درس مبطلات الرهن، كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، مادة الفقه للسنة الثانية من التعليم الثانوي العتيق المرحلة الثانية (الدرس 24)
أهداف الدرس
- تعرُّفُ مبطلات الرهن.
- إدراكُ أحكام تصرفات المتراهنين.
- تمثُّلُ هذه الأحكام في حياتي المالية.
تمهيد:
قد يشترط أحد المتراهنين بعلم أو جهل شرطا يكون منافيا ومناقضا للعقد، وقد يدفع الإنسان شيئا لغيره اعتقادا منه أنه لازم له وواجب عليه وهو ليس كذلك، وقد يتهاون الإنسان في حيازة حقه من شخص حتى يفلس من بيده حق غيره أو يموت، وقد يأذن المرتهن للراهن في التصرف في الرهن: كأن يأذن للراهن بإسكان الدار التي ارتهنها منه أو يأذن له بإجارة ما أرهنه. كل هذه القضايا قد ثتير نزاعا بين المتراهنين وتنتج عنها الأسئلة الآتية:
ما حكم اشتراط أحد المتراهنين شرطا في الرهن؟ وما حكم تهاون المرتهن في حيازة حقه حتى طرأ مانع؟ وما حكم إذن المرتهن للراهن في التصرف في الرهن؟
المتن:
قال الشيخ خليل رحمه الله:" وَبَطَلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ: كَأَنْ لَا يَقْبِضَ وَبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ وَحَلَفَ الْمُخْطِئُ الرَّاهِنُ أَنَّهُ ظَنَّ لُزُومَ الدِّيَةِ وَرَجَعَ، أَوْ فِي قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيمٍ، وَصَحَّ فِي الْجَدِيدِ، وَبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ، وَلَوْ جَدَّ فِيهِ، وَبِإِذْنِهِ فِي... إسْكَانٍ، أَوْ إجَارَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْكُنْ، وَتَوَلَّاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ وَإِلَّا حَلَفَ وَبَقِيَ الثَّمَنُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِرَهْنٍ كَالْأَوَّلِ: كَفَوْتِهِ بِجِنَايَةٍ، وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ، أَوْ فِي بَيْعٍ وَسَلَم وَبِعَارِيَّةٍ أُطْلِقَتْ وَعَلَى الرَّدِّ، أَوْ رَجَعَ اخْتِيَارًا، فَلَهُ أَخْذُهُ، إلَّا بِفَوْتِهِ...، أَوْ حَبْسٍ...، أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ وَغَصْبًا، فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا ".
الفهــم:
الشـرح:
الدية: يقال: وَدَى القاتِلُ القتيلَ يَدِيهِ دِية إذا أَعطى وَلِيَّهُ المالَ الذي هو بدَل النفْس.
بعارية: بتشديد الياء وتخفيفها: تمليك منفعة بلا بدَل.
الغرماء: الدائنون.
غصبا: أَخْذ مال الغير ظلما وعدوانا.
استخلاص مضامين المتن:
- أستخرج من المتن مبطلات الرهن.
- أستخلص من المتن أحكام تصرف المتراهنين في الرهن.
التحليـل:
يشتمل هذا الدرس على محورين:
أولا: مبطلات الرهن
اشتراط الراهن شرطا منافيا للعقد
قال المصنف:" وَبَطَلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ: كَأَنْ لَا يَقْبِضَ" يبطل الرهن باشترط الراهن شرطا مناقضا لما يقتضيه عقد الرهن من الأحكام: كأن يشترط أن لا يُقبض منه الرهن، أو أن لا يباع في الدين الذي رُهن فيه؛ لأن من مقتضى عقد الرهن أن يُقبض الرهن من الراهن لقوله تعالى:

البقرة 282
. وأن يباع إذا لم يُسدِّد الراهنُ دينه في الأجل المسمى بينهما؛ إذ الشريعة الغراء تلغي من الشروط ما يفوت المنافع ولا يحقق المصالح حرصا على ترسيخ قيمة العدل بين الناس جميعا.
اشتراط الرهن في بيع فاسد
قال المصنف:" وَبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ " يبطل الرهن إذا اشتُرط في بيع فاسد ظَنَّ الراهنُ فيه لُزومَ الوفاء بالشرط، وأولى إن لم يَظُنَّ لُزومَه فالرهن باطل، وعليه فللِراهن أخذُه مِن مرتهنه، ومثل ذلك مَن ظَنَّ أن عليه ديْنا فدفع لصاحبه رهنا فيه ثُم تَبيَّن أنه لا دَيْن عليه فله أخذ الرهن من المرتهن، ومِثْلُ البيع في ذلك القرضُ الفاسد.
اشتراط الرهن في قرض جديد مع دين قديم
قال المصنف:" أَوْ فِي قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيم ٍ" من مبطلات الرهن اشتراطه في قرض جديد اقترضه المدين فطلب منه الدائن رهنا يكون في القرض الجديد مع دين قديم من بيع أو قرض؛ لأنه سلف جر نفعا وهو توثقه في القديم بالرهن، وصح الرهن في القرض الجديد؛ بمعنى أنه إذا لم يُطَّلَع على ذلك حتى قام الغرماء على الراهن أو عند موته كان المرتهن أحق به في الجديد فقط، ويحاصص بالقديم، فالمراد بالصحة الاختصاص به عند حصول المانع للراهن، لا الصحة المقابلة للفساد؛ إذ هو فاسد فلذا يجب رده قبل المانع، فقد تجوز المصنف بإطلاق الصحة على الاختصاص قاله الدردير.
وذلك كمَن أَقرض شخصا ألف درهم مثلا وأخذ فيها رهنا قيمتُه ألف درهم، ثُم استقرضه ألفا أخرى فَشرط عليه أن يَرهنه في ألألف رهنا آخر قِيمتُه ألف درهم، لم يَجز؛ لأنه انتفع بزيادة تَوثّقٍ في الألف الأُولى، فهو سلف جَرّ منفعة. والسلف إنما شرع لتحقيق النفع للغير لا للنفس.
موت الراهن أو فلسه قبل حيازة الرهن
قال المصنف:" وَبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ، وَلَوْ جَدَّ فِيهِ " إذا لم يَحز المرتهِن الرهن حتى مات الراهن أو فلس بطل الرهن، ولو اجتهد المرتهن في حوزه فلا يفيده، بخلاف الهبة والصدقة فإن الجِدّ في حوزهما يفيد؛ لأنهما خرجا عن ملكه بالقول، بخلاف الرهن فإنه لم يخرج عن ملك راهنه فلا بُدّ في حوزه من القبض.
رجوع الرهن لراهنه
- رجوعه إليه اختيارا
قال المصنف:" أَوْ رَجَعَ اخْتِيَارًا، فَلَهُ أَخْذُهُ، إلَّا بِفَوْتِهِ" إذا عاد الرهن للراهن اختيارا أو بعارية مقيدة فللمرتهن أخذه ما لم يفت عند الراهن قبل أخذه منه كتحبيس الرهن أو قيام الغرماء على الراهن ، وذلك قول المصنف:" أَوْ حَبْسٍ...، أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ". - رجوعه إليه غصباً
قال المصنف:" وَغَصْبًا، فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا" إن غُصب الرهن من المرتهن ورجع لراهنه فللمرتهن أخذه من الراهن مطلقا فات أو لم يفت. قال ابن عرفة:" وَرُجُوعُ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ دُونَ اخْتِيَارِ الْمُرْتَهِنِ لَا يُبْطِلُ حَوْزَهُ " [ المختصر الفقهي لابن عرفة 6 /353] وذلك؛ لأن الشرع الحكيم لا يَعتدّ بالغصب ولا يُرتب عليه أثراً؛ لأنه ظلم وعدوان على حق الغير.
ثانيا: تصرفات الراهن والمرتهن
تصرفات الراهن
قال المصنف:" وَحَلَفَ الْمُخْطِئُ الرَّاهِنُ أَنَّهُ ظَنَّ لُزُومَ الدّيّةِ وَرَجَعَ " من جنَى خطأ جنايةً تَحمِلها عاقلته وعشيرته وظَنَّ أن دِيته لَزِمته وحده فرَهن بسببها رهنا، ثُم تَبيّن أنها تَلزم العاقِلة، حلَف المُخطِئ الراهنُ على أنه ظَن لزوم الدية له وحده ورجَع في رهنه في جميع الدية.
من خلال قضية تحليف الراهن والمرتهن يبرز الوازع الإيماني فمَن قوي إيمانه، ورسخ في قلبه أحجم عن الحلف كذبا، ومَن ضعف إيمانه أقدم على الحلف ولو كان كاذباً، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن حلف يمينا كاذبة يقتطع بها حق غيره.
تصرفات المرتهن
- إذنه للراهن في الرهن بالإجارة أو الإسكان
قال المصنف:" وَبِإِذْنِهِ فِي...إسْكَانٍ، أَوْ إجَارَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْكُنْ" يبطل الرهن بإِذْن المرتهنِ للراهن في أن يَسكن بنفسه الدار المرهونة أو يُسكن غيره فيها، أو إِذنٍ له أيضا في أن يؤاجر الذات المرهونة سواء أكانت عقارا أو حيوانا أو عرضا. وردّ المصنف بقوله:" وَلَوْ لَمْ يَسْكُنْ" قول أشهب: إنه لا يبطل الرهن بمجرد الإذن فيما ذكر بل حتى يسكن أو يؤاجر بالفعل. وهذا ينبني على القاعدة الفقهية: هل الإذن في الشيء كالفعل له؟
وكما يبطل الرهن بإذن المرتهن للراهن في الإسكان والإجارة ونحوهما يبطل بإذن المرتهن للراهن في بيع الرهن، والحال أنه قد سَلَّمَه له وباعه ويبقى الدين بلا رهن، وإن لم يسلم المرتهن الرهن للراهن مع إذنه له في بيعه، بأن أبقاه تحت يده وقال: إنّما أَذِنتُ له في بيعه خوفا عليه من عفن أو أكل أو سوس أو نحو ذلك، أو ليأتي له برهن ثقة بدلَه لا ليكون دينُه بلا رهن حلف المرتهِنُ على ذلك وبقي الثمن الذي بيع الرهن به رهنًا في الدين لحلول الأجل إن لم يأت الراهن برهن كالأول في قيمته. وفي ذلك قال المصنف:" أَوْ فِي بَيْعٍ وسَلَمٍ، وَإِلَّا حَلَفَ وَبَقِيَ الثَّمَنُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِرَهْنٍ كَالْأَوَّلِ: كَفَوْتِهِ بِجِنَايَةٍ، وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ ". - إعارته الرهن للراهن أو لغيره
قال المصنف:" وَبِعَارِيةٍ أُطْلِقَتْ " يبطل الرهن بإعارة المرتهِن الرهن لراهنه أو لغيره بإذنه إعارة مطلقة، قاله المازري؛ لأن إذن الراهن في الإعارة كجولان يده في الرهن ليُنتفع به بلا عوض.
ثم صرح المصنف بمفهوم قوله:" أطلقت " فقال: " وَعَلَى الرَّدِّ " أي وإن لم تطلق العارية، بل أعاره الرهنَ على شرط الرَّدّ للمرتهن قبل حلول أجل الدين؛ بأن قيدها بزمن، أو عمل ينقضي قبلَه، أو قال له: إذا قُضِيت حاجتُك فرُدَّه إلَيَّ فله أخذه من الراهن، وكذلك لو رجَع الرهنُ لراهنه اختيارًا مِن المرتهِن بغير إعارة؛ بإيداع، أو إجارة، وانقَضتْ مُدَّتُها قبل حلول أجل الدين، فاللمرتهِن أخذ الرهن مِن راهنه، وجعله رهنا كما كان بلا يمين، وله أخذه قبل انقضاء مُدَّتها أيضا، لكن بعد حلفه أنه جهِل أن ذلك نقض لِلرهن.
يتبن مما سبق حرص الشريعة على حماية العقود المالية وصيانتها من كل ما يعود عليها بالإبطال كبعض الشروط المنافية لمقتضيات العقود ومقاصدها، وبذلك يتحقق المقصد الحقوقي كما أباحت الشريعة من الشروط ما لا يتنافى ومقتضيات العقود ومقاصدها، وبذلك يتحقق المقصد الجودي النفعي والكوني في اعتبار المال وسيلة لعمارة الأرض بالخير والتعارف بين الناس.
التقويم
- أذكر مبطلات الرهن.
- أبرز أحكام تصرفات الراهن والمرتهن.
- أوضح متى يكون المرتهن أحق بالرهن ومتى لا يكون.
- أبين حكم الصورة الآتية مع التعليل: شخص ارتهن سيارة في دين وأذن للراهن في ركوبها.
الاستثمار
قال مالك:" لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يُكْرِيَ فَقَدْ خَرَجَتْ الدَّارُ مِنْ الرَّهْنِ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ أَوْ يُكْرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَهَنَ بِئْرًا أَوْ عَيْنًا فَأَذِنَ لِرَبِّهَا أَنْ يَسْقِيَ بِهَا زَرْعَهُ لَخَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَجَّرَهُ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهُ أَوْ رَدَّهُ إلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ حَتَّى يَكُونَ الرَّاهِنُ هُوَ الْحَائِزَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ". [ الجامع لمسائل المدونة، لابن يونس 12 /561 ]
قال ابْنُ الْحَاجِبِ:" لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ جَدِيدٍ مَعَ الْقَدِيمِ فَسَدَ وَلَمْ يَكُنْ رَهْنًا إلَّا فِي الْجَدِيد ِ". [ جامع الأمهات لابن الحاجب ص:377 ].
أتأمل النصين وأجيب عما يأتي:
- أعرف بمصدري النصين ومؤلفيهما.
- ما حكم الرهن إذا رجع للراهن؟
- أبين حكم الصورة الآتية مع التعليل والاستشهاد: رجل طلب قرضا جديدا مع وجود قرض قديم في ذمته للمقرض فطلب منه المقرض رهنا في القرض الجديد.
الإعداد القبلي
أقرأ متن الدرس القادم وأبحث عن:
- حكم الحيازة والتحويز.
- أحكام ضمان الرهن
- متى يجوز شرط منفعة الرهن ومتى لا يجوز؟
