبار المآل مما تبنى عليه الأحكام في الفقه الإسلامي عامة والمالكي على وجه الخصوص؛ إذ للمآلات اعتبار قوي عند المالكية رحمهم الله.
التقويم
1. ما حكم السلم فيما لا يمكن وصفه وما لا يمكن وجوده؟
2. أُبيّن متى يجوز سلم الشيء في جنسه ومتى لا يجوز؟
3. أُبرِز العلة التي من أجلها منع السلم في بعض المسائل السابقة في الدرس مع التمثيل.
الاستثمار
قال ابن القاسم:" لا يُسلَم في تراب المعادن عَيْنًا ولا عَرْضًا؛ لأنّ صفته لا تُعرَف ولو عُلِمتْ صفتُه جاز تَسليمُ العُروض فيه، ولا يجوز بالعَين؛ لأنّه يَدخله الذّهَبُ بالذَّهب والفضَّةُ بالفضّة إلى أجَل" .[ المدونة 3 /69 ].
وقال ابْنُ الْحَاجِبِ:" إنْ كَانَا مَصْنُوعَيْنِ يَعُودَانِ نَظَرْت إلَى الْمَنْفَعَةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا خَيْرَ أَنْ يُسْلَمَ سَيْفٌ فِي سَيْفَيْنِ دُونَهُ لِتَقَارُبِ الْمَنَافِعِ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْجَوْهَرِ وَالْقَطْعِ كَتَبَاعُدِهِ... فَيَجُوزُ " . [ التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمد أبي عبد الله المواق المالكي 6 /1994 ].
أتأمل هذين النصين وأجيب عما يأتي:
- ما هي السلع التي لا يسلم فيها؟ وما علة ذلك؟
- متى يؤثر اعتبار المنفعة ومتى لا يؤثر؟
- أقارن ما أستخلصه من النصين بما في الدرس.
الإعداد القبلي
أَقرأُ متن الدرس القادم وأبحث عن:
- حكم قبول مماثِل المسلم فيه قبل حلول أجله وقبل محله.
- شروط قضاء المسلم فيه بغير جنسه قبل الأجل.
